أقرّ الكونغرس الأميركي قانوناً بتاريخ 17/11/2015 يرمي إلى حظر التمويل الدولي لحزب الله، وفرض تطبيق قانون العقوبات الأميركية على الأشخاص الذين يرتكبون أو يشاركون أو يتدخلون أو يساهمون في مخالفة أحكامه، وأبرز ما تضمّنه هذا القانون ما يأتي:

- وصف قناة «المنار» بأنها تابعة لمنظمة إرهابية، وطلب تقرير عن كل شركات البث والستالايت والإنترنت التي تتعاقد معها أو تقدم لها خدمات بث وتواصل، تمهيداً لوضع هذه الشركات على لائحة المقاطعة الأميركية بتهمة دعم نشاطات إرهابية وتمويلها.
- الحظر على المصارف الأميركية فتح أو الإبقاء على أي حساب وسيط لإتمام معاملات أي مصرف أجنبي تورّط في تبييض أموال لحساب حزب الله أو القيام بأي تحويلات مالية أو تقديم أي خدمات مصرفية تساعد حزب الله في تحويل الأموال. كذلك تشمل هذه الإجراءات المصارف التي تتعامل مع الأشخاص والمؤسسات الواردة أسماؤهم على اللائحة السوداء بتهمة علاقتهم بحزب الله.
- طلب لائحة بأسماء الدول التي تقدم دعماً مالياً لحزب الله والدول التي يوجد للحزب فيها شبكات للخدمات اللوجستية. حيث سيصار إلى سؤال حكومات هذه الدول عن الإجراءات المتخذة من قبلها لوقف هذه النشاطات أو منعها.
- طلب التحري عن الطرق المعتمدة من قبل حزب الله للحصول على التمويل والقيام بحوالات مصرفية، سواء أكان ذلك من طريق استخدام النشاطات التجارية أو مراكز الصيرفة أو مناطق التجارة الحرة.
- طلب التحري عن نشاطات حزب الله المتعلقة بـ«تجارة المخدرات» و«النشاطات الإجرامية» الأخرى، ومن ضمنها «الإتجار بالبشر»، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات اللازمة من قِبل الإدارة الأميركية لتصنيف حزب الله كجهة أجنبية تقوم بفعل تجارة المخدرات على المستوى الدولي.
- طلب التحري عن مصادر وطرق تمويل حزب الله.
- طلب التحري عن المصارف التي تُقدم تسهيلات أو خدمات مالية ومصرفية لحزب الله.
من الواضح أن صدور هذا القانون قد أتى في إطار عزم الولايات المتحدة الأميركية على مواجهة حزب الله اللبناني، واللافت فيه أنه قانون خاص بجهة واحدة هي حزب الله اللبناني، ما يعطي دلالة خاصة على أن الموقف الحاسم للكونغرس الأميركي بتجريم التعامل المالي ليس فقط مع حزب الله كمؤسسة وإنما مع أفراده أو من يتهم أنه يؤدي أعمالاً لصالح حزب الله، إذ أنَّ التعامل مع حزب الله هو جرم بنظر القانون الأميركي، ويمكن إبراز عناوين هذا القانون كالآتي:
- أنه وصف حزب الله بالمنظمة الإرهابية.
- أنه أخضع قناة المنار للقيود لناحية منعها من إبرام عقود مع شركات الاتصالات والانترنت والبث الفضائي.
- أنه خاطب الدول التي تموّل أو تتيح لهيئات داخلية لديها تمويل حزب الله أو دعمه لوجستياً.
- أنه يسعى للتحري عن أنشطة حزب الله في مجال المخدرات والاتجار بالبشر وغيره من النشاطات الاجرامية.
- أنه يحظر على المصارف الأميركية التعامل مع أي مصرف يتورّط في تبييض أموال لحساب حزب الله أو القيام بأي تحويلات مالية أو تقديم أي خدمات مصرفية تساعد حزب الله في تحويل الأموال. كذلك تشمل هذه الإجراءات المصارف التي تتعامل مع الأشخاص والمؤسسات الواردة أسماؤهم على اللائحة السوداء بتهمة علاقتهم بحزب الله.
إن موقف الولايات المتحدة الأميركية من منظمة حزب الله، والسعي للتحري عن أنشطته هو أمر يخصّ هذه الدولة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى علاقة الولايات المتحدة الأميركية ببقية الدول ومحاولة التأثير في موقف هذه الدول من حزب الله لناحية تمويله أو دعم أنشطته اللوجستية. ولكن ما يهمنا هو بيان أثر هذا القانون في الداخل اللبناني، فهل يكون لهذا القانون مفاعيل نافذة على المؤسسات اللبنانية.
وقبل البدء ببيان القوانين اللبنانية ذات الصلة بمضمون القانون الأميركي، لا بدّ من التذكير بمبدأ بديهي في القانون الدولي، أن ما يصدر من قوانين وأنظمة في الخارج لا تلزم مواطني الدول الأخرى إلا إذا أبرمت بموجب معاهدات دولية ثنائية أو جماعية صدّقت أصولاً ونشرت في الجريدة الرسمية الداخلية، ذلك أن المبدأ المستقر في النظم القانونية كافة تعتبر أن كل ما لا ينشر في الجريدة الرسمية أو في النشرات المقررة قانوناً، لا يحوز قوة النفاذ داخل الدولة لا يلزم القضاء الداخلي ولا الأفراد.
وبالفعل فإن القانون الأميركي محل الدراسة لم يقرر فرض عقوبات على مؤسسات عاملة خارج الأراضي الأميركية، وإنما قرر إما مقاطعة هذه الشركات أو معاقبة المؤسسات المالية اللبنانية التي تجري تحويلاتها عبر نيويورك، أي أن صلة المكان هي المبرر للتجريم المالي ولهذا وبسبب موقع القوة الناجم عن حاجة المؤسسات المصرفية في كافة الدول بإجراء التحويلات عبر نيويورك بحيث يكون لها فروع في هذه الولاية أو تتعامل مع مصرف له فرع فيها، وبالتالي فإن عدم الامتثال للقانون سيؤدي إلى المعاقبة على النشاط المرتكب في نيويورك وليس في لبنان وأن الخشية من حظر معاملاتها المصرفية هو مصدر قلق هذه المؤسسات المالية الذي دفعها للتقيّد بالقانون من باب القوة وليس من باب الإلزام القانوني.
ويبقى سؤال هل يمكن قبول التوصيفات الواردة في القانون الأميركي بحقّ حزب الله اللبناني؟ من المفيد عرض القانون اللبناني الذي يجرّم أعمال تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وهو القانون رقم 44 تاريخ 24/11/2015 وهو قانون قد تزامن صدوره مع صدور القانون الأميركي.
عدّد هذا القانون في مادته الأولى الأعمال التي تكون مصدراً لأموال غير مشروعة والناتجة عن ارتكاب أو محاولة ارتكاب أو الاشتراك في 21 نوعاً من الأعمال سواءً حصلت هذه الأعمال في لبنان أو خارجه، وأبرزها: الأعمال ذات الصلة بالمخدرات، الارهاب وتمويله، الاتجار بالأسلحة، الاتجار بالبشر...
وفي مادته الثانية جرّم القانون اللبناني تبييض الأموال، سواءً اتخذ شكل إخفاء المصدر الحقيقي للأموال غير المشروعة أو إعطاء تبرير كاذب لهذا المصدر، أو تحويل الأموال أو نقلها، أو استبدالها أو توظيفها لشراء أموال منقولة أو غير منقولة أو للقيام بعمليات مالية بغرض إخفاء أو تمويه مصدرها غير المشروع.
وفرضت المادة الرابعة على المصارف والمؤسسات المالية وما شابهها موجب التشدد في تطبيق إجراءات العناية الواجبة على العملاء الدائمين والعابرين، والقيام بالمراقبة المستمرة ومراجعة علاقات التعامل، واتخاذ الحيطة والحذر لناحية الأخذ بالمؤشرات التي تدل على احتمال وجود عمليات تبييض للأموال أو تمويل إرهاب.
ومن الراهن أنَّ القانون اللبناني كافٍ لملاحقة ومعاقبة كل من يثبت ارتكابه عملاً غير مشروع، ولكن وجهة الخلاف بينه وبين القانون الأميركي هي أن الأخير لا يناقش بمشروعية الأنشطة، بل يتناول حزب الله، في حين أنَّ القانون اللبناني هو قانون عام يطال كل من خالف أحكامه.
ولهذا، وفق القانون اللبناني فإن اتهام أحد أفراد حزب الله يشترط أن يكون قد ارتكب أحد الأفعال غير المشروعة المحددة في مادته الأولى، ولا يمكن وصف حزب الله بأنه منظمة إرهابية أو أن انشطته إرهابية إلا إذا كانت أفعاله أفعالاً ارهابية وفق القانون اللبناني، ويستحيل الأخذ بالقانون الأميركي الذي اعتمد مبدأ الإدانة من خلال عناوين القانون ومضمونه من دون مراعاة طبيعة النشاط أو الجهة المستفيدة منه.
إن انضمام لبنان إلى «الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب»، بموجب القانون رقم 57 الصادر بتاريخ 31/3/1999، يجعل من التعريف الوارد في هذه الاتفاقية للارهاب ملزماً للدولة اللبنانية، ولقد عرّفت المادة الأولى الارهاب بأنه: كل فعل من افعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه او اغراضه، يقع تنفيذاً لمشروعٍ إجراميٍ فرديٍ أو جماعي، ويهدف الى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو الحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الاملاك العامة او الخاصة، او احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر.
ويتلاقى هذا التعريف مع التعريف الوارد في المادة 314 من قانون العقوبات اللبناني التي تنصّ على أنه: يعنى بالأعمال الإرهابية جميع الأفعال التي ترمي إلى إيجاد حالة ذعر وترتكب بوسائل كالأدوات المتفجرة والمواد الملتهبة والمنتجات السامة أو المحرقة والعوامل الوبائية أو المكروبية التي من شأنها أن تحدث خطراً عاماً.
وكذلك تتلاقى مع التعريف المعتمد في قرارات مجلس الأمن الدولي، لا سيما القرار 1566 تاريخ 8/10/2004 الذي وصفها بأنها من فئة الأعمال الإجرامية التي ترتكب ضد المدنيين بقصد إلحاق الموت بهم أو إصابتهم بإصابات جسمانية خطيرة، أو أخذ الرهائن بغرض إشاعة حالة من الرعب بين عامة الجمهور أو جماعة من الأشخاص أو أشخاص معينين، أو لتخويف جماعة من السكان، أو إرغام حكومة أو منظمة دولية على القيام بعمل ما أو عدم القيام به، التي تشكل جرائم في نطاق الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية ذات الصلة بالإرهاب ووفقاً للتعريف الوارد فيها، لا يمكن تحت أي ظرف من الظروف تبريرها بأي اعتبارات ذات طابع سياسي أو فلسفي أو عقائدي أو عنصري أو عرقي أو ديني أو أي طابع آخر من هذا القبيل، ويهيب الدول أن تمنع هذه الأعمال، وأن تكفل، في حالة عدم منعها، المعاقبة عليها بعقوبات تتمشى مع ما لها من طابع خطير.
وعدا عن كون هذا التعريف لا ينطبق على أنشطة الحزب، لعدم صدور أي حكمٍ قضائي في لبنان يدين أفراداً من حزب الله بارتكاب أعمال ارهابية، فإن مجلس الأمن الدولي لم يصف يوماً حزب الله بالمنظمة الارهابية، على الرغم من كون السوابق تفيد بأنه عندما يرى مجلس الأمن الدولي أن منظمة ما هي منظمة إرهابية فإنه لا يتردد بتسميتها صراحة، كحالة الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر:
- القرار رقم 1989 تاريخ 18/6/2011 الذي جاء فيه: إن الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره يمثل أحد أشد الأخطار التي تهدد السلم والأمن وأن أي عمل من أعمال الإرهاب هو عمل إجرامي ولا يمكن تبريره بغض النظر عن دوافعه، وبصرف النظر عن توقيته أو هوية مرتكبه؛ وإذ يكرر إدانته القاطعة لتنظيم القاعدة وسائر مَن يرتبط به من أفراد وجماعات ومؤسسات وكيانات، وذلك لما يرتكبونه من أعمال إرهابية إجرامية متواصلة ومتعددة تهدف إلى قتل المدنيين الأبرياء وغيرهم من الضحايا وتدمير الممتلكات وتقويض دعائم الاستقرار إلى حد كبير.
- القرار رقم 2178 تاريخ 24 أيلول 2014 الذي جاء في: «إذ يعرب عن القلق بصفة خاصة إزاء تجنيد المقاتلين الإرهاببين الأجانب من جانب كيانات من قبيل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة وغيرهما من خلايا تنظيم القاعدة...».
أما حزب الله فلم يقدم مجلس الأمن على وصفه بالمنظمة الارهابية يوماً، بل يمكن القول إن عمله المسلح يدرج ضمن حق الشعوب في الدفاع عن نفسها المكرّس في ميثاق المم المتحدة وقرارات أممية واتفاقيات دولية، نذكرها كالآتي:
- المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة: «ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء «الأمم المتحدة» وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي،...».
- قرار مجلس الأمن رقم 1368 تاريخ 12/9/2001: «يسلم بالحق الأصيل الفردي أو الجماعي للدفاع عن النفس وفقاً للميثاق».
- المادة الثانية من الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب: «لا تعد جريمة، حالات الكفاح بمختلف الوسائل، بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الاجنبي والعدوان من اجل التحرر وتقرير المصير، وفقاً لمبادئ القانون الدولي، ولا يعتبر من هذه الحالات كل عمل يمس بالوحدة الترابية لأي من الدول العربية».
يتبيّن أنه وفق النص العام لا تعدّ أعمال حزب الله ارهابية، وكذلك الأمر في النصوص الخاصة بحالة لبنان، فإن قرارات مجلس الأمن الدولي لم تشر إلى حزب الله على أنه منظمة إرهابية ولم يصدر عن الأمم المتحدة لغاية تاريخه أي قرارٍ يصف المقاومة اللبنانية بالإرهاب؟
فالقرار 1701 تاريخ 11 آب 2006 الذي خاطب حزب الله بالاسم تضمن عبارة «وقف حزب الله الهجمات، فإنه تحدّث عن التطبيق الكامل لبنود اتفاق الطائف ذات الصلة والقرارَين 1559 (2004) و1680 (2006) التي تنصّ على نزع سلاح كلّ المجموعات المسلّحة في لبنان بحيث أنّه، وتبعاً لقرار الحكومة اللبنانية في 27 تموز 2006، لن تكون هناك أسلحة أو سلطة في لبنان غير أسلحة الدولة اللبنانية وسلطتها.
وفي القرار رقم 1680 تاريخ 17/5/2006 أعرب مجلس الأمن عن تأييده التام للحوار الوطني اللبناني وأشاد بجميع الأطراف اللبنانية لحسن تصرفها ولتوافق الآراء الذي تم التوصل إليه في هذا السياق في بشأن مسائل هامة (وكان حزب الله احد هذه الأطراف)، ثمّ دعا إلى بذل المزيد من الجهود لحل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها واستعادة سيطرة الحكومة اللبنانية الكاملة على جميع الأراضي اللبنانية؛
وكذلك الأمر في القرار رقم 1559 تاريخ 2/9/2004 الذي دعا إلى حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها.
ومن البيِّن أنَّ موقف مجلس الأمن الدولي من حزب الله واضح لناحية توجيه الدعوة إلى نزع السلاح من دون ربط هذه الدعوة بمهلة أو إقرانها بجزاء، وفي ذلك دلالة واضحة على أنه يتعذّر البحث جدياً في نزع سلاح المقاومة قبل التوصل إلى حلٍ عادلٍ وشامل لأزمة الشرق الأوسط.
وإلى جانب الموقف المذكور لمجلس الأمن الدولي، فإن الحكومة اللبنانية ومجلس النواب اللبناني أدخلا سلاح المقاومة في البيانات الوزارية المتعاقبة اعتباراً من البيان الوزاري للحكومة الأولى في عهد الرئيس الياس الهراوي التي ترأسها الرئيس سليم الحص، تاريخ 25 تشرين الثاني 1989 والذي جاء فيه: «إن الحكومة في الوقت ذاته لن تألو جهداً ولن تدِّخر وسعاً في العمل على تحرير الارض من الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب والبقاع الغربي بكل الوسائل المتاحة ولا سيما دعم المقاومة الباسلة...». ومنذ ذاك التاريخ لم تشذ حكومة لبنانية عن هذا المنحى حتى تاريخه.

حظر التعامل المصرفي دون سندٍ قانوني داخلي هو تصرف غير مبرر

وعليه، فإن حزب الله بشقيه العسكري والمدني لم يدرج ضمن فئة المنظمات الارهابية كما لم تصّنف أفعاله ضمن فئة الأفعال غير المشروعة التي تبرر مساءلة أفراده واتخاذ العقوبات الجزائية والمالية وفق أحكام القانون اللبناني.
ولهذا وعملاً بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات المقرر في المادة الثامنة من الدستور اللبناني: «الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون ولا يمكن أن يقبض على أحد أو يحبس أو يوقف إلا وفاقاً لأحكام القانون ولا يمكن تحديد جرم أو تعيين عقوبة إلا بمقتضى القانون»، فإن أي إجراءات مقيّدة للحرية تفرض على أي لبناني، وأي عقوبة تناله يجب أن تكون مبررة بارتكاب المواطن جرماً أو فعلاً معاقباً عليه في القانون اللبناني.
وإذا كانت للولايات المتحدة الأميركية حسابات مع حزب الله، فإن تسويتها لا تتمّ من خلال إلزام المصارف اللبنانية بفرض تدابير على لبنانيين تنفيذاً لأحكام قانون أجنبي لم يأخذ الصيغة التنفيذية في لبنان من خلال قوانين يسنها المشترع اللبنانيّ أو أنظمة يضعها مصرف لبنان وفق قواعد توزيع الصلاحية.
وإن هذا التنفيذ المباشر يمسّ السيادة الوطنية لمخالفته القوانين اللبنانية، ويتيح لهيئات خاصة إنفاذ قانون أجنبي وإهمال القانون اللبناني، مع ما يعنيه ذلك من اعتراف الجهات اللبنانية بصحة التهم المنسوبة للأشخاص الذين تعرّضوا لعقوبات المصارف.
إذا كان الامتناع عن تطبيق القانون الأميركي سيلحق ضرراً بالمصارف اللبنانية من خلال تعرّضها لعقوبات هذا القانون أقلّه حظر تعاملاتها المالية، فإن الظروف الواقعية بالمقابل تجعل من المستحيل تطبيق هذا القانون في الداخل اللبناني، دون حدوث اهتزازات ميثاقية من خلال استهداف فريق سياسي شريك في الدولة على مستويات عدة وممثل قوي لمكون مؤسس ووازن ديموغرافيا في وطن الارز، وهذا بدوره سيؤثر على الاستقرار المصرفي الداخلي.
علماً أن حظر التعامل المصرفي مع المواطنين اللبنانيين دون سندٍ قانوني داخلي هو تصرف غير مبرر ووفق النظم القانونية الداخلية ويمنح المتضرر الحق بمطالبة المصرف بالتعويضات عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت به جراء تدبير اتخذه المصرف بصورة فردية وبدون اتِّباع الإجراءات القضائية المقررة.
إذ أن المادة 7 قانون قانون مكافحة تبيض الأموال وتمويل الارهاب قد ألزمت المصارف وغيره من المؤسسات المالية والمحاسبين المجازين وكتاب العدل، عند إعدادهم أو تنفيذهم معاملات لصالح عملائهم، إبلاغ رئيس هيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان فوراً عن تفاصيل العمليات المنفذة أو التي جرت محاولة تنفيذها والتي يشتبهون بأنها تتعلق بتبييض أموال أو بتمويل إرهاب، وأن هذه الهيئة تتخذ التدابير المناسبة بعد إجراء التحقيقات، ويعمد المصرف إلى تنفيذها.
وعليه فإن اتخاذ القرار بتجميد حسابات عائدة لأفراد واردة أسماؤهم على اللائحة الأميركية يستوجب قراراً من هيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان.
بالمقابل فإن من واجب السلطات الدستورية اللبنانية اتخاذ التدابير لحماية المصارف والشركات اللبنانية من مغبة التعرض للعقوبات الأميركية، لا أن تترك هذه القضية للاهمال مع ما قد يترتب على تركها من عواقب مؤثرة في القطاع المالي من خلال تعرّض المصارف للعقوبات الأميركية او لوقف أنشطتها المالية أو في السلطة القضائية عندما تُترك للمصارف سلطة أن تدين وتعاقب من دون الرجوع إلى السلطة القضائية المختصة.

* عميد كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية
** أستاذ في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية