إذا افترضنا أنّ ظهور وتطور قناة «الجزيرة» القطرية جاء في سياق عربي طبيعي، أو في سياق طفرة ذاتية قطرية، أو في سياق إبداع نخبوي ضمن بيئة مهنية حاضنة، فإن الطبيعي أيضاً أن يخضع هذا الإبداع المهني الطليعي لقوانين الطبيعة ونواميس التاريخ المجتمعي وسننه. وهي قوانين يأتلف عليها العالم بعربه وعجمه منذ أطلق باكورتها العلّامة العربي المسلم ابن خلدون، حيث أثبت أن المجتمعات والمؤسسات حالها كحال الإنسان ينتقل من: طفولة لشباب فكهولة وشيخوخة تنتهي بالموت. ضمن هذه النواميس الطبيعية الغالبة، لو أخضعنا حال قناة «الجزيرة»، وهي بلا شك قد شكّلت في مستهل عقدها الأول حالة إبداع في الوعي العربي من زاوية الحرية الصحافية الإعلامية، وإن ضمن مشهد متفاعل تم استثماره باتجاهات متضاربة، لعل من تداعياتها ما يعيشه العالم العربي اليوم من صراعات حادّة، يراها البعض ربيعاً، فيما يراها كثيرون ربيعاً أنبت حقولاً من الألغام المتفجرة بالبشر والحجر والشجر.

بلغ عمر «الجزيرة» الآن عشرين عاماً، وهو عمر حافل بالضجيج، كانت فيه القناة أكثر من مجرد ناقل لخبر عاجل، بل جزء من الخبر في بعض الأحيان، وجزء من صناعة الحدث في أصله وديمومته، بما أعطى لـ«الجزيرة» دوراً محورياً نقل مكانة قطر الاستراتيجية لتناطح أو تشارك الدول الإقليمية الكبرى في المنطقة كمصر وتركيا والسعودية وإيران.
وعند النظر لحصاد «الجزيرة» العمري في سياق الناموس الاجتماعي الخلدوني، نجد أن عمرها الآن في فورة الشباب، بما يُفترض أنها في صعود الذروة، ولكن الواقع المشاهد خلاف ذلك، فهي وإن دخلت في عمر الشباب إلّا أن فاعليتها الراهنة تشبه إلى حدّ بعيد مرحلة الكهولة الاجتماعية، بما تجاوز مرحلة الشباب ووقف على أعتاب مرحلة الشيخوخة، وهي شيخوخة مبكرة كما يبدو، يتعرض لها الإنسان أو المجتمع أو المؤسسة بطبيعة الحال عندما يصيبه مرض طارئ أو يحمّل نفسه فوق طاقته، ويبدو أن الجزيرة وقعت في كلا الأمرين.
تؤكد «الجزيرة» أن نسبة متابعتها يومياً انخفضت بشكل كبير جداً، ففيما بلغت ذروة متابعتها اليومية بعدد وصل إلى 46 مليون متابع، انخفض هذا العدد، وحسب «الجزيرة» ذاتها لأكثر من عشرين مليون، فيما تؤكد الدراسات والتقديرات الغربية أن العدد انخفض من 46 مليون متابع إلى ستة ملايين متابع يومياً، ولعل إقرار «الجزيرة» بالتراجع إلى أقل من النصف بكثير يؤكد مصداقية التقارير الغربية. وهي تقارير محايدة بخلاف تقارير «الجزيرة» التي تحاول رأب الصدع عبر تقديرات تقصد من خلالها تخفيف حجم التراجع، وهو تراجع متصل وريدياً بفشل مشروع الربيع العربي الذي راهنت عليه ودعمته وما زالت، أو هو نجاح الغرب في احتواء هذا الربيع في أحسن الأحوال بحسب رأي «الجزيرة»، ولم تعد تجلياته تظهر بصورة إسقاط طواغيت الحكم، أو زحف الجماهير في الميادين العامة تهتف بالحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، بقدر ما يتجلى هذا الربيع الآن في حروب طاحنة، وكوارث اجتماعية، ونعرات طائفية وقومية، وصراعات حزبية ومناطقية وقبلية، ودعشنات إرهابية، في ظل تدخلات عالمية أميركية وروسية، مع استثمار إسرائيلي هادئ.
ولو أخذنا القضية الفلسطينية كمثال على تراجع القناة وهي في عمر الشباب وفق الناموس الاجتماعي، خاصة أن القضية الفلسطينية كانت وستبقى القضية المركزية لمن شاء ولمن أبى، بحكم طبيعتها، وبحكم طبيعة الكائن الغريب الذي يحتلها ويحلم صبح مساء في دولة من الفرات إلى النيل. وهو كائن معترف به من «الجزيرة» منذ باكورتها دون مواربة، فخريطة فلسطين على شاشات الجزيرة كانت وما زالت بقعة صغيرة في الضفة الغربية وغزة، تحيط بها دولة اسمها «إسرائيل». وتبرر القناة أن ذلك مرتبط بعوامل متداخلة من بينها أن إسرائيل صارت واقعاً ينبغي التعامل معه باسمه ورسمه، وهو ما تفعله «الجزيرة» أيضاً مع من تسميه «تنظيم الدولة الإسلامية» ويسميه العالم «داعش» وفق اعتبارات واقعية، ولكن هذه الاعتبارات تختفي في التعامل مثلاً مع تنظيم «أنصار الله» في اليمن، فلا تسميهم إلا الحوثيين.
أظهرت استطلاعات محايدة للرأي في فلسطين مستوى تراجع متابعة القناة، ففي استطلاع مركز وطن للدراسات في مستهل شهر آذار المنصرم، تبيّن أن القناة التي طالما احتلت المركز الأول للمتابعة في فلسطين في العقد الأول من عمرها، بلا منافس، قد تراجعت إلى المركز السادس بنصيب لا يتجاوز 5% حيث تجاوزتها فضائيات: فلسطين اليوم والأقصى وفلسطين والقدس، بل بعد قناة «الميادين» اللبنانية التي ظهرت كمنافس على خلفية الصراع في سوريا.

بدأت رحلة «الجزيرة» في الكهولة المبكّرة منذ استقالة وضاح خنفر

تشير جملة هذه المعطيات في ضوء قوانين علم الاجتماع إن انتقال القناة لمرحلة الكهولة العمرية من دون الاستقرار لعقدين إضافيين في عمر الشباب، إلى أصل نشأة هذه القناة، بما يعزز رأي كثير من الباحثين لطبيعة وجهة تشكلها ضمن خطط ضليعة للوصول بالعرب إلى مشروع الفوضى الخلّاقة لشرق أوسط جديد، وهو مشروع أميركي صريح، لكن غير الصريح أن القناة رسّخت لعقد من الزمن كمحرض ضد السياسة الأميركية، خاصة في ضرباتها الإعلامية البارزة إبّان بروز نجم تنظيم القاعدة، عبر حصولها الاستثنائي دائماً على فيديوهات اسامة بن لادن وايمن الظواهري والزرقاوي، في ظل الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان، وهو ما حاولت «الجزيرة» تكراره مع الجولاني وغيره من قادة الجماعات المسلحة في سوريا وليبيا، في محاولة لتوجيه المزاج العربي باعتبار هؤلاء أبطالاً ضد الطغاة كما كان ابن لادن ورفاقه أبطالاً في وجه الاحتلال الأميركي.
بدأت رحلة «الجزيرة» في الكهولة المبكرة، بعيداً عن رأي من قال بخلفيات المؤامرة، منذ استقال مديرها العام وضاح خنفر بشكل مفاجئ، على خلفية ما نشرته تسريبات ويكيلكس من اتصالات أميركية مع القناة قبيل نشرها لكثير من التقارير، وهو ما شكّل صدمة للمشاهد العربي الذي افترض أن «الجزيرة» هي العدو الإعلامي الأول لأميركا، لذا يبدو طبيعياً أن تتكشف أولى تراجعات القناة بإغلاق «الجزيرة أميركا» بعد أن انخفض عدد متابعيها إلى أقل من 20 ألفاً، وتسريح موظفيها الـ700، وما أُعلن عن نيّتها تقليص عدد موظفيها الـ5200 في كافة فروعها، ليستقر على حوالى الـ2000. وهو ما بدأته من حملة إلغاء عقود للمئات من موظفيها أو هي «تفنيشات» عارمة تقض مضاجع موظفيها، بما شكّل حالة أرق لا تستثني حتى مذيعيها ومخرجيها البارزين، خاصة مع «تفنيش» 300 موظف من المقيمين في الدوحة، ولعل لسان حالهم ما عبّرت عنه هويدا طه، الكاتبة ومخرجة البرامج الوثائقية في القناة عندما عبّرت عن لحظة «التفنيش» الصعبة هذه في مقال قالت فيه انها تلقت رسالة متقتضبة تقول «يؤسفنا ابلاغكم بقرار انهاء خدماتك». وقالت ان هذه العبارة كانت خلاصة «ورقة التفنيش» بعد عمل استمر 19 عاماً، وقالت انها تلقت اتصالاً من «ادارة التفنيش»، حسب وصفها، يبلغها ايضاً بمنعها من دخول مقر عملها في المحطة.
لا يبدو حال «الجزيرة» في ضوء قوانين علم الاجتماع طبيعياً بتاتاً، حتى لو أمكنها استرداد عافيتها، وهو مستبعد جداً، فإن نواميس التاريخ وسننه لا تحابي أحداً حتى لو امتلك المال والتقنية والتخصص، فالكهولة المبكرة لا تقع من السماء جزافاً، إنها حصاد ما جناه اللسان، خاصة أن هذا اللسان قد أخذ في تلابيب حلاوته مصير ملايين الأطفال العرب وقد حسبوه يوزع الشوكولا بطعم الحرية، فإذا هو الموت الزؤام، والموت إذا وقع وعمّ فإنه يأخذ في سكراته الجاني والضحية.
* كاتب فلسطيني