إعصار ويكيليكس يضرب بلا هوادة. كهوف الدبلوماسية تُفتح وتهبّ منها رائحة العفن وتسقط الأقنعة عن الوجوه المنافقة. رئيس دولة يتعهد تغطية الضربات الأميركية لبلاده. ووزير دفاع يحرّض العدو على ضرب المقاومة. حلفاء في العلن وأعداء في السر. وأعداء معلَنون يعقدون الصفقات والمؤامرات في الغرف المغلقة. فضائح مجلجلة عقدت ألسنة وطمست وجوهاً وكتمت أنفاساً في انتظار المزيد من الفضائح.


وحده النظام المصري ظلّ طافياً فوق أمواج ويكيليكس. ومع ظهور الوثائق الخاصة بمصر لم يتردد ممثلو النظام في التفاخر بأنّ الدبلوماسية المصرية واحدة، ولا تعرف النفاق. مبارك نفسه أطلقها في خطابه أمام البرلمان، مؤكّداً أنّه لا فارق بين ما يقوله النظام المصري في الغرف المغلقة وفي العلن.
قد يكون الوقت مبكراً للحديث عن محصّلة وثائق ويكيليكس بالنسبة إلى القاهرة، فما نُشر حتى اليوم ليس سوى النزر اليسير من طوفان الوثائق التي لا تزال تنهال. ومن الممكن جداً أن تُنشَر في أيّ لحظة وثيقة تعكس بالكامل كل ما يقال. كما أنّه لا يمكن إغفال أنّ وثائق ويكيليكس جاءت ضمن مستوى محدود من السرية والخطورة، ولم تتضمّن وثائق خطيرة أو عالية السرية بحسب تصنيفات الدبلوماسية. ومع ذلك يمكن القول إنّ ما نُشر حتى الآن من الوثائق المسرّبة أسقط الكثير من الأقنعة في المنطقة والعالم، بينما ظلّ وجه النظام المصري تعلوه ابتسامة قاهرية لم يغيّرها إعصار التسريبات. فكلّ ما جرى تسريبه في ما يتعلق بالنظام المصري ومواقفه في الوثائق السرية هو تماماً ما يعلنه عبر مكبّرات الصوت، ويدافع عنه دون مواربة. التحذير من خروج القوات الأميركية من العراق والفوضى التي سيُحدثها، الموقف من إيران وسوريا والموقف من المقاومة اللبنانية والفلسطينية، وإحكام الحصار على المقاومة في غزة والجدار الفولاذي. أضف إلى ذلك الموقف من قضايا الإصلاح الديموقراطي وحقوق الإنسان وغيرها.
لم تعبّر وثائق ويكليكس المسربة، حتى الآن على الأقل، سوى عن خيارات النظام المصري المعلنة. والخيار الواضح للنظام المصري ـــــ المعتدل ـــــ هو التسوية في ما يتعلق بالصراع العربي ـــــ الصهيوني، وهو ما يتناقض لدرجة الخصومة أحياناً مع الخيار الآخر، أي خيار المقاومة، التي يحسب كل انتصار لها خصماً لخيار التسوية. ومن البديهي ألّا يكون موقف النظام من الأطراف التي تتبنّى خيار المقاومة ودياً، سواء كان تبنيها لهذا الخيار على أساس نفعي أو على أساس عقائدي. والحقيقة أنّ النظام المصري لم يعلن خلاف ذلك في أي لحظة، كما أنّه لم ينفِ في أيّ وقت تعاونه مع الولايات المتحدة ضد الإرهاب، بل تفاخر به دائماً، وتفاخر على الأخص بأنّه النظام الأكثر براعةً في مقاومة الإرهاب، وأنّه الذي تنبّه مبكراً لخطر الإرهاب ونبّه العالم إليه. ومن المعلوم أيضاً أنّ التعريف الأميركي للإرهاب يمتدّ ليشمل المقاومة. وما ورد في الوثائق من أهمية وقف التهريب عبر الأنفاق وبناء الجدار الفولاذي واعتباره مهمّاً للأمن المصري يتّفق بالكامل مع ما يعلن رسمياً من ضبط أنفاق، وإحباط عمليات تهريب، بل إنّ علاقة الجدار الفولاذي بالأمن المصري هي ما يتردّد بالضبط رسمياً. لم يترك النظام المصري شيئاً للغرف المغلقة، فاتفاقية المناطق المؤهلة «الكويز»، التي تفرض الاستعانة بمكوّن إسرائيلي بنسبة 11% في المنتج المصري ليحظى بإعفاء في الأسواق الأميركية، هي اتفاقية معلنة ويتفاخر بها النظام ويطالب بتوسيعها. وتصدير الغاز المصري لإسرائيل بأسعار مخفوضة وتوسيع اتفاقية التصدير أخيراً أيضاً أمر معلن. والاستعانة بالخبرة المصرية في التعذيب خلال الحرب على الإرهاب أمر معروف أيضاً، كذلك الدخول الميسّر للسيّاح الإسرائيليين إلى سيناء، ولقاء وزير الخارجية المصري وزيرة الخارجية الإسرائيلية قبل شن الحرب على غزة مباشرةً لم يكن لقاءً سرياً. وتوفير المرور والدعم اللوجستي للقوات الأميركية لغزو العراق كان معلناً ودافع عنه النظام ساعتها. والموقف من قضايا الإصلاح الديموقراطي واضطهاد المعارضين كلّها أمور معروفة وجهر بها مراراً ودافع عنها بحماسة ولم يحاول إخفاءها. الواقع أنّ المعروف من مواقف النظام المصري وسياساته أكبر حتى مما ظهر حتى الآن في الوثائق السرية. هكذا أحبط سيل الوثائق السرية أيّ فضول تجاه النظام المصري، لكن ما الذي يضطر النظام المصري أصلاً إلى إعلان عكس ما يقوله في الغرف المغلقة، وخصوصاً أنّ ما يقال سوف يترجَم سريعاً بممارسات وإجراءات لا يمكن إخفاؤها؟ ما يخلق الازدواجية في الخطاب الدبلوماسي لدى أيّ نظام حكم هو أمران. أوّلهما خشيته من تأثر بعض علاقاته الخارجية ببعض المواقف والممارسات إذا أعلنها. ومن هذه الناحية فإنّ حسم النظام انحيازه لمحور الاعتدال في المنطقة ليس كطرف أساسي بل كطرف مؤسس للمحور، يتكفّل بتفسير كل مواقفه التالية، ويوفر عليه الحاجة إلى تبريرها أو إخفائها، كما أنّه يحدد مبكراً الأصدقاء والخصوم.
أما الأمر الثاني الذي يخلق الازدواجية، وهو الأهم في نظرنا، فهو خشية النظام من الرأي العام ورد الفعل الشعبي، وهي العادة التي أقلع النظام المصري عنها منذ زمن بعيد. فلو كان النظام يعتدّ بأيّ درجة بردود الأفعال الشعبية، لتغيّرت بالفعل نسبة لا بأس بها من سياساته. ما الذي يمكن أن يقوله في الغرف المغلقة ويخشى إعلانه أمام الرأي العام؟ هل ستكشف مثلاً وثائق ويكيليكس تلقّي مسؤولين مصريين رشى من شركة مرسيدس أو من شركات أخرى؟ الأمر الذي انكشف بالفعل من قبلُ ولم تتكبّد جهة عناء التحقيق في الموضوع؟ أم ستكشف أنّ فتح معبر رفح يجري بالتنسيق مع إسرائيل كما أكد ضابط شرطة لقافلة تضامن مع غزة في شهر حزيران/ يونيو الماضي؟ أم سيكشف عن كميات الغاز المصري المصدّر إلى إسرائيل وأسعاره وأثر ذلك في إمدادات الطاقة في مصر ودوره في انقطاع التيار الكهربائي عن مناطق فيها؟ أم سيكشف الفساد في صفقات الخصخصة، أم الدور السياسي الرسمي أو غير الرسمي لنجل الرئيس المصري؟ أم تخفيف الأحكام القضائية الصادرة في قضايا أبطالها نافذون في السلطة، مثل قضية غرق العبّارة ومقتل ألف مواطن فيها، وقضية أكياس الدم الفاسدة، وقضية قتل سوزان تميم؟
إذا كان للاستبداد أيّ فضيلة، فهي أنّه لا يجعل المستبد مضطراً إلى إخفاء أيّ شيء. يستطيع فعلاً أن يعلن ما يقوله في الغرف المغلقة. يستطيع أن يشاهد أوسع عملية تزوير للانتخابات بالصوت والصورة في طول مصر وعرضها، ثم يتباهى بانتصاره على المعارضة. كل هذا وأكثر معلن ومعروف حتى أصبح من البديهيات. فما الذي يمكن أن تضيفه الوثائق السرية؟ حتى الآن لا شيء. فقد أثبت النظام المصري أنّه الوحيد الذي أدرك فضيلة الاستبداد. أدرك أنّه ليس في حاجة إلى إخفاء شيء ما دام بمقدوره أن يغلق الصحف ويحل الأحزاب أو يفجّرها من الداخل، وأن يفضّ التظاهرات ويعتقل المعارضين. لا داعي أبداً إلى الجمع بين النفاق الدبلوماسي وقانون الطوارئ، فأحدهما يكفي، وثانيهما أمضى من الأول.
لا يختلف النظام المصري عن الأنظمة العربية الشقيقة في طابعه الاستبدادي، لكنّه وحده أدرك أنّ الاستبداد لا يمنح الحاكم القدرة على الاستمرار في السلطة إلى الأبد وحسب، بل يعفيه أيضاً من رذيلة الكذب والنفاق. فما دمتَ لن تحاسَب، فما أهمية أن تخفي أفعالك؟
قد يظهر في وثائق أخرى ما يعكس بالكامل هذا الحديث، لكن، حتى ذلك الحين، فإنّ موقع ويكيليكس، الذي أفحم الساسة وأحرج الزعماء وكشف عورات العواصم، قهرتْه القاهرة بفضيلة الاستبداد. فضيلة كغيرها من الفضائل تقضي على صاحبها إذا أسرف في استخدامها.
* صحافي مصري