من أهم المشاكل التى يعانيها الباحث في الحقب التاريخية العربية القديمة، وتحديداً مرحلة ما قبل الإسلام، التي تغطي المرحلتين اليونانية والرومانية، هو أنّ البحث فيها، وخاصةً في ما يتعلق بدور العرب، أشبه أحياناً بالبحث عن إبرة فى كومة من القش. ذلك أنّ المرحلة، أولاً، موغلة فى القدم، أضف إنّ معظم الكتابات التاريخية عن تلك المراحل كان يكتبها أشخاص يمكن وصفهم بأنّهم غير محايدين أو غير مهتمين أو غير مطّلعين، كما ركّز هؤلاء على القوى العظمى لتلك المرحلة، مثل الإمبراطورية الرومانية والفارسية، ولم يكن العرب كذلك، بل كان بعضهم مثل الغساسنة والمناذرة دويلات ملحقة بتلك القوى. أما العرب الذين كتبوا عن هذه الفترة في مراحل لاحقة، فإنّهم كانوا إما قليلي الاطّلاع على المراحل الماضية، أو غير مهتمين بها من الأصل. أضف إنّهم كانوا انتقائيّين ومنغلقين على مراحل معينة في التاريخ العربي، وهو أمر سأسعى إلى تفسيره.

هذا ما يجعل دراسة تلك المراحل في ما يتعلق بالعرب، أمراً صعباً، يشبه وضع النجّار الذي عليه أن يصنع طاولة لكنّه لا يملك المادة الخام من الخشب، لذا تراه يقطع قطعاً صغيرة من هنا ومن هناك، لعله يتمكن في النهاية من صنع الطاولة، لكن يظل مسعانا فى نهاية الأمر الحقيقة، لأنّ الدقّة واجب علمي لا تفضُّل من المؤرخ كما كان يقول الأستاذ إدوارد كار، الذي وضع مؤلفات مهمّة لعل أهمّها كتاب «ما هو التاريخ؟» الذى طرح فيه أفكاره عن الحقيقة التاريخية، وحدود الموضوعية في دراسة التاريخ.
كان هناك سببان أساسيّان وراء الشروع في هذا البحث. السبب الأول هو غياب المعرفة التاريخية عن العرب فى مراحل ما قبل الإسلام الى درجة أنّ كلمة عربي كادت تعادل كلمة بدوي. وهذه مغالطة، لأنّه ليس كلّ العرب بدواً، هذا من ناحية تقرير حقيقة تاريخية، أما من حيث البعد الإنساني، فكلّ البشر متساوون فى القيمة الإنسانية.
لقد استُخدم تعبير الجاهلية، كما أظن، لوصف مرحلة ما قبل الإسلام من منظور ديني، ومن أجل وضع حدود ما بين مرحلتين، لكن عُمّم هذا المفهوم ليشمل التاريخ العربى كلّه، ويصبح بعد ذلك وصفاً تعميمياً يحتمل الكثير من المضامين السلبية للذات الحضارية العربية، الأمر الذي بات يعني أنّ العرب لم يكونوا شيئاً قبل الإسلام.
هكذا جرى تجاهل التاريخ العربي لمرحلة ما قبل الإسلام، ما أسهم في تغييب المراحل السابقة، لأنّ التاريخ العربي تاريخ ممتد. أدّى الإسلام بلا شك دوراً أساسياً ومهمّاً في وضع العرب على مسرح التاريخ العالمي، لكن هذا لا يعني أيضاً أنّ العرب كانوا هامشيّين تماماً كما يجري تصويرهم أحياناً، سواء على مستوى الدراسات التاريخية أو الأكاديمية، أو على مستوى الأقنية الأخرى التي تنتج الفكر والمعرفة مثل البرامج الوثائقية والمسلسلات التاريخية، التي غالباً ما تهتم بمراحل معيّنة من تاريخنا.
نظرة عامة إلى حركة التفاعل الحضاري والحركات الفكرية التي كان تموج بها الجزيرة العربية وبلاد الشام، تناقض بلا أدنى شك نظرية «لا شأن للعرب بالحضارة ما قبل الإسلام»، التي لا تزال سائدة حتى الآن الى الدرجة التى نسمعها حتى من بعض العرب.
كان هناك تيارات توحيدية حنيفية الى جانب وجود عربي مسيحي مكوّن من حوالى 46 قبيلة، والغساسنة العرب الذين كانوا يتمتعون بالحكم الذاتي، كذلك كان لدينا المناذرة ووجود عربي يهودي فى المدينة، وحركات تمرد اجتماعي على الثقافة القبلية، كما فى حركة الصعاليك. وانتشرت أشعار الحكمة والتأمل كما فى خطب قيس بن ساعدة، الذي تشبه خطبه الى حد ما خطب يوحنا المعمدان، المبشّر بالمسيح. وكان لدينا أشعار زهير بن أبي سلمى، التي كانت تتناول مسائل وجودية. وشهد سوق عكاظ المنابر الثقافية ونشاطات ثقافية متعددة من الشعر والغناء والتفاعل الثقافي وحتى ثقافة المباهلات أو المناظرات الفكرية والدينية. كلّ هذه شواهد تؤكّد حيويةً وحراكاً ثقافيَّين. ولعل الاكتشافات الحديثة فى المملكة العربية السعودية عن وجود آثار مصرية قديمة في الجزيرة العربية، تعطي براهين إضافية علاوة على ما نملك من وثائق على علاقة العرب بالقوى الإقليمية مثل بلاد فارس والإمبراطورية الرومانية وقوافل التجارة باتجاه اليمن والشام. يعني ذلك وجود روابط تجارية وتبادل أنماط ثقافية ومعرفية، وكلّ ذلك يقوّض نظرية «لا شأن للعرب بالحضارة ما قبل الإسلام».
على كلّ حال، قد يكون من الممكن تفهّم أنّ المؤرخين في تلك المراحل كانوا يقدمون الديني على التاريخي أو على الإثني، وهو أمر حصل فى حضارات أخرى، وخاصةً أنّنا نتحدث عن مرحلة ما قبل تبلور الفكر القومي الذي ولد على أنقاض حرب المئة سنة التي أنتجت اتفاقية ويستفاليا عام 1648. الاتفاقية التي وضعت حداً للحروب الدينية، وأسست لنظرية الدولة القومية الحديثة. لذا بات من غير الممكن عدم قراءة التاريخ العربي إلّا عبر مراجعة شاملة لكل الفترات، وخاصةً في هذه المرحلة التي تتعرّض فيها الذات الحضارية العربية لاتهامات قاسية وظالمة.
العامل الآخر الذي أسهم، في تقديري، في تجاهل التاريخ العربي هو فقدان العرب القيادة بعد الدولة العباسية، إذا لم نقل منذ منتصفها، وقيادة قادة ليسوا عرباً المنطقة العربية لحوالى ألف عام. حصل ذلك من خلال الشرعية الدينية ذاتها التي أعطت الحق للعرب في حكم المسلمين من غير العرب، والتي منحت المسلمين من غير العرب الحق في قيادة المنطقة العربية. ومن الطبيعي في هذه الحالة، أن يتركّز الاهتمام على الديني لا على التاريخي والإثني، لأنّ ذلك كان من الأمور التي لا يفكر فيها أحد أولاً، وثانياً، لأنّه من غير المتوقع أن يعنى حكام ليسوا عرباً بالتاريخ العربي ما قبل الإسلام.
السبب الذي دفعني إلى التفكير في هذا البحث، هو الهجمة الشرسة التي استهدفت وتستهدف الذات الحضارية العربية، والإسلام، أحد أهم أُسسها. وأستخدم تعبير «الهجمة الشرسة»، لأصف فقط التحريض والتشويه الإعلامي الغربي السلبي عن العرب في السنوات العشر الأخيرة. ذلك أنّ العرب اتُّهموا بالتعصب والانغلاق، وإلى ما هنالك من صفات سلبية، مثل غياب ثقافة التسامح في المجتمعات العربية... إلخ، لكنّني أعتقد أنّ النظرة السلبية عن العرب والشرق عموماً هي أقدم بكثير من أحداث 11 أيلول 2001 في أميركا، بل أستطيع التأكيد، كما سأبيّن لاحقاً، أنّها أقدم من الإسلام أيضاً. وقد منحت أحداث أيلول 2001 فرصة ذهبية للجهات التى تحمل فكراً عنصرياً تجاه العرب، من القوى والتيارات اليمينية والدينية المنغلقة. قوى كانت على الدوام معادية لمنطقتنا، وهي ذاتها التي أفرزت فكر المحافظين الجدد وحزب الشاي والمسيحية الصهيونية التي دعمت غزو العراق وأفغانستان، ودعمت بلا حدود المشروع الصهيوني. ويذكر الجميع أنّ الصور الكاريكاتيرية للعرب في الأفلام الأميركية التي كانت تصوّرهم إما أغنياء بلهاء أو إرهابيين كانت موجودة قبل تلك الأحداث، لكنّ الجديد أنّ تلك الحملات التي تزعّمها ما يسمونّهم خبراء في العالم الإسلامي ومراكز أبحاث مشكوك في صدقيتها وموضوعيتها بل وأهدافها، أوصلت الموضوع الى الطبقات الشعبية التي لم تكن تهتم بهذا الأمر من قبل، واستخدم هؤلاء الخبراء نظرية التخويف من الإرهاب، مستفيدين من الثورة الإعلامية الحديثة التي باتت قادرة على نقل الخبر بعد وقوعه بأقل من دقيقة.
لقد كان القرن التاسع عشر حقاً قرن التاريخ في أوروبا، إذ صيغت فيه المرجعية الأوروبية المستندة الى المرحلة اليونانية والمسيحية والثورة الصناعية، وجرت فيه بلورة مفاهيم أساسية تتعلق بفلسفة التاريخ وماهيّته وأهدافه، ومسألة تفسير النصوص القديمة وقضية الموضوعية في دراسة التاريخ. ففي رواية تشارلز ديكينز «أوقات صعبة»، يعكس السيد غرانغريند روح القرن التاسع عشر عندما يقول إنّ «المطلوب الآن هو الحقيقة والحقيقة وحدها». وهذه الأخيرة كانت على الدوام مشكلة، بسبب الإيديولوجيا أو القراءة الأحادية أو الانتقائية التي كانت أحد العوائق الكبرى في دراسة التاريخ.
وهذا السبب كان، في تقديري، عاملاً أساسياً في تغييب شخصية فيليب العربي (philippus Arabus) عن دوره المهمّ في إيقاف اضطهاد المسيحية ثم الاعتراف بها كديانة مع سائر أديان الإمبراطورية الرومانية، وهذا باعتقادي إنجاز مهم لإمبراطور لم يحكم سوى 5 أعوام، من عام 244 حتى عام 249، ميلادي. خمسة أعوام، نجح خلالها فى إحداث نقلة حضارية مهمّة على مستوى الإمبراطورية الرومانية. ولولا جوّ التسامح الديني الذي أوجده فيليب، لما كان ممكناً أصلاً للإمبراطور قسطنطين أن يتبنّى المسيحية، التي كانت قد حصلت على اعتراف بشرعيتها من الإمبراطور ذي الأصل العربي. وأهم مصدر تاريخي جاء على ذكر دور الإمبراطور فيليب، كان من المؤرخ الفلسطيني يوزابيوس القيصري (Eusebius Pamphili) الذي توفي عام 339 ميلادي، وذكر أنّ فيليب كان أول إمبراطور روماني يعتنق المسيحية. وهذا أمر غير مؤكد، وإن كان مؤكداً أنّه الإمبراطور الأول الذي اعترف بالمسيحية وأوقف اضطهاد أتباعها. لقد أكّد تروتسكي أنّ على دارس التاريخ أن يسعى إلى فهم كيفية تطور الأفكار، لأنّ كلّ فكرة، في نهاية المطاف، تتطور وتتغير عبر سياق تاريخي معيّن، وما على الدارس سوى السعي إلى فهم السياق التاريخي لتطوّر الفكرة، لكن لو وجّه أحدهم إلى أيّ طالب في أوروبا أو العالم العربي سؤالاً عن الرجل الذي منح المسيحية الشرعية في الوقت الذي سمح فيه أيضاً لأتباع الديانات الأخرى بحرية العبادة، فإنّي أشك أنّ واحداً فقط يعرف أنّ فيليب العربي المولود في مدينة الشهباء السورية من أسرة تعود جذورها إلى الجزيرة العربية هو الذي كان وراء هذا العمل الحضاري العظيم.
السؤال الذي يمكن المرء أن يسأله هو: لماذا غُيّب دور الإمبراطور فيليب عن التاريخ؟ هل حصل هذا بقصد أم بغير قصد؟ لا يمكن أيّ مؤرخ في العالم أن يتوقف عن طرح مثل هذه الأسئلة، لأنّها تتعلق بمفاصل مهمّة في التاريخ وليست أحداثاً عابرة. من الكتابات الحديثة والقليلة عن هذا الموضوع، كتاب ياسمين زهران، بعنوان «فيليب العربي، دراسة في التحيّز»، وقد سعت الكاتبة فيه إلى نقد الإجحاف الذي تعرّض له فيليب من جانب المؤرخين الغربيين.
لذا فإنّ أول ما يعترضنا فى هذا الأمر هو غياب القراءة الموضوعية في الغرب والسبب، في رأيي، يعود الى تراث غربي يملك نظرة سلبية عن الشرق، وخاصةً ذلك الشرق الذي تصارَع مع الغرب لفترات طويلة.
لهذا فإنّني أعتقد أنّه بسبب النظرة العنصرية تجاه العرب ودورهم جرت تغطية تلك المرحلة، عن قصد، أي إنّ الإضاءة الغربية عليها كانت أقرب إلى الانتقائية منها إلى الجدية العلمية التي يُفترض أنّها تعمل بايديولوجية أقل وبعلمية أكثر. وهذا أمر لا يبدو أنّه كان المبدأ الذي تحكّم في قراءة تلك المرحلة.
ويمكننا معرفة النظرة الرومانية العنصرية من خلال هذا النص الذي يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، وهو عبارة عن رسالة وجّهها يوليوس قيصر عن موضوع نقاط التفتيش إلى مجلس شيوخ روما. وتذكّرنا هذه الرسالة بالمعاملة التي يلقاها العرب في المطارات الغربية والنظرة إليهم كإرهابيّين محتملين. يقول قيصر: «لقد سمعت أنّ هناك اعتراضات متزايدة، في مجلس الشيوخ، على نظام تفتيش المسافرين القادمين إلى أراضينا من المناطق البربرية على طول محيطنا التوسعي، جنوب شبه الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين خاصة».
تؤكد هذه الوثيقة التي عمرها ألفا عام، ما حصل إثر أحداث أيلول 2001 في أميركا من الشك والريبة بالعرب. يصف يوليوس هؤلاء بالبرابرة، وهي أوصاف ونعوت سمعنا ما يشابهها في مرحلة الأعوام الماضية التي شهدت ضخاً إعلامياً غير مسبوق استهدف الذات الحضارية العربية.
إنّ ظهور شخصيات مهمّة، غير رومانية الأصل، مثل فيليب العربي تمكّنت من الوصول الى المركز الأول في الإمبراطورية الرومانية، بل وأن تقوم بنقلة حضارية مهمّة، لا يمكن إلا أن يعبّر عن مستوى متطوّر في المجتمع العربي. مجتمع أنتج شخصيات مهمّة بمثل هذا المستوى والتأثير، وهو أمر لا بد من دراسته بعمق لأجل فهم أفضل لدور العرب فى تلك المرحلة.
لذا بات لزاماً علينا أن نسعى إلى البحث عن تاريخنا لأنّ أول بناء في مشروع المقاومة والتنمية هو معرفة الذات. هذا هو المدماك الأول في المشروع الحضاري العربي، الذي يفترض أن يقرأ الحضارة العربية من خلال تاريخها الطويل، وإسهاماتها المهمة في الحضارة الإنسانية.
* باحث فلسطيني