لم يتردّد المدّعي العام في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، السيّد دانيال بلمار في الردّ على منتقدي هذه المحكمة، بأنّهم «ينتقدونها لأنّهم يشعرون بأنّها ستوجّه الاتهام إليهم». لم يلفت هذا الكلام نظر الكثيرين: إنّه إعلان صريح بأنّ الاتهام سيوجَّه إلى «غلاة» المنتقدين.


وهو إعلان يؤكد صحة ودقة محتوى التسريبات بشأن الجهة أو الجهات التي سيسمّيها الاتهام بوصفها مسؤولة عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط من عام 2005. وبما أنّ المحكمة لم تنفِ يوماً الاتهامات، ولم تقل مثلاً إنّها من قبيل التكهّن أو ما شابه، لذلك جاء الردّ، بعد صمت طويل، ليؤكد الاتهامات، وعلى لسان المدّعي العام نفسه. وعليه يمكن الجزم بأنّ المحكمة مسيّسة، تماماً كما جرى اتهامها، أي إنّ النفي جاء، من حيث شاء صاحبه أو لم يشأ، بمثابة تأكيد، لا أيّ شيء آخر.
إنّ تأكيد السيّد بلمار، وإن بطريقة غير مباشرة، أنّ الاتهامات صحيحة، يسقط أوّلاً، شرط السرية في عمل المحكمة. والخطير في الأمر أنّ الجهات التي بكّرت في التسريب، إنّما كانت من بلد المدّعي العام الأوّل ديتليف ميليس (مجلة دير شبيغل)، ومن بلد المدّعي العام الحالي (قناة السي بي سي الكندية). في المقابل، اخترقت إسرائيل بسياسيّيها ووسائل إعلامها حرم المحكمة، وذهبت بعيداً في تحديد المواعيد والأسماء. وما بين المدّعي العام الأوّل والمدّعي العام الثالث، ضاع الثاني (القاضي البلجيكي براميرتز) ومعه احتمالات البحث عن مسؤولين محتملين آخرين عن الجريمة. لقد جرى حصر البحث بين الخصوم لا أيضاً بين المستفيدين. وفي هذا السياق يصبح «مفهوماً» ذلك الإصرار على استبعاد ملف شهود الزور. هذا الاستبعاد، كان ولا يزال، الممر الطبيعي لتحويل الاتهام من الوجهة السورية إلى الوجهة الإيرانية. هذا مع التأكيد أنّ المسؤولية السورية ستبقى قائمة بمقدار ما تسقط سوريا في الامتحان الأميركي بالكفّ عن دعم «الإرهاب» وبعدم دعم حزب الله وتزويده السلاح الضروري في معركة استعادة ما بقي من الأرض اللبنانية. معركة هي، في الوقت عينه، للدفاع عن لبنان في وجه الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة.
ونشير في السياق ذاته إلى أنّ العام الجديد سيكون عام المحكمة «إذ سننتقل إلى العمل القضائي بطريقة فعّالة». هذا ما كان قد أكده لصحيفة «الحياة» رئيس المحكمة الدولية القاضي أنطونيو كاسيزي في السادس من شهر آذار الماضي. وهكذا مع تأكيد كلّ من رئيس المحكمة والمدّعي العام فيها، موعد العمل القضائي ومحتوى القرار الاتهامي بطريقة غير مباشرة، يمكن الجزم بأنّنا بتنا على مسافة قريبة جدّاً من صدور القرار الاتهامي. أما المسافة الفاصلة، فهي التي سيحتاج إليها قاضي الأمور الإجرائية السيد فرانسين لإجازة القرار الاتهامي. أما الإعلان، فيقع في تلك الدائرة الغامضة المرتبطة بمدى تقدّم أو فشل المساومات بشأن قضايا محدّدة تعني الجهات المتهمة أو من يقف وراءها في صراع إقليمي. صراع أطلقه، قبل أكثر من ستة عقود، العدوان الصهيوني على شعب فلسطين، وتؤجّجه كلّ يوم، منذ ذلك التاريخ، مشاريع الهيمنة الأميركية على المنطقة، وآخرها «مشروع الشرق الأوسط الكبير».
ما نعتقد أنّه مهم في السياق المذكور، هو أنّ مسألة معرفة «الحقيقة» ليست هي ما يوجّه عمل المحكمة ولا القوى الدولية الداعمة لقيامها ولاستمرارها ولاستثمارها، وما هو مهم أيضاً في امتداد ذلك، أنّ المحكمة التي جاءت في سياق صراع إقليمي بغطاء قضائي ودولي، ستستمرّ كذلك. وهي بهذا المعنى لن تتوقّف نتيجة وساطة أو رغبات أو نوايا سليمة كما يتمنى معظم اللبنانيين. ونضيف إنّ الوساطة السورية ـــــ السعودية لا تمتلك إيجابيات تتعدّى حدود المساعي لتطويق بعض ردود الفعل، وخصوصاً ذات الطابع المذهبي، ولغاية في نفس كلّ من سوريا والمملكة السعودية، ذلك أنّه ليس ثمّة من تعاون حقيقي وشامل بين البلدين حيال المسائل والمشاكل القائمة والمتفاقمة في المنطقة. بكلام أكثر مباشرة، يمكن الجزم بأنّ مخطط التفتيت العرقي والطائفي والمذهبي سيستمر أداة لإخضاع المنطقة والسيطرة على ثرواتها ومصائرها. من السودان إلى العراق إلى مصر إلى لبنان، تتصاعد الممارسات ذات الطابع التقسيمي والتفتيتي، وهي دون شكّ، الوجه الآخر لمشروع الدولة «اليهودية» في فلسطين المغتصبة والمحتلة.
يقود كلّ ذلك إلى السؤال عمّا يجب فعله في لبنان، عدا ذلك التعويل المبالغ فيه والحصري إلى حدّ العجز أو حتى الرعونة، على معادلة «السينَيْن»، وما يمكن أن تحمله من معجزات للبنان وللبنانيين. إنّ وقوع أزمة ما، خطيرة ومصيرية على غرار ما يعيشه لبنان اليوم، يستدعي التفكير في المخارج والحلول. هذا ما هو مطلوب أساساً من اللبنانيين المتصارعين أنفسهم. يكتفي هؤلاء اليوم بوضع الشروط على الوسطاء، كأنّ الوسيط هو الذي سيدفع الثمن في حال الفشل لا اللبنانيين بكلّ فئاتهم وتكتلاتهم في الوطن وفي المَهاجِر على حدّ سواء.
ويذهب البعض في مدى مطالبه إلى حدود تكرار أخطاء بل خطايا سابقة، سبق أن دفع هو، كما لبنان، بسببها، أفدح الأثمان. ويكاد بعض هذا البعض يمضي إلى الحدّ الأقصى: الالتصاق بالمشروع الأميركي ـــــ الصهيوني أملاً في إقامة وطن قومي مسيحي إلى جانب الدولة العنصرية «اليهودية» في فلسطين.
إنّ هذا البعض قد جاهر، في أوقات عديدة، برغبته، وحتى بسعيه، من أجل أن يستثير القرار الاتهامي للمحكمة الدولية ردود فعل مذهبية تدفع نحو فتنة شاملة. وهذا البعض يظنّ أنّ ذلك سيكون أقرب الطرق إلى الانفصال وإلى بناء دولة مسيحية في لبنان. والخطير أنّ عدداً من المرجعيات قد يكون متورّطاً في هذا الأمر، أي في هذا الوهم، دون إدراك للعواقب الخطيرة على كلّ لبنان وعلى كلّ اللبنانيين دون استثناء، وخصوصاً أصحاب المشروع المذكور. ويمكن هنا القول إنّه مهما كانت الجهة التي ارتكبت المجازر ضدّ عدد من الكنائس في العراق ثم في الإسكندرية، فلهذه المجازر وظيفة مشبوهة دون أدنى شك. إنّها ثمرة التطرّف الذي اندفع إليه عدد من الجهات ويتغذّى يومياً بالتعصّب والعصبيات، لكنّها، في نتائجها، ذات مردود يصبّ في خدمة قوى الهيمنة الاستعمارية والاستيطانية بكلّ أشكالها القديمة والجديدة.
إنّ لبنان، في امتداد تعاقب أزماته واستعصائها، وبسبب صيغة نظامه الطائفي، بات يحتاج إلى لجنة حكماء على غرار ما يحصل في أوقات الأزمات الكبرى في أماكن عديدة من العالم. ويكون أمام هذه اللجنة إدارة حوار داخلي يتجه مباشرة لتحديد الأولويات الوطنية اللبنانية في هذه المرحلة. وطبيعي أن يقع في رأس هذه الأولويات منع الانزلاق نحو الفتنة بسبب المحكمة أو بسبب سواها. وطبيعي أنّ هذا الأمر لن يتمّ إذا ما استمرّ التحاق الأطراف بقوى الصراع الإقليمي والدولي. ولعلّه من حسن الصدف الآن أنّ ثمة حواراً سورياً ـــــ سعودياً لا يزال قائماً، وهو يأتي بعد مرحلة متوترة جداً بين البلدين دفع اللبنانيون ثمنها غالياً. وبما أنّ قدرات الطرفين أعجز من السيطرة على مجريات الصراع ذي الطابع الإقليمي وحتى الدولي في المنطقة، فيجب أن يبادر اللبنانيون عبر حكمائهم إلى التحرّك والعمل والفعل. وهم، إعلامياً على الأقل، مطالبون بذلك من جانب المتحاورين السوريين والسعوديين، عندما يستشعر هذان تعقد التسويات أو مبالغة اللبنانيين في التمسّك بفئوياتهم المعروفة.
قد يقول كثيرون إنّ هذه دعوة غير واقعية بسبب مدى تعقّد الصراع، وتعاظم دور اللاعبين الخارجيين، وبسبب تضاؤل دور اللبنانيين في التقرير أو المشاركة في تقرير شؤون بلدهم. هذا صحيح لكنّ الصحيح أيضاً أنّ الأزمات الاستثنائية لا تواجَه بقرارات عادية. واللبنانيون الذين اجترحوا إنجازات مشهودة في حقول عدّة أبرزها حقل المقاومة والتحرير، مطالبون اليوم بإنقاذ أنفسهم ومقاومتهم وبلدهم من قرارات الظن والاتهام وما ترمي إليه من الفتن والشرور والمخاطر.
مرّة ثانية نتطلّع إلى موقع الرئاسة ليحفّز أو يشجّع أو يستضيف أو يبادر، على أن يسبقه أو يلاقيه آخرون، إلى منتصف الطريق أو التسوية أو الحوار.
* كاتب وسياسي لبناني