بات من البديهي اعتبار أنّ استراتيجيات كلّ من الاتحاد الأوروبي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية في حالة تونس تقوم على تناقضات لمّا يتعلق الأمر بالترويج للديموقراطية. فللوهلة الأولى، يبدو أنّ هذا البلد يمتلك أفضل الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحتملة لإرساء الديموقراطية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الأمر الذي يقود إلى الاعتقاد بأنّ دور القوى الخارجية قد يُحدث فرقاً كبيراً في الضغط على القيادة في هذا البلد لإنهاء الحكم الاستبدادي


، وفي الوقت نفسه، دفع الجهات السياسية المعارضة الفاعلة للقيام بدور نشيط في عملية التحوّل الديموقراطي.
وفي هذا المضمار، يرى الغرب أنّ تونس تتمتع بعدد من المزايا مقارنة بالدول الأخرى في المنطقة، من أهمها:
* الحجم الجغرافي الصغير والعدد المحدود للسكان، ما يعني أنّ البلد في حد ذاته لا يمثل مرتكزاً للاستراتيجيات الغربية (على عكس الجزائر والمغرب)، بقدر ما يمثل مدخلاً هاماً للتغيير السياسي يحتذى به على الأقل في المنطقة المتوسطية.
* إنّ عدم وجود موارد طبيعية كبيرة يقلل من القيمة الاستراتيجية لتونس، ويحدّ تالياً من تدخل الأطراف الخارجية في الشأن الداخلي وذلك على عكس دول الخليج أو الجزائر.
* محدودية الدور الإقليمي والتأثير الثقافي، تجعل من السياسة الخارجية التونسية أكثر قبولاً للإملاءات الخارجية، وخاصة الأوروبية والأميركية منها.
* عدم وجود معارضة ذات وزن ثقيل داخل البلاد على غرار حركة الإخوان المسلمين في مصر التي يحسب لها ألف حساب على المستوى الوطني والإقليمي والدولي.
* غياب أي دور سياسي للمؤسسة العسكرية على عكس ما هي الحال في أغلب بلدان المنطقة.
* وجود طبقة وسطى من شأنها أن تكون المحرك الرئيسي للمجتمع المدني.
كلّ هذه المزايا، من منظور أوروبي وأميركي، ترشح تونس كي تكون «البلد المثالي» (target country) بممارسة الضغط على نخبته الحاكمة من أجل التغيير الديموقراطي السلمي الذي يمكن أن يحتذى به في تغيير الواقع السياسي في المنطقة. ومع ذلك فإنّ المفارقة العجيبة هي أنّ هذه العوامل التي من شأنها أن تمهد ومن ثم تساعد على عملية الانتقال الديموقراطي أصبحت هي نفسها تكرس، منذ عقدين، الطابع الأمني والبوليسي لحكم زين العابدين بن علي. وبالتالي غدت طبيعة هذا النظام، النموذج المطلوب أوروبياً وأميركياً لتلبية شروط الاستقرار إقليمياً ودولياً.
غير أنّ التركيز على البعد الخارجي بوصفه مكرساً للطابع الاستبدادي للنظام في تونس لا يقلل من أهمية العوامل الداخلية في تحديد قدرة السلطة على السيطرة على المقومات الاقتصادية. عززت عملية التحرير الاقتصادي مسارات التسلط والاستبداد بدلاً من إضعافها. كما أنّ دور أجهزة الدولة، وخاصة الأمنية منها، جاء داعماً لممارسة السلطة غير المقيدة وذلك بحشد الدعم للنظام من قبل الطبقات الاجتماعية ذات الثراء الحديث والمريب. كانت الأجهزة الأمنية في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة أداة لتكريس دولة الاستقلال ولاحقاً الدولة الوطنية التي اختزلت في شخصه، مع تقديمها من وقت إلى آخر جرعات من القمع استأنس لها المواطن التونسي. وأصبحت هذه الأجهزة في عهد خليفته الرئيس بن علي وسيلة لحماية مجموعات الكمبرادور المتنفّذة والمرتبطة ارتباطاً عضوياً ووثيقاً بالعائلات التي تدور في الفلك الرئاسي. كما أصبحت أداة قمع في يد النظام لمعالجة أي تحرك اجتماعي وتصفية حساباته مع كلّ من تسوّل له نفسه الخروج على بيت الطاعة.
ما يجب الإشارة إليه هنا هو أنّ تمدد العمل الأمني ضد المواطن التونسي، سواء كان هذا الأخير معارضاً، موالياً أو محايداً، تجاوز الحدود التقليدية للوطن الإقليم. تعدى العمل الأمني الحدود ووصل إلى السفارات والبعثات الدبلوماسية التونسية التي أوكلت لها عن طريق شبكة مديري ما يعرف بـ«الوكالة التونسية للعلاقات الخارجية» المعتمدين في الخارج وأجهزة أمن السفارات بمدّ الأجهزة الأمنية في تونس، بما في ذلك جهاز أمن الرئيس، بتقارير مفصلة تشمل تحركات، وأنشطة، واتصالات التونسيين بكل أطيافهم وانتماءاتهم. ولا يستثنى من ذلك حتى السفراء التونسيون والملحقون العسكريون التونسيون وكذلك الضباط الموجودون في الخارج في إطار بعثات تدريبية.
أمام حالة الاختراق الأمني لجميع مكونات المجتمع التونسي ومؤسساته، كيف كان ممكناً، ولا يزال منذ انقلاب السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 1987، استمرار بن علي في أداء دور المحور المركزي للنظام السلطوي في تونس؟ نظام يحظى بدوره بتأييد المجتمع الدولي وإشادة كلّ من السياسيين الأوروبيين والأميركيين على حد سواء، في زمن تتعزّز فيه الديموقراطية على رأس جدول أعمال السياسات الخارجية لجميع القوى الغربية والمنظمات الدولية.
يعدّ التكامل الاقتصادي إحدى ركائز تعزيز الديموقراطية الأوروبية في منطقة جنوب وشرق المتوسط. ويعتقد منظرو وصانعو السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي بأنّ التأييد لإصلاحات السوق سيكون له تداعيات اقتصادية مفيدة على الأنظمة الاستبدادية التي بفضل برنامج الشراكة ستشهد تحولاً ديموقراطياً كنتيجة للانفتاح الاقتصادي. وفي هذا السياق، يقدم الاتحاد الأوروبي المنح والمساعدات «للبلد المثالي» لإجراء الإصلاحات اللازمة ليكون قادراً على الاندماج اقتصادياً وقابلاً لاستيعاب تبعات التحوّلات الاقتصادية الإقليمية. ويستند هذا المنطق الى نظرية تقول إنّ الحوافز الاقتصادية ستؤدي إلى تغييرات في تركيبة المجتمع المدني، ينشأ على أثرها مراكز جديدة للقوّة، مستقلة عن السلطة المركزية. مراكز من شأنها أن تجعل مطلب الإصلاح من خلال الإجراءات الديموقراطية مطلباً يصعب على النظام السياسي تجاهله أو تجاوزه.
غير أنّ هذه التنمية الاقتصادية القائمة على الشراكة، لم تولّد تداعيات كبيرة على الصعيد السياسي من حيث تعزيز الديموقراطية ومن ثم صدقية سياسة التحرير الاقتصادي. وبالرغم من أنّ الكثير من المؤشرات الاقتصادية الشاملة (Macroeconomics) تحسنت، فقد فشلت السياسة الاقتصادية في الوقت نفسه في تسليط الضوء على سوء توزيع الثروة. توزيع للثروة يعتقد بأنّ المقربين من النظام استفادوا من فوائده على حساب قطاعات كبيرة من القوى العاملة والكادحة التي ترى أنّ الحقوق التي اكتسبتها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي نتيجة لكفاح مرير بدأت تتآكل. وبالإضافة إلى ذلك، أدى توفر السلع الاستهلاكية إلى تحسن نسبي في مستوى المعيشة، قابله ارتفاع مخيف لمستوى دين الفرد. أصبحت هذه المخاطر مشكلة تؤرق المجتمع التونسي بمختلف طبقاته في ظل حالة من الانكماش الاقتصادي. وهو ما حدث بالفعل في ضوء ارتفاع أسعار الطاقة وإلغاء بعض الشركات الأوروبية لمراكز عمل وتحويلها من تونس الى مناطق أخرى في العالم تعتمد على أيدٍ عاملة ذات تكلفة أقل وأكثر كفاءة.
في المقابل، أصبح الفساد الإداري والمالي القاعدة الأساسية في التعامل مع المواطن وغلبت المحسوبية التي تقوم على اعتماد مبدأ الولاء على حساب الكفاءة التي تحوّلت إلى داء سرطاني ينخر في جسم الإدارة والمجتمع ككل. كما أنّ التدهور الذي شهده التعليم بمختلف مراحله واختصاصاته أدى إلى تخريج جيوش من حاملي الشهادات العليا التي لا تلبي احتياجات سوق العمل.
فشل الحكومة في التعامل مع هذه القضايا الملحة ومحاولة إيجاد المسوغات الواهية لتأجيلها أديا إلى اندلاع شرارة سيدي بوزيد. تحولت هذه الشرارة بدورها إلى انتفاضة كرامة طغى عليها الطابع الشعبي والتلقائي، والتي ربما تتحوّل في المستقبل القريب إلى زلزال اجتماعي وسياسي. زلزال تعمد من خلاله السلطة الى تطبيق سياسة تكسير العظام القائمة على التصعيد والمواجهة الشاملة مع كل أطياف المجتمع. لكن سيكون ذلك ذات عواقب وخيمة على استمرارية نظام بن علي، وخاصة أنّ من شأنها إرباك صورة النظام بالخارج كسلطة عاجزة عن التعامل بأسلوب حضاري مع شبابها وشيبها ولا تؤمن إلا بالحلول الأمنية التي تستند إلى شرعية القوة وتفتقر إلى قوة الشرعية. أهم من ذلك، فإنّ إحدى النتائج الفرعية لخيار كهذا هو المقاطعة الاقتصادية التي ربما تتبناها بعض منظمات المجتمع المدني الغربي الفاعلة، وخاصة الأوروبية منها، التي ستحاول إقناع حكوماتها بأنّ هذا النظام أصبح عبئاً استراتيجياً على مصالحها الإقليمية.
تجدر الإشارة إلى أنّه فيما تعتمد تونس اعتماداً كلياً على الاتحاد الأوروبي في معاملاتها التجارية، فإنّ السلع التونسية تمثل نسبة ضئيلة من واردات الاتحاد. يبيّن كلّ هذا مدى قوة الاتحاد الأوروبي وقدرته، إن أراد، على إلزام الحكومة التونسية بمراجعة سياساتها الاجتماعية. غير أنّ ما يثير الدهشة أكثر، هو الصمت المطبق الذي تبناه الاتحاد الأوروبي تجاه انتفاضة الكرامة في تونس والتي على ما يبدو أنّ التنسيق الفرنسي الإيطالي الإسباني كان وراءه. لكنّ ثمة تفسيراً آخر أكثر إقناعاً لعدم وجود ضغط من الاتحاد الأوروبي لإدانة المنهج القمعي والهمجي للحكومة التونسية في التعامل مع مطالب أقل ما يمكن أن توصف به على أنّها مشروعة. وذلك رغم الالتزامات القانونية التي وقّعت عليها هذه الحكومة في اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي عام 1995 والتي تلتزم من خلالها الحكومة التونسية في المادة الثانية، وبطريقة لا تدعو إلى الريبة أو الشك، باحترام حقوق الإنسان وتعزيز الديموقراطية.
تشير صناعة سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه تونس بوضوح تام إلى أنّ لغة المصالح هي أكثر أهمية من الديموقراطية وحقوق الإنسان، على الرغم من الالتزام الواضح للاتحاد تجاه هاتين المسألتين في كل من وثيقة استراتيجية الأمن الأوروبي والمبادرات الخاصة بالمنطقة، مثل سياسة الجوار الأوروبية التي أطلقت في 2007. كان الاتحاد الأوروبي تقليدياً أكثر تردداً في التعاون الصريح والمباشر عندما يتعلق الأمر بقضايا الأمن. وأدت هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، وأحداث جربة، وهجمات قطاري مدريد ولندن إلى إثارة نقاش حاد في أوروبا وداخل مؤسسات الاتحاد بشأن تدابير الأمن الداخلي والخارجي في مجال مكافحة الإرهاب. وفي هذا السياق، ينظر إلى تونس على أنّها الحليف الأبرز بسبب خبرة شرطتها وقدرة أجهزة استخباراتها على تفكيك التنظيمات الإسلامية. ولذلك ليس من المستغرب أنّ مكافحة الإرهاب هي أولوية الأولويات للاتحاد الأوروبي، تنهار أمامها كلّ متطلبات الديموقراطية.
وفي السياق نفسه، كانت الولايات المتحدة أكثر نشاطاً في تعميق الروابط مع النظام التونسي بهدف تعزيز التحالف في إطار ما يسمى «الحرب الكونية على الإرهاب». منذ 11 أيلول/ سبتمبر 2001 وصلت الاتصالات بين البلدين إلى مستوى غير مسبوق، إذ رفع سقف التعاون والتنسيق في المجالات العسكرية والأمنية والاستخبارية. في حين أنّ مبادرة الشراكة الأميركية ـــ الشرق أوسطية التي يوجد مكتبها الإقليمي في السفارة الأميركية في تونس، لم تؤثر لا من بعيد ولا من قريب على تطوّر النظام السياسي التونسي الذي ارتفعت وتيرة تكلّسه وانغلاقه.
يشترك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في نفس الهدف الذي يتناقض مع سياستهما المعلنة لتعزيز الديموقراطية ونشرها في المنطقة. وبالتالي، فمن الطبيعي أنّ هذه الاستراتيجية لا يمكن إلا أن تؤول إلى الفشل. الحفاظ على الوضع الراهن الدولي، وتنفيذ الترتيبات الاقتصادية الليبرالية الجديدة والسيطرة المطلقة على «تعريف» ما يشكل الأمن والإرهاب، جعل من المستحيل على هذين اللاعبين الفاعلين على المستويين الإقليمى والدولي تعزيز نشر الديموقراطية. التجارب السابقة غير مشجعة في هذا المنحى، إذ كان في استقبال انتصار «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في الانتخابات الجزائرية في كانون الأول/ ديسمبر 1991 والذهول الذي أحدثته هذه المفاجأة في العواصم الغربية، انقلاب عسكري، مع العلم بأنّ هذا الغرب الذي تباكى على مصير الديموقراطية في إيران العام الماضي، هو نفسه الذي أشاد بالانقلاب العسكري الذي حرم «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» من الوصول إلى السلطة واعتبرته الدول الأوروبية الفاعلة في الاتحاد وسيلة لإنقاذ الديموقراطية. أيّ عملية سياسية في المنطقة لن تصنف على أنّها ديموقراطية إلا إذا انتجت معايير تتفق مع رؤية الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للسلام والأمن الدوليين. وهكذا، لجهة الحصول على كلّ من الأمن المادي والمكاسب، تقدم تونس نموذجاً «للشريك المثالي»: مندمجة اقتصادياً، لكن ليس إلى حد تهدد فيه التفوق الاقتصادي الأوروبي النوعي والكمي (على عكس النمور الآسيوية)، متعاونة بشأن المسائل الأمنية ولكن غير مراوغة (على عكس باكستان)، ضعيفة عسكرياً وأمنياً ولكن قوية بما فيه الكفاية لتتعامل مع أي ضغط محتمل من قبل الإسلاميين. وأخيراً، منصاعة تماماً للإملاءات الغربية عندما يتعلق الأمر بالصراع العربي ـــ الإسرائيلي. فيا حبذا لو كان كلّ العالم العربي بمثل حالة الخضوع والانصياع للإرادة الغربية كما هي عليه حال النظام في تونس.
يا أحفاد عقبة بن نافع، وأسد بن الفرات، والمعز لدين الله الفاطمي، وعبد الرحمن بن خلدون، وأبو القاسم الشابي، لم يبق لكم إلا الاعتماد على الذات للتحرر من براثن الاستبداد. الاتكال على الآخر، وخاصة إذا كان أوروبياً أو أميركياً، لن يكون إلا كالحرث في البحر أو الجري وراء السراب.
* أستاذ العلوم السياسية في مركز الدراسات العربية المعاصرة وكلية الشؤون الدولية في جامعة جورجتاون