«سمعت عن هذا القانون، إنه في إسرائيل»، كان ردّ فعل الرجل عفوياً جداً عند سؤاله عن موقفه من المشروع الذي قدّمه وزير العمل بطرس حرب لحظر بيع العقارات بين الطوائف. الرجل بعيد عن نظريات المؤامرة والتخوين المنتشرة في البلاد، ولم يتقصّد إعطاء تصنيف سياسي للمشروع، بل كان جوابه نابعاً من ردّ فعل أوليّ على شكل المشروع، قبل تذكيره بأن حرب نائب ووزير لبناني.

عمليّاً، الرجل محقّ في ردّ فعله. فهو يتابع منذ فترة حملات التحريض العنصرية في الدولة العبرية على فلسطينيي الـ48 والفتاوى التي صدرت تباعاً عن حاخامات لمنع تأجير البيوت أو بيع أراض للعرب، وكان من الطبيعي أن يتوقّع أن تخرج مثل هذه العمليات التحريضية إلى حيّز التشريع عبر قانون يقدّمه أي حزب من الأحزاب اليمينية العنصرية المشاركة في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي أو المنتخبة إلى الكنيست. لكنّ تقديره كان خاطئاً. فإلى الآن، لم يتجرّأ أي حزب إسرائيلي على قوننة الإجراءات العنصرية التي تمارس على الأرض بحق العرب وغيرهم من «الأغيار»، حفاظاً على مسمّى إسرائيل كـ«دولة ديموقراطية».
غير أن الأمر قد لا يستمر طويلاً، والمشروع اللبناني من الممكن أن يفتح أبواباً إقليمية، تبدأ من إسرائيل. ومهما كان تبرير حرب لمشروعه، فإنه لا يستطيع أن يبعد عنه الشبهة الطائفية، وفكرة «حماية الوجود» المسيحي في لبنان. الفكرة هذه من الممكن أن تستخدم في أكثر من مكان. قد يتلقّفها اليمين الإسرائيلي على سبيل المثال لتشريع حصار فلسطينيي الـ48 في مناطقهم. فمنبع «الخوف» متشابه بين هنا وهناك. حرب، وغيره من أطراف اليمين اللبناني المدافع عن المشروع، يتحسّبون لتمدّد إسلامي إلى مناطقهم. ومشروعه لم يأت من فراغ، بل هو انعكاس لواقع ممارس على الأرض من قبل بعض البلديات، التي سبق لها أن مارست «الطائفية العقاريّة» عبر تضييق عمليات البيع والشراء، وحظرتها في بعض الأماكن من دون أي سند قانوني.
الأمر مماثل هناك في إسرائيل. فذريعة فتاوى الحاخامات، بدءاً من صفد مروراً بعكا وحيفا، وصولاً إلى القدس المحتلة، هي تمدّد فلسطيني الـ48 إلى خارج مناطقهم، وانتشارهم في الأحياء اليهودية في هذه المدن، التي تسمّى مختلطة. حتى إن هناك حديثاً إسرائيلياً عن متموّلين فلسطينيين وعرب يشترون أراضي في حيفا والقدس المحتلة خصوصاً لأهداف بعيدة المدى.
«الخوف» جامع بين هنا وهناك، ويحمل الصفة الديموغرافية، لكنه يتظهّر بلباس عقاري، تحت مسمّى مساع بعيدة الأمد «للطرد والتهجير». الهواجس هنا أخرجت أصواتاً سياسيّة وشعبية لبنانية تبرّر لبطرس حرب مشروعه وتدافع عنه. غير أن ذلك سيكون دفاعاً غير مباشر عن الإجراءات الرسمية وغير الرسمية الإسرائيلية بحق فلسطينيي الـ48، ما دامت نابعة «بشكلها الخارجي» من المخاوف والتحسّبات نفسها، مع فارق جوهري مرتكز على الطابع الاستعماري لإجراءات الدولة العبرية المغطّى بحسابات ديموغرافيّة.
وبغض النظر عن واقع التشابه بين الإجراءات الإسرائيلية ومشروع القرار اللبناني، فإن أخطر ما قدمه حرب هو إمكان انتقال عدواه في «تشريع الغيتوات» إلى الدول المجاوره، التي تشهد صراعات طائفية، سواء كانت علنيّة أو مكبوتة. فالمخاطر على المسيحيين في العراق ومصر، على سبيل المثال، لم تعد في إطار التحسبات السياسية، بل أصبحت واقعاً ملموساً عبر الهجمات على الكنائس. «تهجير المسيحيين» من الشرق هو لسان حال هؤلاء في تفسيرهم للاعتداءات. تهجير بدأ فعلياً في العراق، سواء عبر النزوح إلى كردستان أو الانتقال إلى فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية التي عمدت إلى تسهيل طلبات المسيحيين في الهجرة. الأمر نفسه قد يحدث في مصر في الأيام المقبلة، ما لم تسارع الحكومات إلى تهدئة هواجس «الاندثار» المنتشرة بين أبناء هذه الطائفة.
قد يكون مشروع قانون حرب، الذي سيفشل لبنانياً، مناسباً لهذه التهدئة في دول أخرى. فاحتواء الغضب القبطي في مصر، على سبيل المثال، عبر تصنيع غيتو شبه فدرالي، قد يكون أحد الحلول المقترحة. الأمر نفسه ربما لمسيحيي العراق وسنّته وشيعته، ما دامت المخاطر الأمنية جامعة بين هذه الطوائف في بلاد الرافدين.
على هذا الأساس، لا يمكن النظر إلى المشروع المقدّم من بطرس حرب من زاوية لبنانية ضيّقة. فمخاطره ستكون أعمّ. وإفشاله قد لا يكون كافيّاً لإغلاق الباب الذي فتحه على تشريع الغيتوات الطائفية الفدرالية، التي قد تتمدّد عدواها سريعاً.