قد يكون غسّان تويني أوّل من أدرج استعمال «الزمن الجميل» في مرثيّاته المُتكرّرة لأترابه من زمن كان جميلاً لنخبة المجتمع البورجوازي السمج في لبنان. هؤلاء الذين واللواتي يظنون أنّ مشاهدة عرض راقص في الكازينو، أو الاستماع الى مغنيّة من درجة متدنيّة من الغرب، كافٍ لترقيتهم في السلّم الحضاري الذي يتخيّلون ويتخيّلن أنّ الرجل الأبيض قد بناه لهم تحت أقدام أرزهم الذي لا يستحق إلا الاندثار


، لعل ذلك يقلّص من حجم اللوثة العقليّة الجَماعيّة التي تعتري الثقافة السياسيّة والشعبيّة اللبنانيّة. النخبة الطبقيّة تحدّد مفاهيم الجمال وتطعمه بالقوّة للباقين.
الزمن الجميل؟ بأيّ مقياس ومعيار ومفهوم؟ ومن يحدّد ماهية وطبيعة الزمن الجميل، ومن يفرضه في الثقافة الشعبيّة والسياسيّة؟ هل هناك في عالم الضفادع من قرّر أنّ زمن لبنان كان جميلاً؟ الموضوع سياسي بامتياز وينتمي إلى عالم الأساطير الذي تندرج على أساسه أسس القوميّة اللبنانيّة الشوفينيّة التي لا تزال تنخر في عظام المجتمع والدولة، لأنّ الطائف اعتنق عقيدة حزب الكتائب النازيّة بالكامل. قل (وقولي) إنّها نتاج مراجعة يمينيّة لحقبة ما قبل الحرب الأهليّة، من أجل تسويغ المشاريع (الإسرائيليّة بالكامل) التي كانت السلطة اللبنانيّة تنفّذها في لبنان. يمرّرونها أمام أعيننا مرتيْن؟ وكما قالت فيروز في أغنية جميلة: «مرّة مليح، اثنيْن؟».
الزمن الجميل؟ ليس جميلاً ذلك الزمن الذي كانت فيه السلطة اللبنانيّة تنقضّ، منذ أواخر الستينيات، على المخيّمات الفلسطينيّة من أجل إكمال الخطة التي رافقت المشروع اللبناني في عمّان. هل هناك أبشع من زمن كان فيه المناضل القدوة، أبو ماهر اليماني (الذي يجب أن يكون أشهر من «تشي غيفارا» بيننا) يُساق إلى المخافر اللبنانيّة ويتعرّض فيها للتعذيب والتحقير؟ ليس جميلاً أبداً التدخّل الأجنبي السافر في كلّ مفاصل الحياة السياسيّة اللبنانيّة، وخصوصاً في تلك الانتخابات الرئاسيّة الهامة في 1970 (ويزهون بتلك الانتخابات ويعتبرونها عُصارة الديموقراطيّة وينسون ـــ أو يتناسون ـــ أنّ ميليشيا سليمان فرنجيّة كانت تحيط بمبنى المجلس النيابي من كلّ صوب للتعبير عن الرفض في حال عدم فوز ابن الشمال. كما أنّ صبري حمادة كان لا يريد إعلان فوز فرنجيّة، لكنّه غيّر رأيه بعد اتصال هاتفي مع فؤاد شهاب وقادة «المكتب الثاني»). الزمن الجميل؟ عندما كان الجيش اللبناني يواصل طمأنة العدو الإسرائيلي من خلال لجنة الهدنة لتأكيد نيّات لبنان السلميّة تجاه حروب إسرائيل المُتكرِّرة وعدوانها؟ الزمن الجميل؟ عندما كانت عقيدة الجيش اللبناني التي وضعها فؤاد شهاب (الذي لا يزال يتلقّى دفقاً من المدائح لا يستحقّها) هي تحالف غير مُعلن مع إسرائيل. وعندما كان عملاء إسرائيل في الجيش مثل سعد حدّاد وأنطوان لحد وأترابهم يتلقّون رواتبهم من ضرائب الشعب اللبناني (مثلما افتضح أمر عمالة نائب رئيس الأركان في الجيش اللبناني لإسرائيل وذلك تحت عقيدة جديدة (مزعومة) للجيش، برعاية الماريشال للّو المرّ الذي فهم منصب وزارة الدفاع على أنّه دفاع عن مصالح إسرائيل ـــ على الأقل كما ورد في إحدى وثائق ويكيليكس، التي يقول المرّ إنّها كانت مجتزأة، لكنّه لا يقول ما هو الجزء الذي أجتُزئ منها).
ثم كيف يكون الزمن جميلاً عندما يؤدّي إلى واحدة من أبشع الحروب الأهليّة في القرن العشرين؟ كيف يكون الهدوء الذي يسبق عاصفة مُدمّرة جميلاً، بالرغم من هول الكارثة وحجم الضحايا؟ أم أنّ «بنك عودة» وبنوكاً أخرى جشعة تقيس الجمال بحجم أرباحها التي لا حدود لها قبل الحرب وبعدها، قبل الأكل وبعده؟ حتى زعماء لبنان قبل الحرب أُحيطوا بهالة من العظمة والجمال لا يستحقّونها، إلى أن بتنا نخال أنّهم يتحدّثون عن رجال آخرين. من؟ بيار الجميّل الذي كان يجد هو وأتباعه ظُرفاً في جهل اللغة الرسميّة للبلاد، والذي بدأ بتلقّي الدعم الإسرائيلي المالي لحملات حزب الكتائب الانتخابيّة منذ الخمسينيات؟ هذا الذي ـــ للإنصاف ـــ لم يكن يكنّ كرهاً فقط للعربي «الغريب»، بل لـ«الشريك» المسلم في مسخ الوطن؟ هذا الذي ـــ باعتراف لويس الحاج في كتابه الصريح «من مخزون الذاكرة» ـــ كانت جريدة «النهار» تحميه من خلال تشذيب تصريحاته التي تضمّنت كراهية مفضوحة ضد المسلمين؟ أم صائب سلام الذي (على الأرجح) دبّر أزمة «إنترا» بالنيابة عن مصالح ماليّة وسياسيّة أجنبيّة، والذي مثّل مصالح الأمير سلطان في لبنان، وأيّد زيارة السادات لإسرائيل؟ (لكن صائب سلام كان رخواً في ولائه السياسي، إذ إنّه أطلق لأشهر عدّة تسمية «مدينة صدّام الطبيّة» على مبنى في منطقة الحرج قبل أن يتيقنّ من أنّ دعم صدّام حسين المالي لن يصل أبداً)،
أم الزعيم الرجعي كامل الأسعد الذي لم تتوقّف جريدة «النهار» عن التفجّع عليه على صفحاتها. هو الذي قَبِل أن يدعم ترشيح بشير الجميّل، مقابل «بركة» وصلته في لقاء مع ميشال المرّ بعدما كان قد أفتى بعد الأيّام الأولى للاجتياح الإسرائيلي بعدم جواز إجراء انتخابات رئاسيّة تحت الاحتلال. كامل الأسعد هذا الذي وافق على أداء دور الأداة الصغيرة في يد الحكم في لبنان، مقابل كرسي الرئاسة الثانية ومصاريفها السريّة؟ أم مجيد أرسلان الذي شكّل تبوّؤه لمنصب وزارة الدفاع ثاني أكبر مهزلة في التاريخ اللبناني المعاصر (بعد مهزلة تبوّء للّو المرّ المنصب نفسه كحصّة لجهة مجهولة في الحكومة اللبنانيّة الحاليّة)؟ أم كميل شمعون الذي أشعل حرباً أهليّة طمعاً بالرئاسة، والذي لم يكن يشير إلى السياسيّين في لبنان إلا بعبارات سوقيّة وبذيئة (كما يصف لويس الحاج)؟ أم شارل مالك الذي أراد «محاكاة حضاريّة» بين لبنان وإسرائيل؟ أم تذكر (وتذكرين) الصناعي الثري، جورج أبو عضل، وكان محظيّاً في عهد سليمان فرنجيّة، الذي ملك عدداً من وسائل الإعلام في لبنان بالرغم من أنّ استخبارات عربيّة كشفته كرجل إسرائيل الأوّل في مسخ الوطن وفق كتاب نهاد الغادري «الجهل ملكاً» ـــ والكاتب أبعد ما يكون عن اليسار طبعاً؟ أم تذكر إميل إدّه والدور الخبيث الذي قام به أوّلاً كمندوب لوالده عند الحركة الصهيونيّة، ثم كعدوّ ليوسف بيدس، قبل أن يؤدي دوراً خبيثاً آخر في مجلّة «الحوادث» وفق شرح إبراهيم سلامة؟ أم تذكر نوّاباً من أمثال عبد اللطيف الزين (الذي تصرّ حركة أمل على احتضانه تقرّباً من عائلات الإقطاع وأموالها) وعثمان الدنا، والإقطاعي البالغ الظلم، سليمان العلي، الذين احتضنوا بشير الجميّل ـــ أسوأ لبناني على الإطلاق؟
لا، ليس جميلاً ذلك الزمن. وماذا كان جميلاً في زمن كان فيه الجيش اللبناني يفتح خزائنه لميليشيات اليمين الطائفي، قبل أن ينصحهم سليمان فرنجيّة بالتسلّح لمواجهة الثورة الفلسطينيّة (هو الذي وعد الشعب اللبناني عند انتخابه بجعله يهنأ في وطنه، إلى درجة تسمح له بترك أبوابه مفتوحة، إلى أن أتت الحرب وتخلّعت الأبوات أو أُحرقت أو تعرّضت للسرقة)؟ الجمال في زمن كانت الصحافة فيه تعبيراً عن أهواء السفارات الأجنبيّة، وكانت طائفيّة الدولة ونظرتها العنصريّة سياسة رسميّة للبلاد؟ ما الجمال في زمن كانت فيه قوات الكوماندوس الإسرائيلي الإرهابي تهبط في بيروت وتقوم بأعمال الإرهاب وتجد عملاء لها بانتظارها على الشواطئ والمطار ـــ ما أشبه اليوم بالبارحة؟ الزمن الجميل، عندما كانت العائلات البورجوازيّة تستعين بأجهزة الدولة في مطار بيروت من أجل تهريب بضائع مُدرجة على لائحة مقاطعة إسرائيل ـــ في زمن كانت فيه المُقاطعة سياسة رسميّة لجامعة الدول العربيّة؟
الزمن الجميل عندما كان الاقتصاد اللبناني قائماً على استيلاء بضع عائلات على مقدّرات الدولة بالنيابة عن شركات أجنبيّة مشبوهة؟ الزمن الجميل عندما كان إفقار نحو ثلث الشعب اللبناني سياسة مقصودة تصدّياً للثورة الفلسطينيّة؟ لا، ليس هذا الزمن جميلاً أبداً. كان بشعاً للغاية. جميل الزمن الذي سادت فيه عائلات الإقطاع وكانت لا تتورّع عن النطق باسم فقراء لبنان ومعذّبيه؟ جميل الزمن الذي سمح للجوع أن يسكن في قرى الجنوب وعكّار والبقاع، وسمح للدولة بأن تتعامل مع أهل بعلبك على أساس نظريّات أنثروبولوجيّة استشراقيّة استعان بها فؤاد شهاب لكسب الطاعة والولاء؟ أي جمال هو هذا، وأيّ زمن كان هذا؟ «بنك عودة» لا يقرّر الجمال بالنيابة عن شعب لبنان برمّته. الزمن كان جميلاً لرأس المال، لا للأكثريّة المقهورة في لبنان.
الزمن اللبناني كان جميلاً عندما كانت الطبقة السياسيّة تتبادل الأنخاب في فندق «البستان» وهي ترى مشاهد حرق بيروت الغربيّة تحت وطأة القذائف والحمم الإسرائيليّة؟ كما كان جميلاً، ذلك الزمن عندما كانت العائلات الحاكمة تتقاسم السرقات والمغانم على حساب الشعب اللبناني. كان جميلاً ذلك الزمن عندما كان زعماء لبنان وسياسيّوه يتسابقون على موائد الـ«بوفيه» في كازينو لبنان، فيما كان الجنوب يتعرّض لقصف شبه يومي من إسرائيل؟ لا، لهؤلاء، كان طعم الجمال لا لبس فيه. كان جميلاً الزمن الذي كانت فيه الدولة اللبنانيّة مُسخّرة لخدمة استخبارات غربيّة وصهيونيّة لمحاربة اليسار والثورة الفلسطينيّة. كم كان ذلك الزمن جميلاً ـــ لهم وللعدوّ الإسرائيلي.
لا، كان زمانهم جميلاً. هؤلاء الذين كانوا يمتهنون تقليد الرجل الأبيض بابتذال، والذين كانوا يحلمون بإقامة فرع للدولة اليهوديّة بنسق «ماروني» (بالمعنى السياسي للكلمة بالنسبة الى حزب الكتائب النازيّة). هؤلاء كان منتهى طموحاتهم أن يوقّع لبنان على اتفاقيّة سلام مع إسرائيل ـــ تبخّر حلمهم تحت أنقاض مبنى في الأشرفيّة. هؤلاء كان زمنهم جميلاً أيّام المُستعمر الفرنسي عندما كانت البطريركيّة هانئة في حلفها مع فرنسا، وكان عليّة قوم البورجوازيّة اللبنانيّة يغتبطون لمجرّد مجالسة مندوبي الاستعمار الفرنسي في مقهى الـ«غران هوتيل» في صوفر (كتب عنه أمين الريحاني في كتاب «قلب لبنان»). هؤلاء، كان الزمن جميلاً لهم عندما نأى فؤاد شهاب بالجيش اللبناني عن مهمّة الدفاع عن الحدود وعن المشاركة في متوجّبات الصراع العربي ـــ الإسرائيلي. هذا التقاعس أدّى إلى تطويع فئات شعبيّة في مقاومة وطنيّة، فيما كان الجيش إما مُتفرّجاً (كما كان في عدوان تمّوز بإشراف الماريشال للّو المرّ المتخصّص في إسداء النصح لإسرائيل) أو متواطئاً مع ميليشيات اليمين اللبناني المتحالف مع إسرائيل في حروب على مخيّمات اللاجئين (من المؤكّد أنّ صواريخ «هوت» الفرنسيّة التي وصلت حديثاً إلى لبنان أتت من أجل دكّ المخيّمات الفلسطينيّة).
الزمن كان جميلاً لهؤلاء الذين واللواتي كانوا وكنّ، يقصدون المقاهي والمطاعم والفنادق الفاخرة والتي كانت ممنوعة طبقيّاً عن معظم أبناء الشعب اللبناني وبناته. كم كان الزمن جميلاً عندما كان الرجال يقلّدون الرجل الأبيض في لباس السهرة وربطة العنق السوداء، فيما كانت النساء يتزينّ بالحليّ التي تستطيع ان تتكفّل أثمانها بنفقات تعليم وتطبيب قرية بحالها في عكّار أو في شمال لبنان أو جنوبه. زمن هؤلاء كان جميلاً لأنّهم كانوا وكنّ مغتربين عن وطنهم، فيما كانوا وكنّ يتأفّفن من مشاهد الأكواخ على طريق المطار. جمال زمن هؤلاء مُستقى من تجاهلهم لمعاناة جنوب لبنان وفقراء كلّ لبنان. يحقّ لـ«النهار» أن تتغنّى بحسن لبنان وجماله في الزمن الغابر، فيما كانت المخيّمات الفلسطينيّة وقرى الجنوب اللبناني ـــ اللبناني، للتذكير فقط ـــ تحترق. أيّ جمال وأيّ زمن هو هذا؟
هذا لا يعني أن مكامن الجمال لم تكن موجودة في لبنان قبل الحرب. كان هناك جانب من الجمال، لا يرد في إعلان «بنك عودة» التلفزيوني. هي كانت موجودة في غير تلك المواقع التي تحتفل بها أبواق النخبة البورجوازيّة السمجة في لبنان. كانت موجودة في تظاهرات حاشدة غابت الطائفيّة عنها، وموجودة في إضرابات عمّاليّة لم تتسرّب العقائد الطائفيّة إليها ـــ لو تكرّر إضراب معمل «غندور» اليوم، لصاح آل الحريري وفؤاد السنيورة بشعارات عن مصالح «أهل السنّة»، ولأصرّ المفتي قبّاني على أمّ صلاة في المعمل، وهي موجودة في حركة طلابيّة ديناميكيّة كانت تمثّل وعياً طبقيّاً وسياسيّاً مُبكّراً ينتشر في كلّ أصقاع لبنان. كانت موجودة في عقائد تخطت وتجاوزت طائفيّة النظام اللبناني، كما كانت موجودة في شعارات وممارسات الكفاح المُسلّح ضد النظام اللبناني وإسرائيل وعملاء إسرائيل المُعشّشين في لبنان منذ إنشاء الكيان المسخ هذا. كان الزمن جميلاً عندما لم يكن معظم مثقّفي لبنان يدينون بولائهم لمصالح آل سعود وآل الحريري، وعندما لم تكن اليساريّة الحقّة ـــ لا المزيّفة على وزن يسار شلّة قريطم «الديموقراطيّة» ـــ شتيمة.
الزمن كان جميلاً عندما كان بعض الفن والمسرح والشعر ـــ لا ذلك الفن الذي روّج لعظمة ومجد لم يمتلكه يوماً لبنان ولا بطريرك الموارنة فيه ـــ مشغولاً بهمّ الخطر الإسرائيلي، ولم يكن آنذاك التحذير من الخطر الإسرائيلي يُقابل بالاتهام بالولاء لولاية الفقيه. كان ذلك قبل وفادة الزمن السعودي الوهّابي البشع إلى لبنان وسيطرته على مجلس الوزراء. كان الزمن جميلاً عندما لم يكن أي مسؤول في الدولة يجرؤ على منح دكتوراه فخريّة للأمير نايف ـــ كما فعل فؤاد السنيورة في هذا الزمن. والزمن كان أقلّ بشاعة بكثير قبل أن يحمل رفيق الحريري مشاريعه السياسيّة والثقافيّة والإعلاميّة والاقتصاديّة الخبيثة إلى لبنان، ليعوّل على زمن الصلح مع إسرائيل، «في الربيع». لم يكن الفساد آنذاك على تلك الدرجة التي بلغها بعد عام الشؤم في 1992.
الزمن كان جميلاً عندما كان تلاميذ المدارس يتطوّعون لحفر الخنادق في مخيّم تل الزعتر وجسر الباشا لعلمهم بأنّ مؤامرة تُعدّ ضد الشعب الفلسطيني في لبنان. كان الزمن جميلاً عندما كان الإعلام اليساري والقومي، وخصوصاً جريدة «المُحرّر» ـــ على غوغائيّة بعض شعاراتها وولائها للبعث العراقي، يتصدّى لترّهات الثقافة السائدة المتمثِّلة بجريدة «النهار». كان الزمن جميلاً عندما كان الرقص والشعر والفن والقهوة تتحدّث عن فلسطين وعن ضرورة تحريرها. كان الزمن جميلاً عندما كان عبد الناصر يسخر من أذناب الاستعمار في لبنان والخليج. كان الزمن جميلاً عندما تهاوى الإقطاع الشيعي مثل قصر من رمال وأوحال. كم كان الزمن جميلاً عندما كانت التظاهرات تسير لمناصرة الشعوب المقهورة حول العالم، وبغياب مصطلحات العصر السعودي ـــ الوهابي عن أهل السنة وعن خطر الشيعة (يحاول بعض الظرفاء في إعلام الحريري المساواة بين خطاب داعية الإسلام الشهّال ومحمد كبّارة وبين خطاب حزب الله، مع العلم بأنّ مصطلحات المذهبيّة النافرة غائبة عن خطاب الحزب، بالرغم من عقيدته الدينيّة ومن تركيبته الاجتماعيّة). كم كان الزمن جميلاً عندما أدّى صعود الحركة الوطنيّة إلى تقاعد نادي رؤساء الوزارة ونادي رؤساء المجلس (هؤلاء المعتاشون على الطائفيّة وعلى الدعم الخارجي المُغرض). كم كان الزمن جميلاً عندما تهاوى الحلم الأميركي ـــ الإسرائيلي في عهد أمين الجميّل.
الجمال لا يُقاس بحجم صحن الحمّص العملاق ولا بعدد السيّاح في لبنان ما قبل الحرب. حينها كان يتسرّب عملاء لإسرائيل، من حملة الجنسيّات المزدوجة، الذين كانوا يأتون للقيام بعمليّات إرهابيّة تفجيريّة ويلقون الترحاب من بعض أجهزة الدولة. إنّ الثورة على الوضع اللبناني من قبل الحركة الوطنيّة اللبنانيّة كان من أجل إضفاء جمال حقيقي على لبنان، وإن أمعنت قوى ميليشيات اليمين في تبشيع لبنان على بشاعته. يجب رفض إضافة أسطورة جديدة إلى التراكم الأيديولوجي لفلسفة الوطنيّة اللبنانيّة المُسيطِرة. يريد «بنك عودة» الاستعانة بأكاذيب اليمين اللبناني من أجل درّ مزيد من الليرات إلى خزائنه. فليبحث «بنك عودة» عن مضامين أخرى لدعاياته. دعه يزهُ برفرفة العلم على قمّة جبل ما في مكان ما في العالم. أو فليزهُ «بنك عودة» بتراكم رأس المال. هذا هو صلب فخره وعزّه، لا أساطير عن تاريخ مُختلق.
لماذا تصرّ قوى اليمين اللبناني على تزوير الحقائق أمام أنظارنا؟ لماذا لا يُسمح بكتابة تاريخ حقيقي لمسخ الوطن هذا؟ لكن، ماذا تقول في مسخ وطن يلزم فيه أهل السياسة ـــ في 8 وفي 14 آذار ـــ الصمت أمام فضيحة إلياس المرّ في وثائق ويكيليكس؟ مسخ وطن كهذا يستحق التذويب في كيان عربي أرحب، وبغياب الكيان الغاصب. لكن نستطيع أن نتبيّن بشاعة في لبنان ما قبل الحرب، وفي لبنان ما بعدها ـــ على أساس أنّ الحرب الأهليّة انتهت إلى غير رجعة على ما يشيعون. لكن هناك بشاعات مُخضرمة في الحقبتيْن. وليد جنبلاط بزّ صائب سلام في تملّقه لآل سعود ـــ من دون أن يخدش ذلك من «تقدميّته» ومن «اشتراكيّته» المُبتكرة (عبّر عن غبطته قبل أسبوع لمجرّد مشاهدته للملك السعودي وهو... يمشي). أما بطرس حرب، فهو المُخضرم عن حقّ وحقيق في قياس البشاعة السياسيّة في لبنان. أشاد بالدور السوري من قبل، ودبّج خطباً شبه بعثيّة لالياس الهراوي، وها هو يطلّ في الزمن الحالي بأبشع مشروع قانون عرفه لبنان. ليس زمن وصل فيه قائد «لواء تنّورين» إلى المجلس النيابي عام 1972 جميلاً أبداً.

* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)