بين أوروبا ومهاجريها الأفارقة والعرب، علاقة ملتبسة. وينطوي الالتباس هنا على وقائع، قد لا يبدو تسلسلها منطقياً بالنسبة إلى كثير من متابعي الشأن الأوروبي. ومن هذه الوقائع، إسهام أولئك المهاجرين إسهاماً جدياً في تكريس العقد الاجتماعي الذي نهضت على أساسه الدول الأوروبية الحديثة. وقد أقرّت كثير من النظم الأوروبية بهذا الإسهام، لكن إقرارها ذاك، بقي يراوح عند حدود معيّنة. حدود تحصر هذا الإسهام المجتمعي الفذ في بُعد واحد، هو البعد الاقتصادي النفعي. أما الأبعاد الأخرى، السياسية والثقافية والاجتماعية، فلا وجود لها خارج الإطار الرمزي، الذي أريد للمهاجرين العرب والأفارقة أن يُحشَروا فيه. هكذا تفهم أوروبا (في شقّها اليميني تحديداً) وجود مجتمع الهجرة بين ظهرانيها. وهكذا تريد لأبناء المهاجرين من الأجيال الحالية والقادمة أن يعوا وجودهم، أي قوة عاملة رخيصة، لا دور لها سوى تغذية نهم رأس المال الأوروبي إلى الربح.

لا يعود مستغرباً، والحال كذلك، أن تواجَه ممثلة فرنسية رصينة كإيزابيل أدجاني، بصيحات الاستهجان لدى ظهورها على المسرح، قبل سنتين، بوشم على وجهها وعنقها، يظهر أصولها الجزائرية. ولهذه الأصول أيضاً قصة مفارقة قليلاً لزمننا الراهن، لكنّها على صلة مباشرة بما يحدث اليوم من تقزيم وتنميط لمجتمع الهجرة في أوروبا. نتحدث هنا عن قصة ألبير كامو مع الثورة الجزائرية. فصاحب «الطاعون» لم يرد إظهار تعاطفه مع الكفاح الجزائري المسلح ضد الاستعمار الفرنسي لأسباب عدّة. طبعاً، لم ينهه أحد علناً عن إظهار تعاطفه مع الثوار الجزائريين، لكن الجو اليميني المسيطر حينها، كان يظهر الفرنسي ـــــ الجزائري، المتعاطف مع أبناء جلدته، كما لو كان خائناً. وفي أجواء مماثلة، يسهل على السلطات المستعمرة ابتزاز الفرنسيين من أصول جزائرية، وتخييرهم بين انتماءين «أحلاهما مرّ». فإذا اختاروا الانتماء إلى وطن الهجرة، يكونون قد رتبوا على أنفسهم التزامات تجعلهم مقيدين جداً في إبداء آرائهم تجاه ما يحصل في وطنهم الأم. كلّ هذا يجعل من فكرة احتضان أوروبا لمجتمع الهجرة أمراً خارج السياق. والسياق هنا هو يميني بالدرجة الأولى. فنحن الآن لا نناقش موقف اليسار الأوروبي من مجتمع الهجرة، وإلا لكنا حصرنا النقاش بحقبة ما بعد ثورة 1968. أصلاً، لم يتح لهذا اليسار أن يحكم فرنسا وأوروبا فترات طويلة حتى يتبين المرء موقفه الفعلي (لا المفتعل) من قضايا الهجرة، ولو أنّ تواطؤه حالياً مع النسق اليميني المسيطر يتيح الزعم بأنّ وجوده في السلطة فترةً أطول ما كان ليقدم أو يؤخر شيئاً في وضع المهاجرين. فهذا يسار يتوق إلى أن يحكم فحسب، حتى لو لم يكن يملك تصوراً واضحاً لماهية حكمه. لنقل إنّه نوع من التخبط الذي لم تخرج منه الحالة اليسارية الأوروبية بعد. وانزلاق هذه الحالة المستمر من قعر إلى آخر سيدفع بالأجندة اليمينية المعادية للمهاجرين العرب والأفارقة للمضيّ قدماً.
وقد قطعت هذه الأجندة، بالفعل، أشواطاً كبيرة في مشروعها لتجويف النموذج التعاقدي الذي نهضت على أساسه هذه القارة العريقة. يكفي أن يرصد المرء نتائج الانتخابات النيابية والمحلية الأخيرة، في دول عريقة وحاضنة تقليدياً للأجانب والمهاجرين (السويد وهولندا والدنمارك...إلخ)، حتى يدرك أنّ اليمين الأوروبي المتطرف لم يعد اتجاهاً سياسياً فحسب، بل بات جزءاً لا يتجزأ من خيار الأوروبيين في الانعزال والتقوقع على الذات. لم يعد الأوروبيون اليوم يريدون التعايش مع الآخر إلا بشروط محددة. شروط لم تكن يوماً على أجندة هذا الشعب، لكن القعر الاقتصادي الذي أوصلته إليه سياسات حكوماته سهّل على الجماعات اليمينية المتنامية استدراجه إلى ملعبها الشعبوي، وإقناعه بأمور لم تكن قادرة على مجرد الهمس بها أيام الرخاء الاقتصادي السابق. فمن كان يتصور مثلاً أن ينجح سياسي انتهازي كنيكولا ساركوزي في حمل شيوعيين واشتراكيين وخضر، منافسين له، على التصويت لقانون يربط بين ارتداء المسلمة الفرنسية للنقاب وتهديد الهوية العلمانية للبلد؟ أيّ يسار هذا الذي يقبل أن يكون شاهد زور على تجويف اليمين لشعارات الإخاء والعدالة والمساواة، وتظهيرها كما لو كانت في مواجهة مواطني فرنسا المسلمين لا في خدمتهم؟
أما هولندا، فقصتها مع مواطنيها المسلمين أبعد من قصة غطاء رأس (أو وجه). إنّها قصة بلد، سمح لمزاج يميني متطرف وهامشي بأن يسود ويعمّم سرديته على قطاعات واسعة من المجتمع. لا ندري على وجه التحديد مقدار التجاوب مع هذه الطروحات لدى أوساط الرأي العام الهولندي، لكن نجاح صاحبها، غيرت فيلدرز، في الانتخابات النيابية الأخيرة، وقدرته على النفاذ إلى الائتلاف الحكومي تحت عباءة اليمين التقليدي يشيران إلى مدى تجاوب المجتمع هناك مع الأفكار التي يطرحها زعيم حزب الحرية الهولندي. أفكار تبسيطية تلعب، كعادة الشعبوية اليمينية، على عنصري الخوف والأمن، لكنّها، في حالة فيلدرز، تذهب إلى حدود المجاهرة بكراهية المسلمين، بوصفهم كذلك. هنا يخطو خطاب الكراهية الفاشي خطوة أخرى، ليماهي بين المواطن المسلم وصورة الإسلام، كما يريد لها هذا الخطاب أن تكون. هو إذاً خطاب منفصل عن الواقع، وعن المقاربة اليمينية الذرائعية التي تتعاطى مع المهاجرين والأجانب بوصفهم عالة على اقتصاد البلاد.
وهذا يعني أنّه لا قيمة تذكر لهذا الخطاب. إذاً، ما هو مبرّر انتشاره وتسيّده للمشهد العام في تلك البلاد؟ من يريد أن يعرف الإجابة عن هذا السؤال عليه أن يتذكر أنّ النازية والفاشية لم تتسيّدا المشهد السياسي في كلّ من ألمانيا وإيطاليا، إلا بعد إلغائهما مبدأ المحاكمة العقلية من المعادلة. ويبدو أنّ الحالة الاقتصادية المنهارة التي أفضت إلى وصول هتلر وموسوليني إلى السلطة هي ذاتها التي تدفع اليوم بالهولنديين وغيرهم من الأوروبيين إلى خيارت انتحارية مماثلة، لكن هذه الحالة المتطرفة، من التقوقع والعنصرية وانعدام اليقين، لدى شعوب أوروبية بعينها، لا تفسر وحدها ظاهرة نافرة كظاهرة غيرت فيلدرز. هنالك أيضاً الأجندة اليمينية التقليدية التي عزلت في السابق يورغ هايدر، السياسي اليميني النمساوي المتطرف، لأنّ الظروف شاءت له أن ينشط في حقبة لم تكن فيها عمليات النهب المنظم قد وصلت إلى حدودها القصوى.
يبدو أنّ على فيلدرز وأمثاله، أن ينتظروا خروج أوروبا من القعر الذي تقبع فيه، وعودة عجلة النهب النيوليبرالية إلى الدوران، حتى يدركوا قيمتهم الحقيقية بالنسبة إلى حلفائهم في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا. ذلك أنّ رأس المال لا يعرف حدوداً، ولا يقيم اعتباراً للدين أو للعرق أو للخلفيات السوسيولوجية. وعندما يعتقد أنّ الوقت قد حان لتدوير عجلته من جديد، سيسحب كل ما قاله فيلدرز عن الإسلام والمسلمين من التداول. فلا يعود عندها هؤلاء المهاجرون عالة على الاقتصاد، كما كانت عليه الحال أيام الأزمة الاقتصادية. إنّهم، ببساطة، وقود هذا الاقتصاد!

* كاتب سوري