من الممكن تخيّل الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس مراقباً باهتمام لتطورات الساعات الأخيرة على الساحة اللبنانية. مراقبة غير نابعة لا من القلق على استقرار لبنان، كما هي حال وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، ولا على إمكان مشاركة فلسطينيي المخيمات في أيّ تطورات قد يشهدها الميدان، بل لإسقاط تداعيات الساعات الأخيرة على الوضع الفلسطيني والاستراتيجية المتّبعة من جانب السلطة لمواجهة خيار توقّف المفاوضات.

«الدرس» اللبناني لعبّاس في هذا الإطار من الممكن اختصاره بـ «الفيتو الأميركي». ومهما كانت مروحة التوافقات واسعة، والحديث هنا عن «س ـــــ س» وتوابعها المحلية والإقليمية والدولية، فإن غياب الموافقة الأميركية المباشرة من شأنه قلب الطاولة على رؤوس الجميع. أبو مازن لا شك مدرك لهذا المعطى، لكن واقع الوضع اللبناني اليوم هو اختبار عملي لمدى قدرة الرفض الأميركي على خلط الأوراق.
إسقاط الرفض الأميركي على الواقع الفلسطيني يبدأ اختباره من مساعي السلطة الفلسطينية لتجريم الاستيطان في الضفة الغربية. العمل في هذا الإطار، الذي بدأ منذ أكثر من شهر، لم يحرز أيّ تقدّم في الأمم المتحدة، ومشروع القرار العربي في هذا الإطار لا يزال معلّقاً بانتظار الحصول على رضى الولايات المتحدة. الانتظار ليس شأناً فلسطينياً أو عربياً فقط، بل حتى الدول الكبرى في مجلس الأمن تدفع أصحاب مشروع القرار إلى تأمين الغطاء الأميركي له مسبقاً.
واقع الأحداث في مجلس الأمن اليوم هو الاختبار الأوّلي لاستراتيجية أبو مازن التي يرفعها خياراً بديلاً لفشل التسوية السياسية. وسقوط مشروع قرار تجريم الاستيطان سيجر خلفه سقوطاً آخر لمشروع إعلان الدولة في الأمم المتحدة، الذي يقول الفلسطينيون إنهم يعتزمون طرحه في أيلول المقبل، ما يعني انهيار الخيارات الفلسطينية واحداً تلو الآخر، ما يفرض ضروة البحث عن خيارات جديدة للتعاطي مع انهيار التسوية.
لكن قبل ذلك لا بد من سؤال أساسي، هل أبو مازن بات على قناعة تامة بأن التسوية السياسية انهارت، وأنه لا بد من بدء البحث عن بدائل جديّة؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تزال مبهمة، وحتى إن وصل المسؤولون الفلسطينيون الليل بالنهار وهم يقولون إنه لا عودة إلى المفاوضات، فإن مجرّد قول أبو مازن إنه «لا خيار بديلاً عن الحل السلمي» كفيل بالإشارة إلى أن باب السلطة لا يزال مفتوحاً على العودة إلى المفاوضات، لكن البحث هو عن شكل هذه المفاوضات وآلية استئنافها بما يحفظ ماء وجه الرئيس الفلسطيني.
عند هذا المفصل يفترق الواقعان اللبناني والفلسطيني. التسوية في بيروت باتت منهارة رسميّاً، غير أن التسوية الفلسطينية لا تزال معلّقة عند نقطة التجميد الاستيطاني. ورغم أنّ هذا التجميد بات خارج الحسابات الأميركية والإسرائيلية، فإن السلطة ربما تراهن على مبادرات التفافيّة، أميركية وإسرائيلية، لإخراج الوضع من مأزقه الحالي.
لا شك أن المراهنة نابعة من قراءة مسبقة لواقع الخيارات التي كانت تُطرح على الأرض، واليقين بأنها لن تكون حلاً بديلاً للدخول في اتصالات سياسية، مباشرة أو غير مباشرة، وذلك بناءً على استراتيجية أبو مازن، التي لا ترى حلاً إلا بالمفاوضات. بناءً على ذلك، وبعد الاختبار اللبناني، فإن الخيارات الممكنة لأبو مازن هي ثلاثة، لكنها ستقود في النهاية إلى واحد.
الخيار الأول مستند إلى التصعيد الميداني. الحديث لا يجري عن المقاومة، التي تثير اشمئزاز أبو مازن، بل عن المقاومة الشعبية السلمية، على أقل تقدير. غير أنه بالنسبة إلى أبو مازن، فإن اللجوء إلى مثل هذا الموقف غير مأمول الجوانب، على اعتبار أن الأمور قد تفلت من يديه في النهاية، والأرض قد تؤول سواء إلى حركة «حماس» أو إلى الجناح العسكري لحركة «فتح» وغيرهما من الفصائل. لذا فهو يفضّل، ومعه سلام فيّاض، إبقاء الحديث عن المقاومة السلمية، التي يريان ترجمتها في تظاهرات الجمعة في بلعين ونعلين، أما باقي أيام الأسبوع، فهي للحياة العادية.
الخيار الآخر هو إبقاء استراتيجية الملهاة في مجلس الأمن، مع دعمها بحراك دبلوماسي لتأمين المزيد من الاعترافات بالدولة الفلسطينية، على غرار تلك الصادرة عن دول أميركا اللاتينية، إلّا أن الاعترافات لا بد أن تطرق أبواباً جديدة، ولا سيما أنه سبق أن جرى اختبار الاعترافات بعد إعلان الدولة عام 1988. جديدها لا بد أن يكون أوروبياً، على الأقل لإحراج الولايات المتحدة، حتى إن كان من غير المؤمّل أن تؤدي إلى تغيير جدي على الأرض.
الخيار الثالث، وهو ما يبدو أن أبو مازن يعتمده، هو الانتظار. استراتيجيا الانتظار تقوم على المراهنة على تغيير في واقع ما، سواء كان تغييراً أميركيّاً أو إسرائيليّاً. فربما أبو مازن يعوّل على سقوط ائتلاف بنيامين نتنياهو أو التجديد للرئيس الأميركي باراك أوباما، لعلّه يعدل في ولايته الجديدة طريقة تعاطيه القيمة.
بين هذه الخيارات، من الممكن إمرار الوقت بمفاوضات سريّة. صحيح أن أبو مازن رفض عرضاً من إيهود باراك في الأونة الأخيرة لهذا الخصوص، على الأقل هذا ما تقوله الأنباء الإسرائيلية، لكن هذا ليس سوى العرض الأوّل، الذي ستليه عروض أخرى، ولا سيما أنّ أبو مازن «بطل المفاوضات السريّة» منذ السبعينيّات.