لا شك أن نايف حواتمة مثّل شخصيّة هامة في التاريخ المُعاصر للحركة الوطنيّة (لا الثوريّة) الفلسطينيّة. فقد شقّ طريقه النضالي بيديه في سن مبكّرة، ووصل إلى مواقع قياديّة في حركة القوميّين العرب. وكوّن حالة تنظيميّة فريدة، وكان في الستينيات في موقع المُزايدة اليساريّة ضد نفوذ جورج حبش المُتنامي. وكان حبش على حق عندما تساءل في كتاب حواره مع الصحافي الفرنسي (غير المُلمّ)، جورج مالبرونو، إذا كان تراث الجبهة الديموقراطية عبر السنوات والعقود تراثاً يساريّاً بحق (يكفي أنها أنجبت ياسر عبد ربّه، وكان نائباً لحواتمة في قيادة الجبهة) في إشارة إلى انتقادات حواتمة لحبش عبر السنوات على أساس أن الأوّل اعتبر نفسه المرجع في اليساريّة العربيّة.


أنشأ حواتمة تنظيمه بعدما انشقّ عن رحم الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، إلا ان فضلَ استمرار الجبهة يعود للدور الذي قام به ياسر عرفات في حمايتِها (وخصوصاً أن وديع حدّاد وأبو علي مصطفى ارتأيا تصفية المنشقّين دفعاً للأذى) وفي رعاية كل انشقاق في صفوف المنظّمات الفلسطينيّة. استمرّ تنظيم حواتمة ونجح ـــ مثله في ذلك مثل تنظيم «منظمة العمل الشيوعي» الرديف ـــ في اجتذاب فئات شبابيّة ومثقّفة ونسائيّة. وعوّض حواتمة ـــ مثله مثل إبراهيم ـــ عما يفتقر إليه من كاريزما عبر النشاط والعمل الدؤوبيْن، بالإضافة إلى لغة غير موجّهة للعموم (وجاذبة للنزوع النظري عند البعض في حينه). وفيما كادت تنظيمات اليسار الفلسطيني أن تتلاشى بالكامل ـــ أو كان يجب عليها هي أن تتلاشى تحمّلاً لمسؤوليّة سقوط ذريع وتبديد لموارد هائلة ـــ بقي ما بقي من تنظيم حواتمة وإن عانى مثله مثل غيره من انشقاقات مُمَزِّقة، وتركه ياسر عبد ربّه حاملاً معه رفيقين أو ثلاثة، مع بعض الحاجيات. لكن حواتمة كان لينينيّاً حديديّاً في إدارته لتنظيمه، وقد حافظ ـــ خلافاً لكل التنظيمات الفلسطينيّة الأخرى ـــ على القرش الأبيض والأسود، ما سمح للجبهة بالاستمرار في إصدار المطبوعات ـــ على علّاتها.
لكن الاحتفاء بكتاب حواتمة كان فوق العادي في إعلام الجبهة. أعداد مجلّة «الحريّة» تتابع إصدارات الكتاب وطبعاته كما تتابع أمّ (أو أب) مولوداً جديداً. عدد 30 تشرين الأوّل/ أكتوبر من المجلّة يزفّ نبأ طبعات جديدة من الكتاب في الجزائر واليمن، فيما يتضمّن عدد 16 تشرين الأوّل/ أكتوبر «استشرافاً» للكتاب بقلم كاتب رأى فيه «واحداً من أهم الكتب التي دخلت إلى المكتبة العربيّة في العام المُنصرم». لكنك تكتشف مفاجأة في الشكل والمضمون بعد أن تقرأه كلّه. في الشكل، الكتاب هو في الحقيقة كرّاس: لأن موضوع «اليسار العربي» (عنوان الكتاب) يشغل 74 صفحة فقط بالتمام والكمال، فيما تتضمّن الصفحات الباقية صوراً لأبي النوف (مع أمثال أمين الجميّل وعمر سليمان والبطريرك صفير وفؤاد السنيورة والأمين العام للحزب الشيوعي الفيليبيني، وغيرهم)، بالإضافة إلى مقابلات صحافيّة معه. ويفردُ فصلٌ كاملٌ تقريظاتٍ للكتاب في مطبوعات صديقة مُختلفة (يتضمّن الكتاب، يا للغرابة، صفحات من كتاب الليبرالي الوهّابي، شاكر النابلسي، عن العفيف الأخضر (المُتيّم هذه الأيّام بحزب العمل الإسرائيلي وكاتب المدائح للنظام الديكتاتوري التونسي) فقط لأن الأخضر قارن (إيجابيّاً) في أواخر الستينيات بين كوادر الجبهة الديموقراطيّة ومخيّمات تدريب حركة فتح (ص 191 ـــــ 200)، ولأنه رأى في حواتمة يومها ثقافةً لم يرها في فتح.
وينكفئ حواتمة أحياناً ثم يعود ليظهر من جديد، وأحياناً في أدوار غير حكيمة البتّة. ظهر على القنوات السعوديّة بوفرة قبل أكثر من عام عندما كان يحاول العودة إلى الضفة الغربيّة. عندها، استفاض في التحذير من خطر «الصوملة» في غزة، وكأن سلطة أوسلو المُتعاونة ذيليّاً مع الاحتلال تمثّل جنة النعيم والتحرّر. لكن إسرائيل رفضت عودة حواتمة: وكلّما ناشد حواتمة «الشعب الإسرائيلي» مُستجدياً سلاماً ووفاقاً، رموا «معالوت» في وجهه مع أنه يزهو بأنه أوّل من تحدّث مع إسرائيليّين (وكان تنظيمه قد بادر إلى الترويج لفكرة كيان فلسطيني مسخ في بعض الضفة والقطاع وكان قد دعا إلى «الحوار» مع «القوى الديموقراطية» في إسرائيل. وزيارة حواتمة الأخيرة للبنان تضمّنت إهداءه درع القدس لنبيه برّي وفؤاد السنيورة والبطريرك صفير، كما زار أمين الجميّل (لا ندري إذا بحث معه في دوره في المجزرة التي أشرف على ارتكابها في مخيّم تل الزعتر).
في الشكل، تعاني لغة الكتاب أزمة فظيعة. بعض جمل حواتمة لا يُقرأ، لكن نرجسيّة الذات عند بعض الزعماء والكتّاب العرب ترفض فكرة أن يقوم محرّر (أو محرّرة) بتشذيب اللغة أو تصحيحها أو صقلها من أجل تسهيل مهمّة القراءة والفهم والاستيعاب. دررٌ منزّلة هي، لا تحتمل تحسيناً أو تجميلاً. لكن من الواضح أن حواتمة تعوّد في أدبيّات الجبهة الديموقراطية أن تنزل كلماته قدسيّاً كما هي، لكن النتيجة باءت بفشل ذريع. بعض جمل حواتمة تمتدّ على أكثر من صفحة دون أن يستقيم المعنى فيها ـــ يبدو لأن الكاتب نسي الفكرة التي أراد التعبير عنها في بداية صفحة سابقة. ومسألة اللغة لا يُستهان بها وهي ـــ من دون مُبالغة ـــ تمثّل جزءاً من الهوّة التي تفصل بين الفكر اليساري (والفكر القومي أيضاً) والجيل العربي الجديد. لغة حواتمة مُتأثّرة كثيراً بلغة الترجمة ـــ عن ـــ الروسيّة الرديئة من «دار التقدّم» الموسكوبيّة أيام الاتحاد السوفياتي. هي لغة إطناب ومبالغة وتعليب أيديولوجي جامد تعتمد فيها الحجّة على التصنيف المُسبق لا على البرهان. ولغة اليسار كانت عائقاً لا سنداً حتى أيام صعود اليسار. كانت الكراريس الحزبيّة اليساريّة تجهد في حشو استشهادات ستالينيّة للينين في إطار من الترجمة العربيّة للبيان الماركسي السوفياتي. أتت النتيجة مُدمّرة. عبارات ومصطلحات وجمل عن انتصارات المُعسكر الاشتراكي وعن مُناصرة شعوب ذلك المُعسكر مع نضال الشعب الفلسطيني إلى أن اكتشفنا بطلان ذلك: تمثّل شعوب دول المعسكر الاشتراكي سابقاً كتلة صهيونيّة وحكوماتها في الاتحاد الأوروبي تنشط كلوبي إسرائيلي.
ولا يمتنع الكاتب عن السخرية من الخطاب القومي لأنه يردّد كليشيهات بالية ولأنه ـــ في رأيه ـــ لا يقدّم حلولاً ديموقراطية (ص. 30). واستسهال كلمة ديموقراطية من دون إخضاعها للنقد الماركسي سمة من سمات هذا الكتاب. لكن الحلول الديموقراطية تستعصي على الفهم لأن حواتمة ـــ مثله مثل بوش في ذلك ـــ لا يتكلّف عناء البحث عن ماهية الحلّ الديموقراطي. ثم، كيف حلّت الدول «الديموقراطية» في الغرب مشكلة «الأقليّات» (مثل «شعب الروما» ـــ النَّوَر بمسمّيات العالم العربي ـــ في أوروبا الشرقيّة والغربيّة على حدّ سواء أو السود في أميركا، والأتراك في ألمانيا والمسلمين في أوروبا قاطبة) لأن حواتمة يردّد مقولة الحل «الديموقراطي» لمشكلة الأقليّات في العالم العربي. ثم، إذا كان حواتمة يطالب بإصلاح «ديموقراطي ملموس»، أفلا يستدعي هذا ضرورة مساءلته حول مدى الإصلاح الديموقراطي «الملموس» في داخل الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين؟ كيف يُنتقى المندوبون (وبعض المندوبات) في مؤتمرات الجبهة، وعلى أي أساس ديموقراطي يبقى نايف حواتمة أميناً ـــ عاماً إلى الأبد في قيادة الجبهة؟ طبعاً، يمكن أن يكون حواتمة قد حاز نسبة 99% من التأييد من كوادر الجبهة وأعضائها، فاقتضى التوضيح. ألم يجد حواتمة مفارقة في أن جورج حبش الذي عيّره ماضياً بالفاشية واليمينيّة هو الأمين العام الوحيد الذي تخلّى طوعاً عن قيادة جبهته واعترف بأخطاء جسيمة؟
ينضح الكتاب بفرضيّات وتعميمات تجافي الحقيقة، وتكتشف (وتكتشفين) ذلك من الصفحة الأولى: يبلغنا الكاتب أن الإدارة الأميركيّة اكتشفت فشل سياساتها الجائرة نحو كوبا ويكاد حواتمة أن يبلغنا بنصر كوبي مُبين (ص. 13). ويحاول الكاتب أن يعرّف اليسار فيأتي تعريفه مائعاً (قصداً) وخالياً من المضمون الاشتراكي. غابت عبارة الاشتراكيّة عن تعريف حواتمة فاكتفى بترداد رتيب «التنمية الإنسانيّة المُستدامة» (ص. 17) (وكأنه يستقي من أدبيّات البنك الدولي هنا، مع أن اليسار يجب أن يرفض مقولة «التنمية» المُتداولة لما فيها من فرض لمصالح رأس المال الغربي وعلاقاته الاجتماعيّة) وكلام عام عن «العدالة الاجتماعيّة». لماذا لا يميّز حواتمة بين الفكر الليبرالي والفكر الاشتراكي: وليس الاثنان متساوييْن، وخصوصاً في العالم العربي. قد يكون حواتمة يتذاكى فيظنّ أن إغماط الفارق بيْن الفكر اليساري والفكر الليبرالي محاولة لكسب تأييدٍ ما، ظنّاً منه أنه يكتب لجمهور أوروبي لا عربي (لا دليل على استساغة شعبيّة عربيّة لفكر الليبراليّة وخصوصاً أنه يرتدي لبوساً وهابيّاً عندنا ـــ الليبرالي الوهابي، شاكر النابلسي، أفرد كتاباً ذا حجم لتقريظ شعر الأمير خالد الفيصل، وإبراهيم العريس اعتبر «مبادرة» الملك السعودي للحوار بين الأديان، مُتمثّلة كلّها بشمعون بيريز، اعتبر أنها أفضل مبادرة في «تاريخ البشريّة» جمعاء). وليس في تعريف حواتمة لليسار إشارة إلى محاربة الإمبراليّة. أما الحلول المُستعصية التي تواجهها منطقتنا، فتُواجه بـ«الحلول الديموقراطية» (كانت هذه ـــ يا للمفارقة، أو من دونها ـــ وصفة جورج بوش للعالم العربي إلى أن اكتشف شعبيّة حماس وحزب الله الحقيقيّة).
والطريف في كتاب حواتمة أنّه:
1) يخلط بين اليسار واليسار الثوري من دون أن يُسهم في إضافة الفيصل بين الاثنين، وخاصة أن جبهته لم تُحسب يوماً في خانة الثورة، إلا إذا أخذنا في الحسبان بعض الشعارات الجدرانيّة التي أسهم العفيف الأخضر في صوغها في الأردن إبّان مجازر عمّان (مثل «كل السلطة للمقاومة» والتي اعتبرها البعض مُساعدة للنظام الأردني بطريقة غير مُباشرة).
2) لا يميّز بين اليسار والليبراليّة وقواهما في العالم العربي، ويدعو إلى توحيد جهودهما (ص. 33 و39). ولكن هل يمكن حواتمة أن يكون مُتجاهلاً للحلف القائم بين الليبراليّة في أنظمة الخليج، والحكم السعودي بصورة خاصّة؟ طبعاً، لا. حواتمة يعلم ما يرمي إليه، وبين دفّتي الغلاف لن تجد كلمة واحدة نقديّة للأنظمة العربيّة الرجعيّة التي كرّست ثرواتها النفطيّة لمحاربة اليسار بكل أشكاله (من المبالغة القول إن الليبراليّة العربيّة متحالفة مع أنظمة الخليج النفطيّة، فيما الأصح القول إن الحكم السعودي الوهّابي احتاج إلى نسق زائف من الليبراليّة كي يقود حملة تنفيذ الأوامر التي أتته من أميركا عقب تفجيرات أيلول، ولا سيما في مجال الإعلام، ومن أجل إحكام السيطرة على المؤسّسة الدينيّة ومحاربة حركات المقاومة بصورة عامّة).
إن تلفيق تحالف بين اليسار العربي ـــ أو ما بقي منه ـــ والليبراليّة هو ضرب من التزييف المقصود لأن الحركتيْن تختلفان في كل الأهداف، من طبيعة الإصلاحات الداخليّة إلى السياسات الخارجيّة (من المعلوم أن الليبراليّة العربيّة راضية عن «إصلاحات» الملك السعودي التي تسمح في محكمة جدّة أخيراً بفرض عقوبة سجن و100 جلدة على فتاة «أقرّت» ـــ وفق كلام صحيفة «سعودي نيوز» ـــ بأنها «مارست الجنس بالإكراه» (لا يبدو أن المحاكم السعوديّة الوهابيّة تعترف بجريمة الاغتصاب حتى لو رأتها مثل ولوج المِكحلة) مع أن المحكمة لاحظت أنها تعرّضت «للجنس بالإكراه» من أكثر من شخص). اليسار العربي يرفض الاحتلال الأجنبي ـــ أو يجب أن يرفض ـــ فيما تعتبر الليبراليّة العربيّة عقيدة بوش ذروة الترقّي والتقدّم، ما حدا واحداً من أصدح أصواتهم إلى دعوة العرب إلى «اعتناق» عقيدة بوش. لكن حواتمة يقصد مهادنة أنظمة الخليج النفطيّة الرجعيّة ولا ينفك عن إسباغ المديح للنظام المصري (ص. 114 ـــ 115) والعلاقة بين الجبهة وعمر سليمان ـــ لنقل إنها أوثق من العلاقة بين الجبهة والنظام في كوبا مع أن النظام المصري هو اليوم من أقوى حلفاء نتنياهو. ويكتب حواتمة في نقد الفكر الرجعي (الدائري، على ما يسمّيه)، لكنه يغفل قصداً عن الدور السعودي في تأييد الحركات الدينيّة وتسليحها وتمويلها على امتداد القرن الماضي. يسمّي البابا يوحنّا الثاني بالنسبة إلى دوره في دعم الدور الأميركي ضد اليسار والشيوعيّة، لكنّه لا يسمّي النظام السعودي قط في ما يتعلّق بالتحالف مع أميركا طيلة الحرب الباردة لمحاربة اليسار والشيوعيّة وفكر التنوير.
قد تتوقّع (وتتوقّعين) نقداً ذاتيّاً عن تجربة الجبهة الديموقراطية، ولكن لا حاجة لذلك لأن حواتمة في جملة واحدة ينفي تلك الحاجة إذ يقول: «لقد تميّزت الجبهة الديموقراطية وطوال التجربة السوفياتيّة، بموقفها الناقد من اعتبار الاشتراكيّة العلميّة نظاماً أيديولوجيّاً ...» (ص. 83). (العلاقة بين الجبهة والنقد الذاتي كانت على الدوام علاقة نفور: وفيما حمّل البعض في المقاومة الفلسطينيّة الجبهة مسؤوليّة في طرح شعارات استفزازيّة في الأردن سبقت مجازر أيلول، لم يبدر عن الجبهة أي بوادر تواضع نقد ذاتي، على العكس، قالت بلسان مكتبها السياسي: «كشفت حملة أيلول، بشكل ملموس، صحة الموضوعات النقديّة التي طرحتها الجبهة على امتداد الفترة السابقة». («حملة أيلول والمقاومة الفلسطينيّة: دروس ونتائج» ـــ ولم ينس المكتب السياسي النظر بعين الرضى إلى أداء ياسر عرفات ربّما لأنه تبنّى الجبهة، لزعزعة قوّة الجبهة الشعبيّة الأم، ومن أجل الترويج لشعاراته اليمينيّة من خلال تنظيم يرتدي لبوس اليسار).
وخلافاً لإيحاءات حواتمة، لم تتميّز الجبهة الديموقراطية إطلاقاً عن التنظيمات والأحزاب الشيوعيّة في نمط تبنّيها لما سمّاه هربرت ماركوزه «الماركسيّة السوفياتيّة». على العكس، فإن ولاء الجبهة للاتحاد السوفياتي كان مطلقاً على مرّ الأعوام (ويروي عدد ممن عاش حصار بيروت عام 1982 أن عرفات كان يسأل حواتمة عن أخبار من أصدقائه (في إشارة إلى الـ«كي.جي.بي»). صحيح أن الجبهة الشعبيّة هي أيضاً وقعت منذ عام 1977 في الدرك نفسه وتبنّت دون نقد منهجي الماركسيّة السوفياتيّة عينها، إلا أن الجبهة كسبت عداءً ونفوراً من موسكو في أعوام العمليّات الخارجيّة (قبل عام 1972 عندما انشقّ حدّاد عن الجبهة) وحتى في سنوات «جبهة الرفض» بين أعوام 1974 و1977. وأدبيّات الجبهة الديموقراطية (إن في «البرنامج السياسي» أو في كتاب حواتمة «الثورة وحق تقرير المصير والدولة المستقلّة» وغيرها) لم تحتوِ على إي إشارة نقديّة للنظريّة أو الممارسة السوفياتيّة.
ماذا يريد أن يقول حواتمة في كتابه (بما فيه سلسلة الخطب والمقابلات المنشورة فيه)؟ يريد ـــ مثلما كانت الأحزاب والتنظيمات الشيوعيّة تفعل في عزّ الحرب الباردة ـــ أن يُبشّر الشعوب العربيّة بصعود اليسار حول العالم، وأن يزفّ بشرى قرب انهيار المعسكر الرأسمالي ـــ أي أنّ حواتمة يجترّ نمطيّة الخطاب الدعائي السوفياتي، ناسياً أن نصف الكرة الأرضيّة لم يعد خاضعاً لدول وحكومات تدين بالعقيدة الشيوعيّة. هنا، يقع حواتمة في تناقض لم يلحظه: إذا كان اليسار العالمي في حالة صعود عالمي (وهو يشمل الولايات المتحدة في سياق سرده الملحمي)، فلماذا الحديث عن أزمة لليسار العربي إذاً؟ لو صحّ كلام حواتمة، لما احتجنا إلى كتاب ووصفة سحريّة لإنعاش اليسار أبداً. ويسوق حواتمة في سرديّته حججاً وبراهين واهية: تصبح عنده تجربة تشافيز (ص. 31) كافية لانتظار قيام تشي غيفارا من قبره لقيادة ثورات في كل أميركا اللاتينيّة (لكن حتى النموذج الكوري الشمالي يعجب حواتمة (ص. 13 ـــ 14). ويتحدّث عن التقدّم الاشتراكي في الدول الاسكندينافيّة (ص. 35) من دون الإشارة إلى الارتداد اليميني في معظم تلك الدول، وصعود أحزاب يمينيّة متطرّفة فيها. ويظن حواتمة أن الصين (ص. 41) هي تكريس لنمط العلاقات الاشتراكيّة، مزهوّاً بقوّتها الصناعيّة ويصف تجربتها بـ«المغرية والمبهرة والغنيّة» وكأن الرأسماليّة ليست عنواناً للعلاقات الإنتاجيّة هناك حيث زادت نسبة الفقر بصورة كبيرة والتفاوت بين الطبقات. أما كوبا المُتضعضعة فتصبح عنده نموذجاً يكفي احتذاؤه للخروج من كل الأزمات الاقتصاديّة والسياسيّة للعالم النامي (ص. 43).
لكن المشكلة تكمن في عدم اطّلاع حواتمة على الكتابات الاقتصاديّة والنظريّة وعن العلاقات الدوليّة، ويتضح ذلك في اعتماده أكثر من مرّة على غلاف ساخر لمجلّة «نيوزويك» الأميركيّة عندما طلعت بغلاف عنوانه: «نحن كلّنا اشتراكيّون الآن» (ص. 57). لم يدرك حواتمة في اعتماده على مجلّة لا تتمتّع بالرصانة (وقد أفرد صورة لغلاف المجلّة في ملحق الكتاب) أنها كانت تسخر من إجراءات اقتصاديّة أميركيّة بدأت في عهد بوش (والسجال السياسي الأميركي السطحي يجعل من أي إنفاق حكومي صنواً للاشتراكيّة في مجتمع لا يميّز بين الليبراليّة والاشتراكيّة لشدّة تطوّره الأيديولوجي نحو اليمين المُحافظ). لا يا رفيق: لم تغزُ الاشتراكيّة أميركا، وهناك كتاب مُفيد لعالم الاجتماع سيمور مارتن لبست («لم تحدث هنا») عن فشل الاشتراكيّة في التجذّر فيها.
ليست المشكلة في الكتاب وحده، لا بل هي تطال موقف الجبهة الديموقراطية السياسي. فهي مثلاً تستفيض بلسان حواتمة في انتقاد ما يسمّيه التفاوض غير المُباشر بين حماس وإسرائيل في الوقت الذي يلطّف انتقاده السلطة في رام الله. على العكس، فإن مبادرة الجبهة الشعبيّة والجبهة الديموقراطية تضمّنت عودة غزة إلى فريق أبو مازن المُتعاون بصفاقة مع الاحتلال (هي سلطة احتلال رديفة ـــ لا شك).
موضوع اليسار يجب أن يشغلنا، واليسار العربي لم يمت بعد: يكفي أن تتابع اتهامات النظام التسلّطي في تونس. لكن كتاب حواتمة لا يضيف فكرة واحدة جديدة: لا في الشكل ولا في المضمون. على العكس، هو تعبير عن أزمة اليسار التي يزعم أنه يقدّم حلولاً لها. لم يتحرّر نايف حواتمة من الظروف والأعباء الأيديولوجيّة التي أثقلت مسار الجبهة الديموقراطية وساهمت في تهميش اليسار (وهي مسؤوليّة يتحمّلها أفرقاء اليسار الآخرون، بما فيها الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين التي تحوّل فرعها في الضفّة إلى رديف شبه دحلاني). نهوض اليسار العربي ممكن لا بل ضروري، لكنه يتطلّب إزاحة لليسار الذي مثّله ويمثّله نايف حواتمة.
* أستاذ العلوم السياسيّة
في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)