العدالة الظرفيّة


بعد اطلاعنا على ما نشرته قناة الجزيرة من معلومات منقولة عن المستشار الخاص السابق للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات (والمدقّقة من خبراء بريطانيين)، عن أن وفاة الرئيس عرفات عام 2004 كانت نتيجة عملية اغتيال بالسمّ والتي جاءت مكملة لكل ما كان يصدر من دراسات وأبحاث عالمية وعربية تصف وفاة الرئيس الفلسطيني السابق بعملية الاغتيال المدبرة والمدروسة، نسأل الرأي العام العالمي وخاصة الأمم المتحدة: ألا تستحق قضية اغتيال رئيس دولة معترف بها من 93 دولة في الأمم المتحدة، إنشاء محكمة دولية مختصة كالمحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الحكومة اللبناني الأسبق رفيق الحريري؟
لقد هبّ مجلس الأمن والدول الكبرى واشتعلت المنابر الدولية وتكاثرت لغة التهديد والوعيد بعد اغتيال الرئيس الحريري. لقد أقيمت لجنة لتقصّي الحقائق ثمّ محكمة دولية قيل إنها لإحقاق العدالة في هذه القضية.
أما أن يغتال رئيس دولة وبطريقة لا تقل بشاعتها عن عملية اغتيال الحريري (وإن اختلفت الأساليب والطرق)، فذلك لا يستحقّ أي تحرك دولي في سبيل الحقيقة، فنجد صمتاً عربياً ودولياً.
المخطط واحد، من ياسر عرفات الى رفيق الحريري الى صدّام حسين، وهو الفوضى في منطقتنا عبر التخلّص من ماسِكي خيط الاستقرار الرفيع في فلسطين ولبنان والعراق، أما العدالة فأمر آخر.
اغتيل رفيق الحريري الذي حافظ طوال فترة تسلمه رئاسة وزراء لبنان على علاقة استراتيجية ممتازة بينه وبين حزب الله، وبمعنى آخر، الذي حافظ على العلاقة التفاهمية بين السنّة والشيعة في لبنان على مدى سنوات طويلة قبل اغتياله...
وقتل ياسر عرفات، الماسك بالعلاقة الدقيقة بين فتح (منظمة التحرير) وحماس، الشخصية التي جمعت الفلسطينيين خلف القضية المركزية وهي مقاومة المحتل التي أنستهم كل الخلافات التفصيلية الداخلية...
من هنا، ليس من المصادفة القضاء على هذه الشخصيات في فترة زمنية قصيرة، إنه المخطط الذي رسم للمنطقة، والذي رأينا مظاهره وما زلنا في العراق ولبنان وفلسطين، من انقسام وفوضى وفتنة عارمة.
فلمعرفة من اغتال هذه الشخصيات، بوسعنا فقط أن نلاحظ ما جرى في بلدانهم وفي المنطقة بعد اغتيالهم.
إنها السياسة الدولية، «حقيقة دولية» في لبنان، وصمت دولي عن جرائم اغتيال ومجازر في فلسطين، فيا ليتنا نجد في لبنان الوعي والمعرفة التي تحمي لبنان من محاكم مشبوهة وويلات لا هدف لها سوى الاقتصاص من جهات بريئة ضمن مشاريع دولية وربما محلية محددة.

شربل حاطوم