يهتمّ العالم بأسره بالانقسام بين 8 و14 آذار، بأشكاله القديمة والجديدة، ويتدخّل في تأليف الحكومة اللبنانية بأدقّ تفاصيلها وأسماء أعضائها وبتوفير الحصانة والدعم لبعض العاملين في القطاع العام اللبناني، الذين لا يعرف عنهم اللبنانيون شيئاً ما عدا أسماءهم أحياناً. ويعتقد معظم اللبنانيين أنّ ذلك يأتي من جراء صداقات البعض الخارجية، وشبكة علاقات البعض الآخر واستثمارات البعض الثالث وإنجازات الجميع. ويذهب مناصرو الفريق المعادي لحزب الله، إلى حدّ التصوّر بأنّ قدراتهم الذاتية كفيلة بإلحاق الهزيمة بالمقاومة، وأنّ خطابات قادته كافية لقلب المعادلة الداخلية.

إلا أنّ الواقع يشي بتفسيرات أخرى، فهذا الفريق يستمد قوّته الظاهرة من قبوله بأخذ دور الأداة الإضافية ضمن مجموعة الأدوات التي تهيّأ وتجيّش لضرب المقاومة، ومنها السلاح والبروباغندا والتحريض الطائفي والبيئة المناهضة وقطع الإمدادات وإضعاف الحلفاء ومنع التمويل وغيرها. وقليلون الذين يعرفون أنّ السواد الأعظم من أخبار لبنان، التي ترد إلى المسؤولين السياسيين والاستخباريين والعسكريين الأجانب، تأتيهم بأسطر قليلة بسبب ارتباطها بأخبار إسرائيل والمسائل التي تتعلق بالدولة العبرية، بشكل أو بآخر. أما أخبار لبنان، التي لا تعني إسرائيل، فلا أثر لها في التقارير المذكورة. واللافت أيضاً هو أنّ الفريق الآخر، أي حزب الله وحلفاءه، يذهب أحياناً إلى حد تجاهل الترابط بين اللعبة الداخلية والصراع مع إسرائيل، ويبذل الجهود ويضيّع الوقت سعياً وراء تسويات ظرفية، من دون اللجوء الى خيار قلب التحالفات وتحصين المواقع واستخدام شيء من القوة المتاحة، مع العلم أنّ الحقبة السابقة أظهرت بوضوح أنّ التغيّر الوحيد في التموضع السياسي، أتى على أثر معركة 7 أيار، بينما أدّت سياسات حسن النوايا إلى ضياع للوقت، نظراً للارتباطات الخارجية المتينة لدى معظم الأفرقاء الداخليين. لنقرّ إذاً، بصراحة، بأنّ التدخل الدولي، بكل أشكاله، غير معنيّ بالأطراف اللبنانية بما يمثل كل منها، وأنّ الهمّ الوحيد للدول الكبيرة ينحصر في الصراع بين حزب الله من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. بالتالي، كل ما يجري على الصعيد الخارجي يأتي في إطار الإعداد للحرب الإسرائيلية القادمة على حزب الله. وبالتالي، لا وجود لفريق آخر في لبنان، بنظر اللاعبين الدوليين، إلا لما يوفّره من دعم للماكينة الإسرائيلية، من حيث يدري أو من حيث لا يدري. ولا شك في أنّ مَن يعي الـrealpolitik من فريق الأكثرية، يعرف تماماً أن أفقه الوحيد في الانتصار، هو عبر نجاح إسرائيلي بضرب حزب الله وإلحاق هزيمة كبيرة به. ذلك، حتى لو لم يقدم على التعامل او التنسيق مع العدو مباشرة، بل عبر تمنّ، على غرار بعض دول الخليج الراغبة بالتدخل الأميركي ضد إيران. ولا بأس في أن يصل الأمر إلى التحريض غير العلني، كما كشفت وثائق وكيليكس الأخيرة.
بالفعل، ما جرى ويجري اليوم في لبنان، بعد حرب 2006 حتى اتفاقية الدوحة والإعداد للقرار الاتهامي، ليس سوى إعداد للحرب القادمة بين حزب الله ومَن يمثل وما يمثل من جهة، وإسرائيل ومَن يدعمها من جهة أخرى. فالإعداد لذلك من الطرفين، مستمر ومتسارع. ويطغى عامل السرعة على العوامل الأخرى، لأنّ إسرائيل شعرت بفقدان التفوّق المطلق، إذ استطاع الحزب رفع قدراته بنحو يثير الإعجاب لدى المختصين. وأضحت الدولة العبرية مضطرة إلى إعادة كسر التوازن النسبي الحاصل خلال فترة زمنية ليست بطويلة. وبالتالي، كل ما يمكن أن يكسب إسرائيل الوقت ويعوق حزب الله في مسألة تدعيم وضعه، هو مطلوب من حلفاء إسرائيل.
تنتظر الدولة العبرية أن تنتهي من استعداداتها العسكرية ليبدأ العدّ العكسي للجولة الأخيرة، ومن ضمن ذلك الشبكة الدفاعية التي يحتمل أن تقيها من صواريخ حزب الله. إلا أنّ هذا الأمر يجب ألّا يؤدّي الى خسارة الحملة الإعلامية في سياق القرار الاتهامي المنتظر، وبالتالي تريد مزيداً من الوقت لها وللفريق اللبناني، الذي يتولّى دعم عمل المحكمة الدولية والترويج لضلوع حزب الله (وسوريا) في عمليات الاغتيال والمساهمة في الفتنة السنية ـــــ الشيعية. لذلك تعي إسرائيل (والولايات المتحدة بطبيعة الحال) أهمية استمرار الفريق المعادي لحزب الله في السيطرة على قلاع معيّنة داخل جهاز الدولة اللبنانية. فهذه السيطرة محورية في مجال الاستعداد للحرب وخوضها، إذ كوّنت هذه القلاع دولة ضمن الدولة، وسمحت بالتحكم بالوضع المالي وبتدفق الأموال عبر وزارة المال وأجهزة مصرف لبنان والمشاريع المشبوهة مثل برنامج الأمم المتحدة للتنمية. كما سمحت بانفلات قطاع الاتصالات الخلوية الثابتة (عبر أوجيرو المتحكمة بالشبكة)، من دون نسيان وزارة العدل وكبار القضاة في البلد والأجهزة الأمنية. وبقي أفرقاء المعارضة اللبنانية يتغاضون عن هذا الأمر حتى زمن قريب، وكان هؤلاء يقبلون باستمرار هذا الوضع القائم، مقابل تسويات تضمن السلاح داخلياً، مع علم الجميع بأنّ كل ما يحصل داخلياً هو جزء من عدوان خارجي مرتقب.
وفي لعبة كسب الوقت، نجح الإسرائيليون، عبر بعض الحلفاء، في إطالة قصة التسوية السورية ـــــ السعودية المحتملة، رغم بعض الإشارات السورية التي أوحت بعدم جدواها، وكسبت إسرائيل وقتاً ثميناً عبرها، إلا أنّ الدولة العبرية أخطأت عندما سمحت بإعلان نهاية المسعى، ظنّاً منها أنّ الحكومة اللبنانية كانت ستستمر لبعض الوقت، حتى القرار الاتهامي، ثم إضاعة الوقت حتى تأمين جهوزية الجيش الإسرائيلي. ومردّ هذا الخطأ هو، على الأرجح، أنّ المعارضة عوّدت الجميع على ضعف كبير في إدارة الوقت وميل إلى التخبط في اعتبارات داخلية صغيرة ذات أهمية محدودة، وعدم الاستفادة من فرص تحسين مواقعها الداخلية. كل ذلك بدلالة عجزها عن تغيير أي شيء في الواقع الإداري، أو حتى إجراء بعض التعديلات في ميزان القوى المؤسساتي، بعد 7 أيار. إلا أنّ الأمر لم يكن كذلك هذه المرة، إمّا لأنّ المعارضة مكّنت نفسها كما يجب لخوض المعركة الداخلية، بدلالة ما ينشر عن تورّط سعد الحريري مع محمد زهير الصديق مثلاً، وإمّا لأنّ النظام السوري يعي تماماً الخطر الذي تمثّله هذه الأداة في يد الصهاينة ويساهم بدفع السرعة التي تحرك بها حلفاؤه.
لكن الوضع لا يزال مرشحاً لمزيد من المماطلة لمصلحة إسرائيل. فإذا نجحت الضغوط الأميركية والسعودية في إعادة تكليف الحريري بتأليف الحكومة المقبلة، يمكن التكهن، منذ الآن، أنّه سيستعمل سلطته المستعادة لتوجيه الضربات المتتالية إلى المقاومة وحلفائها. وإذا صح أنّ الأميركيين أبلغوه بعدم جهوزية الإسرائيليين لشن حربهم بعد، يكون في موقع إتاحة الوقت الكافي لمحاولة جديدة للقضاء على عدوّه في الداخل. أما إذا نجحت المعارضة في حسم الأمور لمصلحتها بتكليف شخصية قادرة على تأليف حكومة بسرعة وتأمين المواجهة المؤسساتية لكي يتفرغ حزب الله لجهوزيته، تكون قد خطت خطوة أساسية باتجاه تجنيب البلد كأس حرب جديدة قد تكون شديدة الدمار.
تبدو اليوم المعارضة في وضع الحائر الذي يدرك تماماً أهمية الوقت. لكن بعضاً منها لا يزال يتردد، عن قصد أو عن غير قصد، وبسبب اعتبارات مختلفة، إلّا أنّ هذه الفرصة الفريدة، التي تأمّنت للمعارضة لحظة قررت حسم أمرها بإسقاط الحكومة، لن تتكرر في القريب المنظور. وتستطيع قواها الإمساك بزمام الأمور وتفكيك الوضع الإداري المعادي في وزارات حساسة جداً، مثل وزارة الداخلية والدفاع والعدل والمال والاتصالات، بالإضافة طبعاً إلى مصرف لبنان، لتأمين بيئة حاضنة قد تكون ركناً أساسياً في كسب المواجهة القادمة أو في منع حصولها. كذلك بإمكان المعارضة فضح الارتكابات التي قام بها الفريق الآخر من عمليات مالية إجرامية، أضرّت بلبنان وبشعبه على المدى الطويل. وهذا كفيل بحد ذاته بإخراج البلاد من الانقسام الطائفي الأعمى. ويمكن فضح تعاون الفريق الآخر مع إسرائيل بنحو لا يقبل التشكيك. كذلك يمكن السير بملف شهود الزور حتى النهاية، لأنّ من شأن هذا الملف أن يثبت تورّط الفريق الآخر في المشروع السياسي القائم خلف المحكمة. هذه الأمور تأخذ وقتاً، ولا وقت لإضاعته.
أما فريق المحكمة في لبنان، فقد أصبح في وضع صعب في جميع السيناريوهات. من ناحية، قادهم السياسيون الغربيون إلى موقع حرج جداً يختصر بالخيار بين شر خسارة قاعدتهم الشعبية من جهة، وشر الالتحاق بالمنظومة الإسرائيلية الطامحة إلى إنهاء حزب الله من جهة أخرى. فعلياً، يتضح أنّ هؤلاء اتخذوا الخيار الثاني، منذ حكومة فؤاد السنيورة الأولى، وهذا يعرّضهم إلى مصاعب جدية إذا فشل المشروع الإسرائيلي. أما إذا نجح، فيكونون قد سجّلوا انتصاراً ضيّق الأفق، لأنّ قاعدتهم سوف تستيقظ يوماً بعد الدمار الذي ساهموا في إلحاقه بالبلد، ولأنّ فضائحهم سوف تظهر إلى العلن بعد زوال حالة الانقسام الطائفي التي تعمي بصر الجميع، ولأنّ إسقاط زين العابدين بن علي على يد شعبه المتمرد على الفساد وشح فرص العمل، أضحى حقيقة. ففي اليوم الموعود، إذا أتى، لن تستطيع طائرة سعد الحريري وفؤاد السنيورة الهبوط في مطارات الغرب، تماماً كما منعت طائرة بن علي من ذلك. أما تقارير الأجهزة في واشنطن وباريس، فلن تتضمن نبأ سقوطهم، لأنّ الأمر لا يعني إسرائيل.

* كاتب لبناني