يلفت نظرك وأنت تتجه من المطار نحو مدينة (شامن xhamen) الصينية الساحلية، طول النفق البالغ حوالى 9 كلم تحت مياه المحيط الهادئ. أما جسورها، المعلّقة بين الأرض والسماء، فتزيد على العشرين، بهندسة معمارية وفنية باهرة. وتعكس مستوى الاحتراف الذي وصلته الصين في الإبداع المعماري والهندسي، الذي يمثّل بعضاً من المستوى الرفيع للطاقات الصينية المميزة.

عند دخولك المدينة الهادئة، يشدك منظر حدائقها الغنّاء وساحاتها الفسيحة ومبانيها الشاهقة وبحيراتها الجميلة وجامعاتها ومؤسساتها الحسنة الترتيب. أما ميناؤها الضخم، فهو عبارة عن خليّة نحل لا تهدأ، إذ من أرصفته تخرج عشرات الآلاف من المستوعبات إلى مختلف مناطق العالم، وبطريقة فنية وعلمية عبر برامج معلوماتية غاية في الدقة والإتقان.
وفي جوار «شامن»، يقع واحد من أهم المجمّعات الصناعية وأضخمها في الصين على الإطلاق (NEW LAND). إذ تحتوي منطقتها الصناعية على مؤسسات التكنولوجيا العالية، وفيها أكبر مراكز إنتاج القطع والمعدات الكهربائية والإلكترونية والباصات والسيارات والمعدات المتطورة في مجالات الطاقة والبيئة والري ومكافحة التلوث والتصحّر.
هذه واحدة من المدن الصينية، وهي ليست من كبريات المدن ولا أهمها، لكنّها نموذج حي للدلالة على مستوى عالٍ من النشاط والنمو الذي تشهده الصين في السنوات العشرين الأخيرة. نشاط جعلها محط أنظار الكثير من دول العالم، وصارت رقماً في معادلة السياسة الدولية، لما تمثّله من حجم اقتصادي وسكاني يؤثر في أحداث المشهد الدولي في قرننا الحادي والعشرين.
ومن منطلق الحديث عن مستوى التطور الذي تشهده الصين بطريقة متسارعة، يمكن القول إنّها حققت جملة من الإصلاحات الداخلية، ما جعلها تقدم تجربة فريدة هي محط أنظار العالم لما حققته من نجاحات كبيرة. نجاحات استطاعت أن تنتقل بالمستوى المعيشي للمواطن الصيني إلى مستويات أفضل، كما أنّ النتائج الجيدة لهذه التجربة والنجاحات المتحققة، مكّنت الصين من أن ترتقي مكانةً متقدمة بين الدول على الصعيد العالمي، ومكّنتها من أن تؤدّي ـــــ حالياً ومستقبلاً ـــــ أدواراً عالمية على قدر من الأهمية.
وتشير العديد من الدراسات في العلاقات الدولية، إلى أنّ الصين ستكون اللاعب الدولي الأول، على اعتبار أنّ ميزان القوة في النظام العالمي يميل إلى آسيا بقوة في الوقت الحالي.
لذلك، فإذا كان القرن العشرون أميركياً بامتياز، فآسيا مؤهّلة لأداء مثل هذا الدور في القرن الواحد والعشرين.
ويبدو أنّ معدلات النمو الكبيرة التي حققتها كلّ من الصين والهند، وظهور الصين كأكبر مركز صناعي ـــــ تسويقي في العالم، وثاني أكبر اقتصاد عالمي من حيث الإنتاج، يؤكدان أنّ التحوّل التاريخي للقوة والقيادة بدأ يتحقق بالفعل، بهذه الحركية المستجدّة للدول الكبرى. وسيُحقَّق التوازن من خلال تصدي دول جديدة للأدوار المفقودة في العلاقات الدولية، وتكريس اتجاه حقبة جديدة من التعددية القطبية.
إلا أنّ هناك مَن يؤكد أنّ الصين لا تزال غير مؤهّلة لأداء مثل هذا الدور، نظراً إلى ما تواجهه من مشاكل داخلية، كمشكلة الفساد، والبطالة، والتفاوت الاقتصادي بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية، والنزاعات الانفصالية بين المناطق، وأيضاً هناك تحديات إقليمية ودولية تحول دون أداء أدوار دولية، كاستمرار التوتر مع تايوان، إضافةً إلى المنافسة اليابانية للمكانة الصينية، والمراقبة المتبادلة التي تشوب العلاقات الصينية ـــــ الأميركية.
وعلى الرغم من ذلك، فإنّ الصين حقّقت تحولات عدّة على مستوى بنية السلطة السياسية، توّجت بالانتقال من «نخبة الثروة إلى نخبة التحديث». ويظهر ذلك جليّاً في العمل السياسي الذي تغلب عليه النزعة البراغماتية، كما تسجل الصين تنامي وتوسيع هامش الحريات الفكرية والسياسية.
أما على المستوى الاقتصادي، فثمّة مظهر آخر، يتجلّى في تنامي الآلات الرأسمالية في بنية الاقتصاد الصيني.
في إطار العلاقات الخارجية، يبدو أنّ الصين تمشي بخطى ثابتة تحكمها المصلحة والوعي الجيوسياسي الجديد، الذي يتطلّب حنكة دبلوماسية عالية. فالصين كانت معروفة بتمرّدها على مبادئ العلاقات الدولية، كما كانت الحال في فترة ماو تسي تونغ، إلا أنّها، في السنوات الأخيرة، اتخذت استراتيجية خارجية محورها تطوير الحوار والتنمية على المستوى الدولي، وتغليب البُعد البراغماتي على البعد الإيديولوجي كسياسة تتّبعها مع دول الجوار الإقليمي، وتتجنّب من خلالها المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية، كما تريد توسيع نفوذها في العلاقات الدولية عن طريق الانخراط في التكتلات الإقليمية الآسيوية كقمة شانغهاي، التي تضم روسيا والصين وبعض الجمهوريات الوسطى. سيوفر ذلك للصين مركزاً إقليمياً مؤثراً، ولا سيما أنّ هذه المنظمة تتطور بثبات من رابطة اقتصادية إلى كيان إقليمي ذي تطلعات سياسية واقتصادية طموحة، إلى جانب ذلك سعيها إلى الالتحاق بمنظمة التجارة العالمية.
إنّ اتجاهات الدولة الصينية في سياستها الخارجية لم تخضع لتعديل يمكن ملاحظته في وثائق الحزب الحاكم، لكن يمكن قراءة الموقف الصيني من خلال التصريحات الرسمية، إذ أكد الرئيس الصيني هو جينتاو أنّ «الصين لا تنوي ممارسة سياسة الهيمنة على غيرها من الدول، حتى لو أتيحت لها الظروف لذلك...».
كذلك اشتمل دستور الحزب الشيوعي الحاكم في برنامجه العام على ما يؤكد حرص الصين على المساهمة في الاستقرار والسلام العالميّين، وتجنّب المواجهات وإعطاء النمو الاقتصادي الأولوية على السياسة تحت شعار «إن نمو الصين يمثّل فرصاً كبيرة لا تحدياً كبيراً».
في إطار هذا الخط الدبلوماسي المرن، الذي اختارته الصين لتوسعة دائرة مصالحها من خلال الارتكاز إلى نقاط جغرافية معيّنة، لقيت الصين ترحيباً واسعاً من العديد من الدول، ولا سيما في الشرق الأوسط وأفريقيا. وأبرمت الصين وأفريقيا صفقات واسعة في مجال النقل والتكنولوجيا، وذلك تلبيةً لمتطلباتها المتزايدة للطاقة.
إلا أنّ ذلك يخفي حقيقة أساسية لا يمكن إنكارها، وهي النفوذ الصيني المتنامي عالمياً، ولا سيما بعد انتهاء الحرب الباردة، وانتهاء الثنائية القطبية لمصلحة الهيمنة الأميركية الأحادية على القرار الدولي. يعكس ذلك طموحات الصين الإمبريالية، كعملاق آسيوي يصعد لمنافسة الهيمنة الأميركية ـــــ الأوروبية في أماكن كثيرة من العالم، وهذا ما دفع الرئيس الأميركي السابق جورج بوش إلى أن يتبنى قرارات جديدة ومتتالية بتفعيل الحضور الأميركي العسكري والدبلوماسي والتجاري في نقاط مهمة من العالم. ويفسر البعض أنّ سبب تبني هذه التوجهات هو التخوّف من الاجتياح الاقتصادي والتجاري الصيني المتزايد لأنحاء كثيرة من أرجاء المعمورة.
وبالخلاصة، فإنّ الحضور الصيني في العالم لا يحكمه البُعد الاقتصادي فقط، فثمّة مؤشرات إلى حراك صيني سياسي واسع يواكب النجاحات الاقتصادية، مما يطرح أكثر من بُعد في هذا المجال. من هنا، فالعامل الاقتصادي ليس هدفاً وحيداً في حد ذاته، بل يتفاعل معه البُعد السياسي البراغماتي، الذي يؤسس لمشاركة فاعلة وحضور قوي في ميزان القوة العالمي.
وختاماً، فالصين لا تطرح نفسها قوة عالمية أولى، بل هي تسعى إلى تعظيم قدراتها، بما يؤدي إلى استثمار العامل الاقتصادي وفتح الأسواق لخدمة سياستها الخارجية، والعكس صحيح.
* باحث لبناني