تتكثّف في الطور الراهن من تفاقم الأزمة اللبنانية جملة تعقيدات داخلية وخارجية، قديمة وجديدة. يكرّر فريق لبناني أنّ هذا الطور قد بدأ باغتيال رئيس الوزراء الأسبق الشهيد رفيق الحريري. ليس هذا التشخيص صحيحاً. فالتوتر الذي يعيشه لبنان واللبنانيون راهناً، إنّما تعود بداياته إلى أواسط عام 2004. وهو برز خصوصاً، في أوائل شهر أيلول من ذلك العام، وتمحور حول مسألة رئاسة الجمهورية اللبنانية، وعملية التجديد أو عدم التجديد للرئيس السابق العماد إميل لحود. أما أساس ذلك التوتر، فقائم في الغزو الأميركي للعراق في ربيع عام 2003، ومن ثمّ في المواقف من هذا الغزو، ومنها، خصوصاً، الموقف السوري.

لا يعني هذا الأمر التقليل من خطورة اغتيال زعيم سياسي لبناني، هو رئيس حكومة أسبق، ورئيس كتلة برلمانية كبيرة، وصاحب طاقات مالية هائلة ومؤسسات إعلامية فاعلة، وعلاقات عربية ودولية استثنائية، مثل الرئيس رفيق الحريري. فلقد أحدث اغتيال الحريري زلزالاً لا تزال ارتداداته تتكرّر حتى اليوم. وهو بسبب ما ذكرنا من صفات وقدرات المغدور، ولأسباب أخرى كامنة في معطيات الصراع الإقليمي وتناقضات الوضع اللبناني، قد طبع تطوّرات الوضع اللبناني منذ 14 شباط عام 2005 حتى يومنا هذا. ليس هذا فقط، بل إنّ ثمة مصالح محلية وخارجية، تدفع باتجاه استمرار إبقاء قضية الاغتيال حية وملتهبة لاستثمارها أيضاً وأيضاً، ضدّ الخصوم، في أكثر من ملف، وفي وجه أكثر من دولة أو قوة سياسية، على المستوى العربي والإقليمي. وليس أدلّ على ما نقول ممّا يعد به القرار الاتهامي، الذي توصّل إليه التحقيق الدولي الذي يقوده حالياً القاضي الكندي دانيال بلمار. فهذا القرار هو ذو مفاعيل عاجلة أو مؤجّلة. وهو في الحالتين، وأساسهما عملية الاغتيال، أداة أساسية في الصراع الإقليمي الدائر، فضلاً عن تأثيره الضخم في مجريات التناقضات اللبنانية ـــــ اللبنانية، وهي تناقضات سياسية واجتماعية، ترتدي، كما درجت العادة، طابعاً طائفياً مذهبياً شديد الخطورة.
ومعروف اليوم، أنّ إلباس التناقضات والصراعات القائمة حلة طائفية أو مذهبية، إنما هو اتجاه عام تعوّل عليه كثيراً الدوائر الأميركية والصهيونية خصوصاً. وهي تعمل بدون كلل لتغذيته بكلّ الطرق والأساليب، وهي ترمي من وراء ذلك إلى تشويه حقيقة الصراع، وتحويل العدو صديقاًَ والصديق عدواً، كما ترمي إلى ضرب خصومها أو عزلهم، بما يوفّر عليها المزيد من «الإخفاقات» أو الخسائر أو الحروب أو الأثمان المادية والمعنوية المرتفعة.
اعتبرنا، إذاً، أنّ أساس الطور الراهن من تفاقم الأزمة اللبنانية، إنما يعود إلى السياق والإيقاع اللذين أملاهما الغزو الأميركي للعراق في نيسان من عام 2003. مثل هذا التقدير هو ذو طابع موضوعي، بالدرجة الأولى. فلقد كانت للوضع اللبناني تناقضاته. وبعضها كان على مستوى غير قليل من الاحتدام، لكن مستلزمات الغزو الأميركي للعراق هي ما جعلت الوضع اللبناني ساحة أساسية للصراع، بل الساحة الأكثر احتداماً وتفجّراً بعد الساحة العراقية. إنّ تصفية حساب أساسية قد باشرها بُعيد الغزو، الأميركيون مع الموقف السوري، وبالتالي مع النفوذ السوري في لبنان. وكان طبيعياً أن تدافع القيادة السورية عن وجودها وعن نفوذها في لبنان، بمقدار ما كان ذلك مصيرياً بالنسبة إلى نظامها أو إلى سياستها المستهدفَين هما أيضاً في لبنان، وفي سوريا على حدّ سواء. طبيعي أن تستغلّ الولايات المتحدة ثُغَر السياسة والوجود السوريين في لبنان. وطبيعي في هذا السياق أيضاً، أن تستغلّ إسرائيل الوضع الناشئ، وأن تحاول توجيه ضربة مؤثرة إلى خصومها، وخصوصاً، إلى المقاومة. ولقد فعلت إسرائيل ذلك، إما بطريقة غير مباشرة، ومعظمه غير معلن أو غير معروف، أو بطريقة مباشرة، كما تجسّد في عدوان تموز 2006، بشراكة مع الولايات المتحدة وبتحريض وطلب صريحين ووقحين من جانب إدارة بوش الثاني و«المحافظين الجدد» آنذاك.
ليس هذا التقدير موضوعياً فحسب، بل هو أيضاً غير فئوي، وهو يمكن أن يكون وطنياً بامتياز!
فلماذا لم تأخذ قيادة فريق 14 آذار بهذا التقدير وتبني عليه ما يقتضيه من مواقف وسلوك وعلاقات؟
لا نتحدّث هنا عن جمهور عاطفي تحرّكه اللحظة، أو المظاهر البسيطة، أو الإعلام الموجّه، أو موجات الإثارة المذهبية أو الطائفية، إنّنا نتحدّث عن فريق مارس انتقائية إزاء تجليات المشروع الشرق أوسطي البوشي وتداعياته. وهو مضى في ذلك إلى حدود قصوى، حين انخرط في هذا المشروع إلى درجة الارتباط الكامل والارتهان الوثيق والمراهنة العمياء: من هنا تبدأ القراءة الفئوية لعملية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. ومن هنا يبدأ سوء التقدير وسوء الاستنتاج وسوء السلوك!
ولا نريد في امتداد هذه الرؤية للأمور إسقاط ما يمكن أن يظهر من مسؤوليات خاصة (سورية أو غير سورية) بعدما أشرنا إلى المسؤولية الأساسية العامة. ويمكن في هذا المجال العودة إلى تناقضات الوضع اللبناني في مرحلة الاغتيال، كما يمكن العودة إلى التناقضات التي تراكمت في كنف الإدارة السورية للبنان، وخصوصاً في المرحلة التي أعقبت الهزيمة الإسرائيلية في الجنوب اللبناني عام 2000.
ويقود الخلل في التشخيص وفي تحديد المسؤولية العامة، إلى خلل آخر مقيم في صميم «تجربة العيش المشترك والفريد اللبنانية»، أي إنّه يقود إلى ما يُرسم من أسطورة وهمية عن نجاحات «الصيغة الطائفية اللبنانية». فمن الثوابت التي أسهمت في إنشاء النظام الطائفي اللبناني وفي تغذيته وفي استغلال انقساماته وثغره، العامل الخارجي. لقد أصبح كلّ «فرنجي برنجي»، كما تكرّس في المزاج السياسي اللبناني. وأصبح لبنان «إذا استُتبع اعتز وإذا استقلّ اهتزّ»، كما نظّر أحد أقطاب نظام الامتيازات السياسية السابق على اتفاق «الطائف».
بمعنى ثانٍ، لقد أصبح الارتباط بالخارج والارتهان له، عاملاً ملازماً لتوجهات الطبقة السياسية اللبنانية الحاكمة. ومع مرور الزمن تجذّر هذا الارتباط وتوطّدت مواقعه، فأصبح الوجه الآخر والمكمّل للمعادلة السياسية ـــــ المجتمعية اللبنانية برمّتها. وفي سياق ذلك تبلورت وترسّخت ذهنية الاستقواء بالخارج، بمقدار ما كان يتعزّز الانقسام السياسي الداخلي ويتخذ طابعاً طائفياً فمذهبياً تحاصصياً مباشراً.
وفي امتداد ذلك تراجعت عوامل الوحدة الداخلية وأصبحت مؤسسات السلطة مؤسسات شكلية، وتبلورت الدويلات ونمت على حساب الدولة المركزية. وكان من ثمرة ذلك، ارتهان الوضع اللبناني للعوامل الخارجية، وافتقاره إلى دينامية النمو والتطوّر والاستقرار الداخلية. وأدّى كلّ ذلك إلى تكريس واقع لبنان الساحة، وإلى الانتقاص من سيادته ومن قدرة مؤسساته على أن تكون مرجعية القرار الوطني السيادي المستقل.
اليوم يستشري الخلل إلى درجة غير مسبوقة. ومع الخلل هذا يتعاظم الخطر على وجود لبنان نفسه. ولم يتردّد وزير خارجية المملكة العربية السعودية في تحذيرنا من مخاطره عبر التقسيم والاضطرابات الأهلية الواسعة...
ما العمل إزاء هذه المخاطر؟ لا بدّ من تحديد الخلل المذكور والسعي إلى معالجته. ولن تكون المعالجة بتعديل التوازنات في إطار النظام الطائفي نفسه. لقد دلّلت تجربة الأيام القليلة الماضية خصوصاً، على المدى المقيت الذي بلغه الانقسام، والأشكال الشنيعة التي تمظهر بها التعبير المذهبي. ودلّل ذلك أيضاً على ضرورة العمل بكلّ الطاقة من أجل بلورة البديل الوطني وغير الطائفي. هذا البديل تتوافر بعض أسسه في دستورنا، وتتوافر كلّ الحاجة إليه في مستلزمات إنقاذ وطننا. وكفى، رحمة بالحقيقة وبأعصابنا، إعلان التمسّك بالطائف والإمعان في تشويه فهمه وتشويه تطبيقه.
هل يكفي ما حصل في الأيام القليلة الماضية لاعتماد نوع من العقلانية السياسية على حساب الادّعاءات والرعونة والتفريط؟ نرجو ألا يكون الأوان قد فات، «ولات ساعة مندم».
* كاتب وسياسي لبناني