يا سادة يا كرام... هذه حكاية جيلنا الذي يصنع التاريخ اليوم، جيلنا الذي يهزم الهزيمة ويخلق الانتصار، مواليد الثمانينيات وبداية التسعينيات الذين يثورون على الظلم والطغيان الجاثمَيْن على الصدور لعقود، الشبان والشابات الذين غيروا بالإنترنت والشارع معادلات المنطقة وأعلنوا بدء مرحلة جديدة مختلفة عمّا سبقها.

جيل الآباء خَلَّفَ لهذا الجيل تَركَةً ثقيلة: الهزيمة على كل المستويات. هزيمة مشاريع النهضة والتحديث، وهزيمة مشاريع الوحدة، وهزيمة مشاريع المواجهة مع العدو، وهزيمة مشاريع بناء الدولة وتعزيز التنمية، حتى باتت الهزيمة صفةً لهذا الجيل المهزوم بالولادة.
قَدمَ هذا الجيل إلى الحياة وقد بات الحكم الشمولي قدراً عربياً، وبدأ الحكم العسكري وغير العسكري في التحول التدريجي إلى حكم بوليسي خالص، وصار امتلاء السجون بالمعتقلين وتكميم الأفواه «ضرورة وطنية»، وصارت المعارضة جنوناً والحديث غباءً والخوف عقيدة.
قَدمَ إلى الحياة على وقع سيطرة الأحادية القطبية على هذا العالم كما سيطرت الأحادية القمعية على البلدان العربية. فقد انهار جدار برلين معلناً بدء نظام عالمي جديد يتميز بالجشع والتوحش السياسي والاقتصادي، ومعه شُيّدت جدران سميكة تفصل بين الشعوب العربية والحرية المنشودة، وجاءت حرب الخليج الثانية وما أنتجته من انقسام عربي لتؤدي إلى بلوغ الانحطاط مستوىً غير مسبوق عربياً.
شَهدَ جيلنا مواجهة الأنظمة لشعوبها بديلاً من مواجهة إسرائيل، وتبعية هذه الأنظمة الكاملة لراعي النظام العالمي الجديد، وعدم اكتراث هذا الراعي بالديموقراطية وحقوق الإنسان في بلداننا مجسداً عنصرية الرجل الأبيض ومغلباً مصالحه مع الأنظمة القمعية على شعاراته المزعومة، ومصفقاً لقمع النظام للشعب باسم مواجهة التطرف الديني الذي لم يكن سوى رد فعل على تطرف آلة القمع الأمنية.
شَهدَ ذبح القضية المركزية في مدريد وأوسلو، وإعلان الذبح وتنفيذه على أبواب البيت الأبيض، و«سلام الشجعان» الذي عبّر عن استسلام الأنظمة الجبانة الكامل والصريح للشروط والرغبات الإسرائيلية، ورفض إسرائيل لذلك «الاستسلام الشجاع» طامعةً بمزيد من الإذلال لتلك الأنظمة وشعوبها.
عاش هذا الجيل المزيد والمزيد من القمع، وتَحَكُّم العقلية الأمنية الكامل بالسلطة السياسية التي تحولت إلى شكل واحد من المحيط إلى الخليج ملغيةً تلك الفوارق بين الجمهوري والملكي و«التقدمي» و«الرجعي»: عائلة حاكمة تحيط نفسها بطبقة فاسدة من المتنفذين ورجال الأعمال تظلّلهم جميعاً المظلة البوليسية القمعية.
عاش في ظل سلطة طاغوتية تغلق باب الحياة السياسية، ومعارضة إما ضعيفة لا حول لها ولا قوة أو متواطئة تعقد الصفقات مع النظام طمعاً في عدد من كراسي المجالس الصُوَريّة. عاش هذا الجيل المزيد من النهب والفساد باسم الخصخصة، والمزيد من البطالة والفقر لأبنائه وبناته، والمزيد من غياب أبسط مقومات الحياة. عاش ازدهار البشاعة.
عاش هذا الجيل انتفاضة الفلسطينيين وعدوانية إسرائيل المسكوت عنها عربياً ودولياً، وعاش حروب إسرائيل في فلسطين ولبنان التي تكشف مدى ذلّ أنظمة الحكم العربية وهوانها، وعاش حصار غزة وعملية تهويد القدس المستمرة استمرار تنازلات المفاوض الفلسطيني والعربي. رأى ذبح القضية آلاف المرات بعينيه، وعاش أحداث 11 أيلول/ سبتمبر وما تلاها من هجمة أميركية منظّمة على المنطقة، وعاش حرب العراق ومساهمة أنظمة عربية رسمية في تدمير بلد عربي بالكامل.
انخرط بعض جيلنا في جماعات التطرّف الديني ودخل دوامة العنف والإرهاب تعبيراً عن إحباط رهيب، وقيل عن هذا البعض إنه مأزومٌ فكرياً، وعن باقي هذا الجيل إنه مسطّح وإنّ النظام الرسمي قد نجح في إلهائه مرةً بالترفيه المبتذل ومرةً بالمعارك الكروية ومرات بالهموم المعيشية الصغيرة.
ثورة الشباب جاءت بعيداً عن عُقَد القوميين من الاستعمار التي تُشرّع القمع، وانتظار الليبراليين الجدد لغودو الأميركي قادماً على ظهر الدبابة أو تصوير زعماء القمع خط دفاع ضد الردة الدينية، وبعيداً أيضاً عن أيديولوجيا تكفير الحكّام والمجتمعات وعن فتاوى إرضاع الكبير وتحريم الاختلاط. هي ثورة حرّكتها أيديولوجيا الغضب، وأشعلتها الرغبة العارمة في التغيير، وأسس لها هذا الانحطاط المتنامي في كل ما حولنا. هي ثورة استرداد الكرامة، وطلب الحرية، ورفض استمرار الإهانة لإنسانيتنا.
قلب جيلنا الموازين كلها وفاجأ نفسه قبل أن يفاجئ العالم، وحقّق المعجزة وهزم الخوف والأساطير التي تأسست في النفوس وعُدّت مسلّمات. يهزم إسرائيل في جنوب لبنان، يبثّ الحيوية في الحراك الفلسطيني المقاوم، يُسقط نظام الطاغية بن علي في تونس، ويُسقط نظام مبارك الديكتاتوري في مصر، ويعبّر عن رفضه لمنظومات الفساد في السعودية والخليج، وحنقه على الأوضاع في ليبيا واليمن والجزائر والأردن. إنه يوقظ الدنيا بحراكه.
هذا الجيل تجاوز الأيديولوجيات المتناحرة والحزبيات الضيّقة ليعبر عن إنسانيته ومطالبه العامة المتصلة بها، وطوّع «فايسبوك» و«تويتر» للتعبير عن معاناته أولاً وتغيير واقعه ثانياً، وكوّن بعمله وحراكه نخبةً جديدة تقود المجتمع باتجاه التغيير المطلوب، وحطّم الخطوط الحمر الوهمية وصبّ غضبه على من أحبطوه وأذلّوه ونهبوه وأرادوا له حياةً تعيسة، وكسر حاجز الخوف ليُبيّن هشاشة تلك الأنظمة القمعية وجُبن أهلها رغم مظاهر التسلط واستخدام العنف لتغطية ذلك الضعف.
جيلنا يصنع التاريخ بغضبه، ويفتح آفاق المستقبل بثورته. الغضب الساطع آت... آت آت. هل فهمتَنا الآن يا نتنياهو؟
* كاتب سعودي