هذه هي مصر تنتفض بعد تونس. لا أحد يعرف ما الذي ستؤول إليه انتفاضة مصر (على الأقل حتى هذه اللحظات التي أكتب فيها). كذلك فإن من غير الواضح إلى الآن النتيجة التي ستؤول إليها أوضاع تونس، لكن على أي حال، من المؤكد أن ما بعد الانتفاضتين غير ما قبلهما، وأن الشعبين العربيين في تونس ومصر حقّقا إنجازات لا يمكن أيّ سلطة قادمة تجاوزها أو تغييبها. ها قد أصبح العرب يتحدّثون، يصرخون ويغيّرون عالمهم، يدوسون بأقدامهم كل الصور النمطية التي روّجت حولهم


، وما تتضمنه من أحكام «ثقافية» و«استشراقية» تسلبهم إنسانيتهم وقدرتهم على الفعل والانتفاض لكرامتهم قبل جوعهم.
صور اختزلتهم في هويات ثابتة، تجعلهم يبدون كصور فوتوكوبية بعضهم عن بعض، هوية مختزلة في إسلام أحادي البعد (تتناسى ثراء الإسلام وحضارته وثوريته) مشوه وفقير، يبدون جوعى ويموتون بلا ثمن، يهانون بلا إحساس لكرامة ولا جرأة على الرد.
اليوم أثبت العرب بطلان كل هذه الصور المختزلة عنهم.
تونس أطلقت الشرارة الأولى، ولهذا فمن المهم أن ننظر إلى دروس تونس للعرب جميعاً، وما الذي أطاحته من عالمنا هذا:
ـــــ تونس الأمل: أهمّ ما أعطته تونس للعرب هو الأمل والثقة بقدرتنا على التغيير والفعل في عالمنا. الأمل التونسي ليس مجرد أمل نستقرئه في تحليلاتنا وفي أفق الحركة التاريخية التي طالما انتظرناها من دون أن تحضر، بل هو أمل مباشر نحياه كمعطى واقعي.
الواقعية البليدة ـــــ التي أطاحتها الانتفاضة التونسية ـــــ انطلقت من وقائع مادية، أرقام وإحصاءات واستطلاعات رأي (حتّى هذه لم تكن نزيهة أو حتى متوافرة في ظل أنظمة القمع العربي) لتقدمها باعتبارها واقعاً مدركاً مباشرة، متناسية المفاهيم والعلاقات التي تربط هذه الحقائق معاً لتجعل منها «تصوراً» عن الواقع، تحليلاً يذهب إلى عمق الأشياء، يكشفها ويجيب عن أسئلة كيف ولماذا، وينظر إلى البشر وإرادتهم وفاعليتهم باعتبارها مكوناً لهذا الواقع. الواقعية البليدة تفعل كل هذا ـــــ وإن أدعت العكس ـــــ وتملك لغة توصيفية وبناءً مفاهيميّاً، لكنّها تمثّل في هذا وجهة نظر السلطة، السلطة التي تهيمن على الواقع. لهذا، فإنّ الواقعية البليدة تأسر الواقع في مباشريته وتختزله في سطحيته حتى تزيل كل قدرة على التغيير منه. الواقعية البليدة ليست واقعية من دون أيديولوجيا (كما تدّعي)، بل على العكس هي غير واقعية أيديولوجية، لكنها تعبر عن أيديولوجية السلطة.
تونس أطاحت هذه الواقعية البليدة. لم يتوقع أحد الانتفاضة التونسية التي بدت تمرّداً على الواقعية، وخاصة على هذا النوع من الواقعية البليدة، فكانت الانتفاضة التونسية نوعاً من الخلق، وإعادة الاعتبار لواقعية تعي قدرة الناس على خلق واقعهم من خلال الممارسة، الحقيقة كممارسة ثورية، إذ لا يمكن الحقيقة إلا أن تكون ثورية، هذا ما ردده ياسين الحافظ دائماً.
لكنّ الانتفاضة التونسية لم تكتف بهذا القدر من التمرد وتحرير الأمل، بل أعادت صياغة علاقة العرب بعالمهم من خلال تراتبية وجودية جديدة لمبدأ الأمل. طالما نظر إلى الأمل باعتباره مبدأ معطى في مكان ما، زمن ما سيأتي (أو قد يأتي)، ندركه تحليلياً، أو تمنياً، لكن تبقى نقطة الانطلاق هي الواقع كما نرصده، ننطلق منه ونسائل الأمل. لكن مع الانتفاضة التونسية، اختلف الوضع. لم يعد الأمر يُطرح بهذه الصيغة ـــــ وهذا ما أثبتته أحداث مصر الراهنة والاحتجاجات في الأردن واليمن والجزائر ـــــ بل أصبح الأمل (تونس نفسها) نقطة الانطلاق، فلم يعد السؤال أين هو التغيير، أين نرى الأمل بعالم جديد. صيغة السؤال الجديدة أمست مقلوبة، أصبحت أين هو موقعنا من التغيير، من الأمل.
أصبح الأمل هو القاعدة التي نقيس عليها مكاننا وموقعنا، التغيير في الموقعين ليس شكلياً، بل وجودي. إنه تحوّل في المعطى الأوّل لإدراكنا لواقعنا، الأمل أصبح مباشراً، بديهياً وملموساً، يكون بذاته المركز الذي تستند إليه شبكة المفاهيم والتصوّرات المشكِّلة لوعينا. بهذا المعنى، غيّرت تونس عالمنا الذي نحياه بتغييرها نظرة وعينا له. هذا الموقع الجديد لمبدأ الأمل هو ما يجب علينا المحافظة عليه مهما حصل.
ـــــ أطاحت تونس التصورات المتخيلة عن العرب التي صيغت على أساس من فرضيات استشراقية (راجت جداً مع صعود المحافظين الجدد والتهويل بالإرهاب الإسلامي، كما تبنتها شريحة كبيرة من الليبراليين العرب الجدد («اليساريون السابقون» على وصف أسعد أبو خليل) قائمة على اختزال العرب في هوية ثقافية، محكومين بقيودها وأطرها ولا يستطيعون منها فكاكاً. الهوية الثقافية الجوهرية هذه ليست إلا اختزالاً للإسلام في شكل أحادي البعد، قمعي، بطريركي، لا يعطي شأناً للحياة والفردية، معادٍ جوهرياً لقيم التحرر وحقوق الإنسان.
هذا التوصيف الثقافي سلب من العرب قدرتهم على الفعل، على التحرر، لأنّه في اختزاله العرب في هويات جامدة ومستقرة، فقد أسرهم أبديّاً في قيودها. العربي سيّئ جوهرياً بحكم ثقافته، وبسبب هذه الثقافة هو متخلّف، أمّي وجاهل، وليس لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو تاريخية. التحليل«الثقافي» ليس إلا صورة محدثة عن التصوّر العرقي ـــــ كما لاحظ خالد صاغية («الأخبار»، 17/1/2011) ـــــ ومثله هو تصوّر شبه بيولوجي يحيل إلى حتمية لا مخرج ذاتياً منها.
ولننتبه هنا إلى«ذاتي»، فهو لبّ المسألة، أي لا مخرج يكون من صنع العرب أنفسهم، فهم عاجزون ثقافياً، والتحرر لا يكون إلا من خلال فاعل تحديثي وتنويري خارجي، يمتلك ثقافة مغايرة (وهي الأخرى متخيلة بطريقة جوهرية ومصمتة) تمكنه انتشال العرب من الجهل والتخلف. فاعل تاريخي قادر على الفعل، مقارنة بلاتاريخية العرب.
الطريف في مثل هذا التصوّر هو ذكوريّته المفرطة (رغم الهجوم على بطريركية الثقافة العربية الإسلامية)، أي الفاعل التحديثي ـــــ الذكر مقابل أنثوية العرب. السردية التحديثية تجد جذورها في المخيال الإمبريالي وفي تصور علاقة الأوروبي (الرجل الأبيض) نفسه مع الآخرين من الشعوب المحتلة.
فالفاعل التحديثي المفترض ليس إلا الغرب مباشرة (الاستعمار الأميركي في العراق مثلاً) أو الدولة التحديثية العلمانية، أي إن هذا التصور التحديثي يقوم بتبرير الاستبداد وإسباغ المشروعية عليه. فالدولة المستبدة هي الرافعة التحديثية للمجتمع المتخلّف، وعلى عاتقها تقع مهمة تغيير ثقافته المحلية حتى يصبح أهلاً لممارسة الديموقراطية.
هذه الأطروحة بشقّيها (سكونية العربي ولاتاريخيّته، مقابل فاعلية الفاعل التحديثي وتنويريّته) أُسقطت خلال الانتفاضة التونسية. فالنموذج التونسيّ (الحداثي والمروَّج له من قبل كثيرين) سقط وظهر عارياً بفساده وقمعه، بل ظهر باعتباره إهانة للشعب التونسي (انتفاضة من أجل كرامة مسلوبة، لا فقط بسبب جوع مزمن)، غير أن الأهم هو ما بدر منه عقب سقوطه، فقد تحول إلى شراذم من العصابات التي تنهب وتقتل الناس لأنهم تجرأوا على الاحتجاج مطالبين بحقهم في الحياة بكرامة.
كذلك أطاحت الانتفاضة التونسية بالشقّ الآخر للأطروحة التحديثية، التي لطالما استخدمتها الأنظمة، أي البديل الإسلامي. الانتفاضة التونسية لم تكن إسلامية، لا في فاعليها ولا بشعاراتها، بل كانت انتفاضة وطنية أساساً. الحال نفسه نراه مع الانتفاضة المصرية، رغم الحضور الكبير للإخوان المسلمين. وعلى النقيض من تونس، فإنّ الاخوان المسلمين ـــــ ككل الأحزاب السياسيّة ـــــ لحقوا بالانتفاضة ولم يقودوها. الإسلام السياسي (وهو تيارات متباينة ومختلفة لا يمكن اختزالها في إطار واحد) موجود ولا يمكن إهماله، لكن لا يمكن اختزال البعد الوطني للانتفاضة فيه، بل إنّ الإسلام السياسي يضطرّ إلى تطوير هوية أثرى وأكثر انفتاحاً بتأثير البعد الشعبي والتنوّع للانتفاضة.
لا هويّات مستقرة ومصمتة، ولا فاعل تحديثياً خارجياً، بل قدرة شعبية على الخلق، لا تنضب ولا تختزل إلى بعد واحد، فعل شعبي هو مفتاح التحرر الذاتي.
ـــــ النقطة التالية تتعلق بنا، نحن المواطنين العرب في الهلال الخصيب (سوريا والعراق ولبنان)، فعندنا كما في أماكن مختلفة من الوطن العربي حصل التأكيد وإبراز المفارقة عن تونس. «تونس وضع مختلف»، هذا ما حاولت الأنظمة وإعلامها ترويجه. ألم يتحدث أبو الغيط عن اختلاف وضع مصر عن تونس واستحالة المقارنة بينهما، من يذكره الآن؟
لكن لأطروحة الاختلاف وجه موضوعي علينا النظر إليه ووعيه، أي المسألة الطائفية. تونس مجتمع متجانس، مصر متجانسة ثقافياً والاختلاف الطائفي مسألة طرفية، لكن في الهلال الخصيب التنوع الطائفي مسألة مركزية.
هناك صيغتان لدور الاختلاف الطائفي في فهم قدرة هذه المجتمعات على الاحتجاج، الأولى تنظر إلى التنوع الطائفي باعتباره يزيد المسألة صعوبة (مقارنة بتونس) لكنه لا يجعلها مستحيلة. الفكرة بهذه الصيغة مقبولة، بل يمكن البرهنة عليها. لبنان 1975 مثال عن هذه الصعوبة، فالهويات الطبقية والوطنية التي مثّلت روافع الاحتجاج الاجتماعي ما قبل الحرب الأهلية تفتّتت لمصلحة هويات طائفية، بل لبنان نفسه اليوم يقدّم تأكيداً آخر لصعوبة تطوير هوية احتجاج اجتماعي في بلد منقسم طائفياً، حيث يسهل تحويل الاحتجاج الاجتماعي إلى تنازع طائفي، وخاصّة إن كانت بعض الطوائف تأخذ وضعية أقرب إلى الطبقة ـــــ الطائفة، أو وضعية خاصة في هرم السلطة، لكن ما علينا أن نراه هو مسألة الإمكانية، الصعوبة، لا الاستحالة.
الصيغة الأخرى تجعل من الانقسام الطائفي فارقاً بنيوياً عن تونس، وعلى أساسه لا يمكن التفكير بتكرار الحدث التونسي. ما تصمت عنه هذه الأطروحة هو الطائفية باعتبارها«هوية سياسية»، موضوعاً ينتجه فاعلون سياسيون، أي الطوائف هي هويات متخيلة، وليست واقعاً موضوعياً، هويات تحيل إلى مشروع سياسي لنخب مهيمنة التي تتوسل الهوية الطائفية للحفاظ على امتيازاتها أو لتحقيق المزيد من الامتيازات. الطائفية بهذا الشكل هي متخيل سياسي و«ثقافي» وليست معطى موضوعياً موجوداً باستقلال عن الخطاب السياسي. وكما قلت سابقاً إن الادراك المباشر للواقع الموضوعي ممتنع.
الانتفاضة كاحتجاج اجتماعي (يخوضه شباب/ عمال/ عاطلون من العمل/ طلاب وغيرهم، وتحديداً من مهمّشي البرامج النيوليبرالية الاقتصادية) هي بداية فعل يملك إمكان خلق هوية وطنية واجتماعية متجاوزة للاختلافات الطائفية أو الإثنية. كذلك إنّ الانتفاضة فعل تحرّري، وهي أيضاً إمكان فعل تدشيني على مستوى الهوية وبناء لغة مستقلة ومتمردة عن خطاب السلطة تُصاغ من خلالها هويات جديدة وثائرة، لغة هيمنة مضادة تتجاوز اللغة الطائفية.
لن نبالغ ونقول إن الانتفاضة ستجبّ الاختلافات الطائفية مباشرة (المثال اللبناني صارخ في بؤسه)، بل ندلّ أولاً على إمكان تجاوز الإطار الطائفي للهوية، وثانياً على الطبيعة الصنعية والسياسية للهوية الطائفية. اكتناه السلطة في اللغة (سلطة التسمية) التي نستخدمها لوصف عالمنا هي الخطوة الأولى لتحرير اللغة وتحرير وعينا المستلب من«خطاب» السلطة نفسها. إنّ وصفنا لهذا المجتمع وطبيعة إدراكنا للطوائف والإثنيات هما نفساهما مشروع سياسي. علينا أن لا نبالغ في طبيعة الاختلافات مع تونس، وأن لا نقلل منها، غير أن المهم هو أن ندرك أن تونس ـــــ حتى بالنسبة إلينا أبناء الهلال الخصيب ـــــ هي أفق الأمل، وعلينا أن نفكر في واقعنا انطلاقاً من تونس وما فعلته تونس، لا على قاعدة ما نختلف فيه عنها.
السؤال الآن هو: أين نقف نحن بالنسبة إلى تونس؟
* باحث سوريّ مقيم في ألمانيا