أتت الثورة وفاجأت الكلّ. فاجأت «الطليعة الثوريّة» التي تنظّر في الجماهير وتحتقرها. فاجأت الأقلام المأجورة من صحافيّي السلطان ومنظّري القصور. فاجأت أشباه اليساريين الذين يحتقرون «الشعب العربي الكسول». فاجأت أوباما الذي نصح المصريين «بنبذ العنف». فاجأت هيلاري كلينتون التي طاب لها نبذ «العنف اللامتكافئ في تونس» ودعت مصر «الشريك القوي إلى احترام حقوق الإنسان». فاجأت ميليباند الناطق باسم الخارجية البريطانية ولغته العربية باللكنة البريطانية المزعجة. فاجأت الأنظمة العربية التي فقدت جزءاً كبيراً من شرعيتها. فاجأت أبو الغيط صاحب نظرية «طبيعة شعب مصر غير تونس». فاجأت كلّ من نظّر لأنّ ما حدث في مصر سببه الفايسبوك «اللعين» والتويتر «الفظيع»، فالثورة أكملت طريقها وانتصرت رغم قطع سي حسني مبارك الإنترنت والكهرباء عن شعبه. فاجأت البرادعي «حصان طروادة» الذي كان قابعاً في مدينة فيينا، والذي لن ننسى دوره الأساسي في محاولة نشر كذبة أسلحة الدمار الشامل بهدف اجتياح العراق، بينما حامدين صبّاحي، المعارض للنظام منذ ما قبل 2002 على الأقل وللحرب على العراق والمناصر للقضية الفلسطينية والذي اعتُقل مرّات عديدة، أصيب في التظاهرات الحالية بسبب وجوده اليومي مع المتظاهرين. فاجأت الثورة مبارك وزمرته من الحزب الوطني الحاكم الذين حاولوا أن يوحوا في الإعلام أنّ كل من نزل هم من الإخوان المسلمين. فاجأت الإخوان المسلمين الذين تلكأوا عدّة أيّام قبل أن يحددوا موقفهم بينما نخبة كبيرة منهم هي جزء من النظام. فاجأت كلّ من نظّر لأنّ ما حدث في تونس ليس بثورة. فاجأت كلّ من كاد الإحباط اليومي أن يقتل روحه.

صُدم الجميع لحدوث ثورة شعبية في مصر، تصوّروا ذلك! كيف يمكن مجتمعاً يعيش 45% منه تحت خط الفقر، ومليون ونصف مليون في المقابر، و28% بلا عمل... أن يجرؤ على الثورة! تنتشر على القنوات الإذاعية التفسيرات الطبقويّة الأحادية التبسيطية، فيقولون «إنّهم أبناء الطبقة الوسطى». بدأت الثورة المصرية البوعزيزية ببطالة أبناء الطبقة الوسطى لكنّها امتدت الى كلّ الشعب المصري في الاتجاهين الطبقيين الأدنى والأعلى. إلا أنّ ذلك لا يبدو أنّه امتدّ الى أدمغة بعض المعلّقين. هؤلاء عزوا كلّ شيء للإنترنت. كما لو أنّ الغضب الساطع الذي أُطلق لم يسبق اختراع الإنترنت بعقود. الفايسبوك والتويتر مع كلّ خصوصيّتهما، كانا وسائل التنظيم الممكنة بعد كلّ التفسيخ والتدمير والتعرية التي أصابت كلّ إمكانات التعبير الديموقراطي والمعارضة والعمل السياسي على يد النظام. إنّها العلاقة الجدلية بين الحاجة والوسيلة. ثورة بوعزيزي تجتاح فرعون مصر الذي اتّهم المصريين الشرفاء بأنّ ثورتهم عبارة عن نهب وحرق. «كنت وسأظلّ...» قال الديكتاتور. لكنّه لن يدوم طويلاً في مواجهة ثورة عفوية عارمة ترفض الخروج من الشارع بعد استفزاز المصريين بقرار تغيير حكومي مسرحي وتعيين عمر سليمان، رجل إسرائيل الثاني في مصر، نائباً للرئيس من أجل أن يحافظ النظام على نفسه. يبقى أنّ ضعف الثورة الأساسي، كما في حالة ثورة تونس، يكمن في غياب القيادة السياسية الواضحة والمتماسكة، مما يجعل الحاجة إليها ماسّة.
أمّا النظريات العنصرية، الكريهة، المضمّخة بالعلموية الكاذبة، فتبدو لنا بعد أحداث مصر وتونس مزحة سمجة جداً. إنّه الإحباط الذي ينتجه مثقّفون يُمطرون خمسمئة مليون عربي بالهراء المستمر يومياً. الشعب العربي الذي عاتبه في أحد الأيّام المفكّر الراحل ياسين الحافظ بأنّه غير «مسيّس»، لا بل عَزوف عن السياسة، يعلّم العالم كلّه اليوم كيف تكون الحرية والديموقراطية. قلق كبير، حاسم، يجتاح الكلّ، يأتي من تلك «الغوغاء» التي احتقرها كثير من المثقفين، من باطن «الأمّة الرعاعة» حسب تعبير الكاتب ياسين الحاج صالح عندما ردّ على مقال كريه للروائي سليم بركات من السويد يشتم فيه الأخير العرب والإسلام. إنّه يوم الغضب وهو ينتشر كالعدوى في أجساد الشبان العرب. «متوحشون» و«مخرّبون» كما تنعتهم الطبقات الحاكمة، يريدون قلب الأنظمة المتعاملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. الإنسان العربي اللامرئي الذي حسبوه خارج الحضارة والتاريخ هو من بقي يصنع التاريخ والحضارة.
دمّر أهل «سيدي بوزيد» ومدن تونس والسويس والقاهرة كلّ الأوهام والشكوك التي كادت أن تجتاح الكثيرين. لقد دمّروا لينينية مثقفين تخدم أنظمة مستبدّة متحالفة مع الإمبريالية العالمية. إنها الطليعية الرجعية التي ملأت فضاءنا الافتراضي وغير الافتراضي بالكلام عن ديموقراطية مستوردة ومجتمع مدني يريدونه غير مسيّس وحوكمة كولونيالية، إلى أن حضرنا نموذج العراق المحتلّ اليوم. لنا أن نقارن اليوم نموذج «العراق الجديد» بنموذجي «تونس الجديدة» و«مصر الجديدة» لنعرف ماذا يعني أن يقرّر المجتمع الأهلي يوماً الحياة. المقارنة سهلة بين نهب المتحف العراقي عقب الغزو الأميركي وحماية المتحف المصري عفوياً على أيدي الشبّان المصريين، وهي تلخّص المسألة كلّها. لقد استفزّ الكلّ في مصر منع الإنترنت والكهرباء وتجلّي يد القمع عارية في أرض الكنانة، لكن ردّ «الغوغاء» الجميلة كان صاعقاً.
إنّه أجمل مسلسل مصري رأيناه. لن ينتهي هذا المسلسل قريباً بينما لا يزال أوباما وكلينتون بسحنتيهما المقلوبتين يعبّران عن موقف الإمبريالية المساند للنظام السمسار الأوّل لمصالح الولايات المتحدة وإسرائيل في العالم العربي. يوزّع غيبس الناطق بلسان الخارجية الأميركية الأوامر على الجيش المصري. يجب على الجيش أن يفعل كذا وكذا، لكن المصريين الذين دفعوا دماً غالياً غير آبهين بكلامه وهم يهتفون «عيش حرية كرامة إنسانية» في كوبري 6 أكتوبر، الشعب اليوم «يبصق» على كلّ من «يثيره القلق» من بغداد المحتلّة مروراً بتل أبيب وربيبتها السلطة الفلسطينية حتى واشنطن. هكذا، وببساطة، يتغيّر الشرق الأوسط بسرعة كبيرة مع ثورتين في غضون أسبوعين. إنّه رقم قياسي لا تستطيع الولايات المتحدة أن تواجهه. عليها أن تحلّ أموراً كثيرة اليوم من أجل عينَيْ إسرائيل. معبر رفح سيفتح وأمل المقاومة الفلسطينية يكبر كلّ يوم بينما تفتّش الولايات المتحدّة عن كيفية حماية البوابة الجنوبية للكيان الصهيوني المصطنع. إنّها مهمة ملء الفراغ السياسي الذي خلّفه هروب مبارك الى السعودية. وحين سيصبحون كلّهم في السعودية تصير السوريالية حقيقة.
ما يحدث اليوم في العالم العربي هو تصفية حساب. إنّه تصفية حساب مع كلّ من أذلّ أو هزئ بالناس الغلابى الذين لا يجدون من كرامة إنسانية من حولهم خلال ايّامهم العادية. إنّها تصفية حساب مع العالم أجمع، مع كلّ النخب المافيوية التي تنهب الشعوب في العالم العربي وغيره لتُفقرها. إنّه تصفية حساب أيضاً مع جَلد ذاتي ثقافوي انتشر كالنار في الهشيم خلال العقدين الماضيين من مثقفين وأشباه مثقفين مشدوهين بعجائب النيوليبرالية من حولنا. إنّها تصفية حساب مع كلّ من أوقف التاريخ عند أقدام الإمبراطورية الأميركية وقام بالفصل المتعمّد بين الحاجة الى الديموقراطية من جهة وبين قتال إسرائيل ومواجهة الهيمنة الأميركية من جهة أخرى. إنّه نموذج للمقهورين في العالم أجمع ليتبعوه. تصفية حساب بين المقهور والمستبدّ. «الشعب يريد إسقاط النظام»... هذه لم تكن مجرّد كلمات.
* باحث لبناني