أنا أدين كل عمل عنفي ضد الرجل الأبيض، وأرحّب بكل عنف ضدّي من الرجل الأبيض. أنا حقير وعريق في الحقارة. أنا أنحني أمام الرجل الأبيض وأخرّ ساجداً امام حكّام الغرب. أنا لا اصل إلى مرتبة الرجل الأبيض لكن أصبو ان أقترب منها لو مرّ أمامي. أنا متطفّل على بحر الإنسانيّة الشاسع — الإنسانيّة التي يتكلّم باسمها الملك الأردني بتفويض من الرجل الأبيض لأنه وُلد لإمرأة بريطانيّة.


أنا مسؤول عن العنف الذي يلحقني وعلى الذي يلحق الرجل الأبيض. أنا لستُ مخوّلاً لكسب التعاطف من أحد. موقعي التراتبي المتدنّي لا يتيح لي إلّا التعاطف مع الرجل الأبيض. الرجل الأبيض له أفضال كبيرة عليّ: هو الذي استعمرني وعلّمني حب الاستعمار وعلّمني صغيراً أن أتلقّف قنابله وصواريخه بصدر رحب. أنا أقف على منبر عال وأكرّر: إن أعمال العنف التي تجرى هي من صنعي ومن صنع ديني. كيف لا أكون مثل قدوتي، الرجل الأبيض؟ لماذا لا أصبح راقياً مثله؟ لماذا لا أرفل بأثواب الحضارة التي أنشدها منه؟ ولماذا أقبع في شرق لا أريد ان أنتمي إليه؟ ولماذا لا يضيق العالم العربي بي؟ أنا بتّ أجترّ الحملات الصهيونيّة الغربيّة ضد الإسلام (وهي ترتدي أحياناً رداء الإلحاد الكاذب) لأن ذلك يقرّبني من الرجل الأبيض ومن معاييره السمحاء.
أنا لم أستحق الزمن الذي عشتُ فيه في كنف الاستعمار وفي فيئه. بتّ أعيش في الزمن الذي أستحق اليوم بغياب الوصاية والقمع المباشر من الرجل الأبيض. أنا أعاني من الغربة عن الاستعمار. انا اللامنتمي من دون الاستعمار المباشر الذي يقترب رويداً رويداً منّي. أنا أصبحتَ رجلاً أبيض (بعض الشيء فقط) في مخيّلتي لأزيد من ثقتي بنفسي ومن غبطتي. لا أريد ان أنتمي إلى ما ولدتُ فيه من بؤس وجودي. لا أمل بي إلا بالتملّص من جلدي ودمي وموطني. أنا مسافر في وطني إلى أن أحط الرحال في بلاد ليست لي وهي لا تريدني. أنا لست أنا إلا بوجود الرجل الأبيض المُدجّج بالسلاح لتحريري من نفسي.
هذه حالة مرضيّة تعمّ بلادنا. يكفي ان يقارن المرء ما كتَبه وليد جنبلاط (وهو يشكّل حالة متفوّقة من إرضاء الرجل الأبيض لعلّ ذلك من نتاج المربيّة السويسريّة التي حظي بها في طفولته) عن تفجير برج البراجنة وما كتبه بعد أيّام فقط في أكثر من لغة عن تفجير باريس: كلمة واحدة مقابل تغريدات بالجملة. لحم الأوروبيّين «غير شكل». والكلام عن ضحايا باريس يتجاهل ان نسبة لا بأس بها من ضحايا أيّ عمل تفجيري في أوروبا ستكون من العرب والمسلمين لكنهم ليسوا في الحسبان. التعاطف مع الضحايا هو فقط مع الضحايا البيض ذوي الشعر الأشقر. جبران باسيل كتب على «تويتر» بإنكليزيّة يستعصي فهمها على مَن لا يجيد الكرشونيّة لكنه أراد التعبير فيها عن فكرتيْن: أن لبنان كان مُرتبطاً بالأمة الفرنسيّة من قَبْل بـ«الدم» القومي لكنه بات يرتبط معها بعد تفجيرات باريس بدم بالشهادة (وأرفق صورة يبدو فيها يتفجّع مع وزير الخارجيّة الفرنسي الذي لم يكن ينظر إليه). ماذا عنى جبران باسيل ذو الرصيد العريق في العنصريّة والطائفيّة بوحدة دمه البتروني مع فرنسا؟ يخطئ مَن يظنّ ان هزيمة القوى الانعزاليّة في الثمانينيات أنهى عقيدتها وطروحتها. على العكس، هي تقمّصت في «إصلاحات» الطائف وفي الكلام عن نهائيّة الكيان ذي الهويّة المشوشة. مزج جبران باسيل دمه بالدم الفرنسي وباللغة الإنكليزيّة مخاطباً فيها الرجل الأبيض الذي لا يفوّت تصريحاً لجبران باسيل، الوزير الأوحد لـ«المجتمع المسيحي». ومحافظ بيروت الذي لم يسمع بتفجير برج البراجنة يريد أن يلفّ صخرة الروشة ومغارة جعيتا والأطباق اللبنانيّة بالعلم الفرنسي.
لم تعد الردود العربيّة على الهجمات العنفيّة من قبل مجموعات فرّخت وتفرّخ برعاية سياسات وحروب الغرب تذكر فلسطين. في كل الردود التي تبعت الهجمات على باريس لم يذكر فلسطين (كعامل مهم في صنع الغضب العنفي) غير وزيرة الخارجيّة السويديّة. كان التذكير بفلسطين من السمات الثابتة في خطاب الأنظمة العربيّة وخطاب حركات المعارضة. لكن اللغة لم تعد مختلفة بين العرب والغرب. العولمة هي في اعتناق فكر وخطاب ومشية وهيئة المُستعمر بحرص شديد يماثل التقليد المتقن. بات الكلام عن القضيّة الفلسطينيّة عند العرب لا يختلف عن بيانات وزارة الخارجيّة الأميركيّة، وباتت أي إشارة إلى الصهاينة كـ«اليهود الصهاينة» تثير غضب قطاعات كبيرة من المثقّفين والمثقّفات الذين (واللواتي) لا يكترثون للدعوات اليوميّة لإبادة العلويّين من قبل «الثورة» التي يلهجون بحمدها. والبيانات التي تُصاغ بالإنكليزيّة باتت تُترجم إلى العربيّة للتعبير عن الآمال والمطالب العربيّة كما يفهمها الغربي. عندما حظي ياسر عرفات بالتخاطب على مستوى متدنّ مع الإدارة الأميركيّة في الثمانينيات فُرضَ عليه قراءة بيان أُرسِل له بالفاكس كي يقرأه بلغته الأم ومُستعملاً مصطلحات سأل مستشاريه عن معناها. ومبادرة السلام «العربيّة» أعدَّ نصّها في وزارة الخارجيّة الأميركيّة بناء على أفكار لتوماس فريدمان طرحها أمام عبدالله بن عبد العزيز (وكان عبدالله يقول لمَن يراجعه في نصوصها قبل إقرارها الرسمي إن عليهم مراجعة سعود الفيصل، الذي كان بدوره يراجع وزير الخارجيّة الأميركيّة في إمكانيّة تعديل حرف واحد منها). والبيان الذي صدر قبل أيّام عن ٤٠ فصيلاً من فصائل «الثورة السوريّة» المسلّحة لإدانة هجمات باريس (الهجمات الأقرب في بيروت لا تستحق الإدانة عند هؤلاء) كان لافتاً في صياغته العربيّة أنه لم يُعدّ باللغة العربيّة: بدا واضحا لي أن النص مُترجم عن الإنكليزيّة. راجعتُ النص الإنكليزي المنشور من قبل الفصائل فوجدتُ ان النص العربي كان ترجمة حرفيّة للنص الإنجليزي، لا بل إنّ النص الإنكليزي الذي صدر في الإعلان الدعائي الأوّل تضمّن تعليمات مكتوبة بالإنكليزيّة لجهة ما. عناوين التفجير في الضاحية في صحف النفط والغاز كانت متطابقة (لا بل مُترجمة) عن عناوين الإعلام الصهيوني عن كل تفجير ضد المدنيّين في الضاحية على مرّ التاريخ. كل التفجيرات هي ضد «معقل حزب الله» كما أن العدوان الصهيوني على لبنان في ٢٠٠٦ كان مجرّد هجوم على «معقل حزب الله». التبرير جزء من الجريمة كما ان الغرب ودول الخليج متورّطة في الجرائم الإرهابيّة في منطقتنا. وإرهاب «داعش» لم يخدش أسماع وأنظار الغرب قبل ان تصل نصاله ضد غربيّين وغربيّات. وسرديّة «الثورة السوريّة المُنزّهة» صاحبت حقبة صعود «داعش» وأمدت التنظيم بالمعين الإيديولوجي الذي عبّأ في صفوف المهاجرين المسلمين في الغرب والشرق، كما ان الغرب قاد بالاشتراك مع آل سعود وضياء الحق تعبئة المسلمين في حرب ضد النظام الشيوعي العلماني في كابول.


ثقافة دول النفط والغاز هي اليوم المنبر لثقافة الحنين إلى الاستعمار



كتب البرت ميمي عن العلاقة بين المُستعمِر والمُستعمَر في كتابه «المُستعمِر والمستمعَر». وكتب عن انفصام المجتمات الثانئيّة اللغة، مثل شمال أفريقيا وبعض الطبقات الاجتماعيّة في لبنان. هؤلاء لا يستوطنون بلادهم: هؤلاء يعيشون بالإعارة في بلادهم في انتظار إما عودة الاستعمار أو الرحيل إلى أرض المُستعمِر. لهذا فإن لبنان نافس العرب في التماهي مع المُستعمِر: لأن ثنائيّة اللغة في شمال أفريقيا تزامنت أيضاً مع حركات مناهضة للاستعمار ومع الثورة الجزائريّة المباركة التي علّمت المُستعمِر دوروسا بليغة في أثمان الاستعمار. والزمن الاستقلالي الجزائري زرع أيديولوجيّات مستوردة ومحليّة الصنع عن دحر المُستعمِر. فيما كانت تجربة لبنان مختلفة تماماً: في لبنان كانت الإيديولوجيا السائدة هي إيديولوجيّة المُستعمر ذاتها، لا بل إن لبنان زرع ثقافة الاستعمار وتقليده في نفوس بنيه. ويروي بشارة الخوري في «حقائق لبنانيّة» كيف ان الحكومة اللبنانيّة قبلت فور الاستقلال زيارات حربيّة من القوّات الفرنسيّة وذلك للتأكيد للمُستعمِر أن لا نوايا عدائيّة نحوه وأن الهبّة ذات الأيّام المعدودة ضد فرنسا في ١٩٤٣ لم تكن إلا سوء تفاهم بسيط. لهذا لم يكن في لبنان كما في بلدان عربيّة أخرى ثقافة محو آثار الاستعمار. أسماء الشوارع والساحات في لبنان لا تزال هي هي، لا بل إن الأسماء المحليّة الجديدة لم تكن إلّا لأشخاص جاهدوا لعودة الاستعمار.
تجربة لبنان «الوطنيّة» كانت التجربة الصهيونيّة بحذافيرها: زرع «واحة حضاريّة» - بلغة ثيودور هرتزل - مقابل بؤر تخلّف أسيويّة حوله. وسهّل على اليهود الأوروبيّين (وهم لا زالوا متحكمّين بكل مفاصل الحياة في دولة الكيان الغاصب) الترويج لمشروعهم امام الأوروبيّين كما ان المشروع يعتمد على عقيدة تفوّق الأعراق (وهذا ضمن الموقع الدوني لليهود الشرقيّين والذين عاملتهم الدولة الاحتلاليّة معاملة المصابين بالجذام - كما شرح المؤرّخ توم سيغيف في كتابه «١٩٤٩»). أما في لبنان فقد فعل مؤسّسو الدولة الأمر عينه مع استبدال الأعراق بالطوائف، وفق تراتبيّة لا تختلف ضمناً عن تراتبيّة الصهيونيّة أو النازيّة. وهذه العقيدة الفينيقيّة اللبنانيّة (والتي حتّمت الفصل بين العربي واللبناني لكن وفرة فرص الأعمال للنخب الطائفيّة اللبنانيّة في دول الخليج العربيّة عادت واستنبطت توليفة «الطائف» والتي على أساسها يدين الفينقيّون الجدد بعروبة من نوع آخر، أي عروبة دول الخليج المُطيعة للغرب). ودول الخليج هي اليوم السبّاقة في تبنّي النموذج اللبناني من تقليد المُستعمِر، وفق عقيدة جديدة لا تعتمد على العرق بقدر ما تعتمد على الطاعة المطلقة للرجل الأبيض. عقدة أنظمة الخليج تريد ان تضمن حظوة للطغاة مقابل نقل ريوع النفط إلى الغرب (إما تخزيناً أو شراء للسلاح والبضائع) ومقابل تنفيذ سياسات الغرب والمزايدة في التمسّك بها. لهذا فإن آل سعود باتوا أقرب إلى دولة العدوّ من قربهم إلى واشنطن.
وثقافة دول النفط والغاز هي اليوم المنبر لثقافة الحنين إلى الاستعمار. والكلام عن الاستعمار يدخل في باب دعاية الاستعمار عن نفسه من نوع: ألم يبنِ الاستعمار لنا مدارسَ ومتاحفَ وطرقات ونوافير ونصب؟ طبعاً، الاستعمار لم يبنِ لنا من ماله وإنما مِن بعض ما سرقه منّا. لكن الجواب إن الاستعمار لم يبنِ ما يُنسب له من عظائم وعجائب وأن ما بُني كان مُفصّلاً للطبقة العليا التي تأتمر بأوامر الاستعمار وتخدم مصالحه. يكفي مقارنة منجزات الاستعمار البريطاني في مصر مقابل منجزات العهد الناصري (على مدى عقديْن فقط) من ناحية الطبابة والتعليم العام والتأمين الاجتماعي والتصنيع وكهربة الريف ودعم الثقافة الشعبيّة، أو بمنجزات بلدان أخرى. لو أن الاستعمار لم يزر بلادنا لكان التقدّم قد حصل بوتيرة أسرع، ولكان إلحقاق بلادنا ببلاد الاستعمار أصعب على المُستعمِر. أي ان الاستعمار وطّد دعائم بقاء استعماره بعد رحيله، وهذا مفاد التبعية بأشكالها المختلفة.

طغاة الخليج يتعايشون
مع الغرب الاستعماري لو كان اشتراكيّاً أو فاشيّاً




لا يريد المُستعمَر فقط ان يقلِّد الرجل البيض. طموحه أكبر من ذلك: يكتب ألبرت ميمي «إن الطموح الأوّل للمُستعمَر ان يصبح متساوياً مع النموذج البديع والتشبّه به لدرجة الفناء فيه». وهذا الفناء يأخذ أشكالاً متعدّدة تتمحور حول ذم الذات العربيّة والإسلاميّة واستيراد كل مفاهيم تحقير العرب والمسلمين من الغربيّين. أصبح الخطاب القومي العربي (في نسقه السعودي الوهّابي) نسخة من خطاب اليمين الأوروبي المعادي للعرب والمسلمين، مع مزيج من الخطاب الليكودي. السجال العربي ــ العربي يصبح في ذاك سجالاً بين أحزاب غربيّة متصارعة، وطغاة الخليج يتعايشون مع الغرب الاستعماري لو كان اشتراكيّاً أو فاشيّاً.
إن عدم التصدّي للاستعمار من قبل المُستعمِر يمنع إمكانيّة الحصول على الاستقلال الذي يضمحلّ أكثر وأكثر في كل العالم العربي. ندفع من أثمان التساهل والتسامح والتاريخي مع الاستعمار قبل الرحيل الشكلي وبعده. حتى الجزائر استقبلت جاك شيراك بالأهازيج قبل بضع سنوات فقط. الرجل الأبيض فقط لا يسامح وله وحده حق الانتقام. كل تفجير بات يلحقه غارات جويّة من أساطيل وطائرات دول الغرب التي - حسب إعلام النفط والغاز - لا تصيب أحداً من المدنيّين لأن الذي يرميها بمثابة من يرمي الحجارة من سجّيل. الصواريخ الروسيّة فقط تقتل مدنيّين، فيما لا تصيب قنابل وصواريخ الغرب إلّا إرهابيّين وأشرار.
إن انتشار الأعلام الفرنسيّة أو ظاهرة «جو سوي»، والتي لم تبدأ مع السيّد «شارلي» (الذي يرسم عمامة الرسول بشكل أعضاء تناسليّة ظنّاً منه المسلمين أغبى من أن يلاحظوا ظرف وفكاهة الرجل الأبيض)، هي مبارزة من قبل المُستعمَر للتنطّح بمظهر الرجل الأبيض. هي محاولة لارتداء القناع الأبيض وإبداء حسن السلوك، وفي هذا تنتفي الفروقات بين الطوائف والمجموعات في بلادنا. ولم يعد اللبناني فريداً في هذا بعد ان استدلت ثقافة طغاة النفط والغاز ثقافة معاداة الاستعمار والتي كلّفت المُستعمر الغالي والنفيس في حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. الكل دخل المنافسة. الرجل الأبيض: كيف تراني؟ هل تقرأني على «فايسبوك»؟ هل ترى صورتي مزيّنة بالعلم الفرنسي؟ هل تلاحظ انني أثني على عنفك أيمنا حلّ وأذم العنف المُوجّه ضد احتلالك واحتلال إسرائيل؟ وهل تلاحظ، أيّها الرجل الأبيض، أنني أوافق تلك السيّدة الفرنسيّة التي قالت ببراءة لـ«نيويورك تايمز» إن الحروب لا تنتمي إلى فرنسا بل هي سمة من سمات العراق وأفغانستان وتلك البلدان في الشرق الأوسط؟ أما حروب فرنسا من مالي إلى العراق وسوريا فهي حروب لا عنفيّة. والرجل الأبيض يعيّن من الساسة من يلهج بحمده وتستعين صحف الغرب بمراسلين محليّين يكونون ويكنّ أكثر مغالاة في مناصرة استعمار الغرب من الغربيّين والغربيّات.
إنها باريس بقدر ما هي ليست الخليل وليست برج البراجنة وليست بغداد وليست قندوز. في التفجّع على ضحايا باريس من المفخرة ما ليس في التفجّع على ضحايا برج البراجنة. ويدخل في ذلك إسلام مُتغرب بالكامل: والإسلام المُتغرب (الخاضع لطغاة النفط والغاز) هو إسلام وهّابي رجعي متخلّف لكنه موال بالكامل للاستعمار الغربي، وليس في ذلك في تناقض البتّة. إن التوافق بين الرجعيّة الإسلاميّة وبين الاستعمار الحديث يسبق عصر الحرب الباردة التي وطّدت دعائم هذا التحالف في مواجهة القوى التقدميّة العربيّة الحديثة فعلاً. هيئة كبار العلماء في السعوديّة أصدرت بياناً خاصّاً لإدانة تفجيرات باريس لكنها تجاهلت تفجيرات الضاحية. أما جريدة «القدس العربي» - وهي باتت أصدح صوت في منابر التحريض الطائفي المذهبي الفتنوي في كل إعلام النفط والغاز - فاكتفت في عنوانها عن تفجير الضاحية بالقول إن مهرّب المفجّرين هو شيعي، والهويّة الطائفيّة للمهرّب تكفي لعدم التعاطف مع ضحايا برج البراجنة.
ولا يزيد من صلافة المُستعمِر ومن صفاقة عنصريّته أكثر من العرب والمسلمين المهاجرين. المنظمّات الإسلاميّة الأميركيّة ترى ان واجبها عقد مؤتمر صحافي فور ورود خبر عن مسلم واحد أو أكثر اعتدى على رجل أبيض في أي مكان في العالم. أما التفجيرات التي يقوم بها مسلمون ضد مسلمين (خصوصاً ضد شيعة ومسيحيّين) فإنها لا تستحق عقد المؤتمرات الصحافيّة. ومنظمّة «كير» الأميركيّة دانت تفجير باريس لكنها لم تدن تفجير قندوز أو برج البراجنة أو أي من تفجيرات قامت بها جبهة «النصرة» او «داعش» (وهي المنظمّة التي يطالب الغرب بشنّ حرب في سوريا لـ«تحريرها» فيما هي لا يجرؤ على تأييد رمي حصاة على جنود الاحتلال الإسرائيلي). لكن المنظمّات الإسلاميّة في الغرب ليست إلا أدوات في يد سفارات دول الخليج.
الرجل الأبيض لم يغادر بلادنا بل عاد إليها بقوّة أكبر وهذه المرّة كان في إستقباله جموع من المحليّين. والثورة الفرنسيّة أتت إلى بلادنا على صورة الغزوة النابوليونيّة والتي عرّف فيها نابوليون في بيانه إلى المصريّين (ساهم في كتابته مستشرقو العصر) على دينهم وتاريخهم. له وحده ان يعرّف للمحليّين تاريخهم وهويّتهم ودينهم وإلّا فإن مدافعه في الانتظار. و«الحرب الغربيّة على الإرهاب»، والتي يدخل فيها بحماسة أو ضلالة دول وتنظيمات وشخصيّات وحركات محليّة، أتت لتحريرنا. لم تكن تلك الحرب إلا وثيقة سماح لغزو كل الدول العربيّة والإسلاميّة ورخصة لقتل كل مَن لم تثبت براءته أمام المُحقّق الغربي خارج نطاق المحكمة. نقل الغرب الحرب الإسرائيليّة الإرهابيّة (تحت إسم «محاربة الإرهاب») وزاد عليها تخريباً ودماراً.
لم يعد العربي ينطق بلغته ومصطلحاته. حدث ذات يوم أن اعتنق العرب (بما فيهم النظام الناصري في الستينيات) كل الخطاب والمصطلحات الغربيّة الصهيونيّة عن الصراع العربي ــ الإسرائيلي. «الحل العادل والشامل» لم يكن يعني أكثر من عمليّة إدخال دولة الاحتلال الصهيوني في صلب العالم العربي وترسيخ نسيان احتلال أراضي عام ١٩٤٨. وخطاب محاربة الإرهاب يشمل كل حركات المقاومة كما يشمل الحركات التي تحارب الإرهاب. وخطاب «جو سوي» المقيت لا يعترف برجل اسمه جورج إبراهيم عبدالله. «جو سوي» لا يمكن ان يسري إلا على ضحايا مرضي عنهم فقط. لو أنهم يأبهون لتحذيرات ألبرت ميمي: «كل ما فعله المُستعمَرون لتقليد المُستعمِر لم يلقَ إلا الاحتقار من قبل من الأسياد المستعمِرين. يشرحون للمستعمَرين أنه يقوم عبثاً بكل تلك الجهود وأنه لا يكتسب منها غير الظهور بصفة إضافية كواحد مثير للسخرية. هو لن ينجح أبداً في التماهي مع المُستعمِر ولا حتى في تقليده بنجاح (مَن شاهد فؤاد السنيورة يتحدّث الإنكليزيّة متصنّعاً اللهجة البريطانيّة؟)».
ليست كل أفكار التحاب والسلام والتضامن العالمي والإنسانيّة (التي تكلّمها بإسمها قبل أيّام المهرّج الملكي الأردني) إلا المدخل الذي تدخل فيه دول الغرب لفرض التفرقة والكراهية والبغضاء والحرب والتجزئة (أليست دولة جنوب السودان بجرائمها المستورة من صنيعة دول الغرب الحضاريّة؟). وليست محاربة الإرهاب إلا إعلان حرب على المسلمين والعرب ودينهم وثقافتهم. ويبقى امام العربي التقليد من جديد. لعل الرجل الأبيض يلاحظ ان دولة الإمارات وقفت دقيقة صمت إجلالاً لضحاياه - ضحايا الرجل الأبيض، وان دولة قطر التي تحظر التظاهر سمحت بعراضة أمام السفارة الفرنسيّة في الدوحة تضامناً مع الإستثمارات القطريّة في باريس. كان يمكن لحاكم الإمارات وحاكم قطر وحاكم السعوديّة ان يضيفوا ان كل الضحايا الباريسيّين من غير البيض مستثنون من الإجلال والتكريم. الرجل الأبيض يرمقنا بإعجاب. إنحنِ.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)