سيكون للزلزال الذي تعرض له النظام المصري انعكاسات سياسية كبيرة بالتأكيد. فمن يرَ الاجتماعات التي تعقدها الإدارة الأميركية، منذ أكثر من أسبوع دونما انقطاع، ويتابع تخبطها وتعدد تصريحاتها وتناقضاتها، يدرك أنّ الولايات المتحدة بصدد خسران حليف لا يقل أهمية عن ملك ملوك إيران. ومصدر القلق، أنّ واشنطن بصدد فقدان وكيلها السياسي المباشر في الشرق الأوسط. الوكيل الذي زرع حالة يأس في العالَم العربي، وقضى على أحلام الناصرية ونزوعها الذي لا يساوم على الاستقلالية والسيادة ومركزية القضية الفلسطينية. وستكون الولايات المتحدة في حاجة إلى تغيير مجمل سياستها. بل ومدفوعة لتقديم تنازلات لإبقاء نفوذها أو مصالحها في المنطقة. وإذا كانت حريصة على مصالحها، فإسرائيل في قلب هذه المصالح، ولعل الاتصالات الأميركية ـــــ الإسرائيلية تندرج في هذا الإطار.

أميركا مضطرة إلى مراجعة سياستها تجاه المنطقة، أما إسرائيل فستنتظرها أيام قادمة عصيبة، وستخسر غطاءها السياسي المباشر، وأفضل محاوريها من العرب. وإذا كان مبارك قد زرع أسطورة كونه لم يزر فلسطين المحتلة، فهو وكّل لعمر سليمان (الذي عينه نائباً له) مهمة زيارة الكيان الصهيوني، بل ومهمة المحاور المُفضَّل لكلّ القادة الإسرائيليين. كذلك فإنّ إسرائيل ستفقد حليفها الأكبر في محاربة حركة حماس والجهاد الإسلامي ومحاصرة قطاع غزة، بل قمع مقاتلين فلسطينيين واعتقالهم، وأيضاً تدمير الأنفاق بين مصر وغزة، وبناء جدار فصل عنصري على غرار جدار العنصرية الذي بنته إسرائيل في الضفة الغربية. وفي ما يتعلق بالوضع في لبنان، لا يمكن أي مسؤول صهيوني أن يتصور وجود نظام آخر، يمكن أن يساعد إسرائيل على التشكيك بالمقاومة ومحاصرتها والرهان على سقوطها، في ما يقترب من دعم للجيش الإسرائيلي في عدوان تموز 2006. منح مبارك الإسرائيليين أكثر مما يمكن دولة عدوة أن تنتظره في جو عدائي. لقد سار في ركاب اتفاقات «كامب ديفيد»، وحرص، بدقة، على تنفيذ كّل الاتفاقات المجحفة، بما فيها بيع الغاز المصري للكيان الصهيوني بثمن بخس، بكلّ ما يحمل الأمر من تدمير للاقتصاد المصري. وقمع كلّ الحركات والأحزاب المصرية التي كانت تضع في أدبياتها اقتلاع السرطان الصهيوني من منطقتنا العربية. لقد أدى الدور الأساسي في تطبيع وضعية إسرائيل وفي جعلها مقبولة في المنطقة، بل وفي تشجيع دول عديدة على التطبيع معها. وعمل على تشجيع التيار المساوم في الحركة الفلسطينية، وكان يفرض ضغوطاً قوية على الفلسطينيين لقبول شروط إسرائيلية مجحفة. أما في مؤتمرات الجامعة العربية وقممها، فكان دأبه إفساد المواقف المنتقدة للولايات المتحدة والمطالبة بمقاطعة إسرائيل، وبالبحث عن بدائل لحالة اللاحرب واللاسلم. وهو بكل هذه المواقف حاز لقب «حكيم» الشرق الأوسط. ولعل قوة حسني مبارك في العالم العربي ودوره المفيد للغرب يتمثلان أيضاً، في الضغوط التي مارسها على القادة العرب المترددين، فأصبح موقف الاعتدال هو السائد. كذلك فإنّ مؤتمرات القمة العربية ما كان لها أن تنعقد من دون موافقة مبارك، أي من دون موافقة الولايات المتحدة.
سيكون لمبارك أيتام عديدون، بسبب ربط العديد من القادة والساسة العرب مصيرهم بمصيره. وهكذا فإنّ النظام السعودي، الذي استقبل طاغية تونس، في تحدٍّ سافر لمشاعر التونسيين والمسلمين، وعبّر بقوة لا تلين، عن إدانته لما يسمى الفوضى والهرج في مصر (وهو يقصد ثورة الشعب السلمية)، هو بصدد خسران حليف وفيّ في محور الاعتدال وتسويق السياسات الأميركية. ولمن كان يجهل متانة العلاقات المصرية ـــــ السعودية، على الرغم من بعض التنافسات الظاهرة أحياناً، فالنظام المصري لم ينتقد قط المعاملة الوحشية غير الإنسانية، التي يتعرض لها المصريون في السعودية من تعذيب واغتصاب واستغلال ونظام كفيل قروسطوي، وهو ما كان يثير غضب الشعب المصري (لعل من أشهرها اغتصاب سعودي لابن طبيب مصري وسجن والده بسبب احتجاجه!).
ومثلما عبّرت إسرائيل عن القلق من فقدان الحليف المصري، فإنّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يخسر هو الآخر راعيه المباشر. لقد كان أبو مازن كلما أحس بالإهانة الأميركية والإسرائيلية أو بالضغوط الفلسطينية والسورية، يلتجئ شاكياً إلى مصر. وكيف يمكن هذا الزعيم الفلسطيني أن يجد حليفاً مصرياً آخر يشاركه موقفه من عزل حركة حماس، ويساعده على حصار غزة؟
الذين وضعوا بيضهم في سلة حسني مبارك كثيرون في العالم العربي، وهم الآن في قمة فزعهم، وفي يأس لا يعرفون كيف يخرجون منه، إلا من حافظ منهم على شعرة معاوية. ومن بين هؤلاء الخاسرين الكبار في لبنان سمير جعجع، الذي استقبله مبارك ورفض استقبال إسماعيل هنية حين كان رئيساً لحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، في ما يشبه اعترافاً بدوره في صنع السياسة اللبنانية. كذلك فإنّ سعد الحريري، هو الآخر، خسر حليفاً عربياً كبيراً، وهو ما كان يؤكده وزير الخارجية المصري أبو الغيط.
كانت مصر قوة مؤثرة في الساحة اللبنانية، من حيث قدرتها على التخريب وفرض سياسة احتقانية، وكان قادة لبنانيون عديدون، من المراهنين على الخيار الأمريكي والشرق الأوسطي، يتوجهون للقاء مبارك، تبركاً واستشارة، قبل أيّ زيارة للولايات المتحدة الأميركية. وكان من بينهم على وجه الخصوص فؤاد السنيورة الذي عدّه المصريون مرشحهم في لبنان لقربه من خطهم السياسي التصالحي مع إسرائيل. قائمة أيتام مبارك من القادة العرب كبيرة، وفيها نجد الملك الأردني عبد الله الثاني. ففي غياب شريكه المصري في معاهدة السلام مع إسرائيل، الذي كان يتكئ عليه ويستقوي به، سيلقى نفسه وحيداً في مواجهة شعبه الرافض لاتفاقات وادي عربة. وسيضطر ملك الاردن إلى أن يحسب ألف مرة قبل أن يقدم على أي خطوة جديدة مع إسرائيل. كذلك فإنّ حاكم اليمن علي عبد الله صالح سيخسر شبيهه في التسول عند الأميركيين والإسرائيليين. وسيكون للشعب اليمني دافع قوي للقضاء النهائي على مشروع توريث نجله، إن لم ينجح في خلعه وطرده إلى خارج البلاد. وحتى النظام السوداني سيدفع ثمن تقسيم البلد. فكيف يمكن شعباً أن يواصل ثقته في حاكم مزّق البلد وحرمه ثروات أسطورية؟ والنظام الليبي أيضاً المتربع على رقاب الليبيين منذ سنة 1969 خائف. ويظهر الأمر من خلال دفاعه عن زين العابدين بن علي ومحاولة إعادته الفاشلة إلى السلطة، وأيضاً من تضامنه مع مبارك المتهاوي، وكأنّه يدافع عن نفسه. هؤلاء جميعاً قد يضطرون إلى تغيير استراتيجياتهم وتقاسم السلطة إن شاؤوا البقاء. قبيل اندلاع الشرارة التونسية، لم يكن أحد، في عالمنا العربي، يتوقع رؤية نور في النفق العربي الطويل. فشل كلّ المحللين وعلماء السياسة في التنبؤ بالأمر. كان اليأس مسيطراً، وكان الجميع يرى الأمر قَدَراً مُقدَّراً. لكن الشعب التونسي، استطاع أن يمنح الشعوب العربية الأمل. وكان المثال التونسي المسالم دافعاً للأمل. هذا الأمل الذي سينقذ القادة العرب أنفسهم من الضغوط الأميركية التي لا تطاق، إذ كلما احتمى القائد العربي بشعبه تقوى، كما كان يفعل جمال عبد الناصر.

* من أسرة «الأخبار»