منذ 1967 أُضيفت الهزيمة إلى العلل التي دفعت العقل العربي إلى البحث عن هويّات إيديولوجيّة وتشكيلات حزبيّة بدلاً من آليات عمل، وعن أنظمة بدلاً من قوانين ناظمة ومؤسسات. وقد مورس ذلك على نحو قَبلي وديني، حتى من جانب الذين اختاروا أيديولوجيات «مستوردة» وادّعوا الحداثة والتغيير.

لم يسبّب ذلك موجات الإحباط وذبذباته وحسب، بل إنه أسهم في تبديد الجهود والوقت والطاقات والأجيال، حتى باتت التشكيلات الأيديولوجية والحزبيّة تعبيراتٍ جامدة متحفيّة تكراريّة مملّة، والأهم من هذا أنها محدودة الفاعلية في السياسة وعاجزة عن التفاعل مع المجتمعات والزمن وفاقدة الحساسية لالتقاط نبض الأجيال الجديدة ولغاتها. باختصار، باتت تلك التشكيلات هامشيّة وعلى مقاعد انتظار السلطة أو «الثورة»، وتشبه إلى حدًّ بعيد الخزانات «الواقعية» التي غالباً ما تكوّنت من إحباطات تلك التشكيلات وعلى أدراج السلطات.
ما جرى في تونس، وما يجري في مصر، وما يأخذ طريقة في غير مجتمع وبلد عربي، يضيء أكثر فأكثر على هذه الحالة وينذر بالأضرار الجانبيّة. فالشباب الذين ثاروا ويثورون وسيثورون، في غالبيتهم العظمى، يتحرّكون خارج التشكيلات والأيديولوجيات «توائم» الأنظمة التي يُثار عليها. هؤلاء الشباب لا يكترثون بالهويات الجماعية والجمعية، هواجسهم ودوافعهم هي نقد الأنظمة وما تفعله على المستويات المختلفة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية والثقافية... أكثر مما يهمّهم تكوين هويّات خاصة وجماعية. إنهم يبتعدون عن مواجهة المرآة التي يجعلونها تواجه الأنظمة والتشكيلات الأيديولوجية والحزبية، يقفون في مواجهة الزجاج الذي جعلوه شفّافاً ليفضحوا الأنظمة ويعرّوها، وكذلك يفعلون مع الأحزاب على أنواعها. وبهذا، بدلاً من أن يقفوا على الأطلال في مواجهة المرآة يتحرّكون ويتحرّرون من الأزمات المتوارثة التي أسّسها العقل السلطوي والقبلي في آن واحد. هم يرفضون الوهم الزاعم أن الأزمة أزمة تغيير، ويقولون إن الأزمة أزمة أنظمة وأحزاب ميتة أو محنّطة ويُنتظر أن تمدّها الأنظمة بالأوكسجين... يتعاملون مع هذا كله كمخلّفات التظاهرات.
لقد كسر الشباب في تونس ومصر الحلقة المفرغة التي يدور فيها العقل العربي، من خلال جعلهم مواجهة الأنظمة وإهمال الأحزاب والتشكيلات الأيديولوجية أولويّة بحد ذاتها. كأنهم يقولون إن استهلاك الوقت والطاقات والإنسان في الكلام وادعاء البحث عن بدائل أيديولوجيّة هو من أسباب الأزمة واستمرارها بأنظمة استبدادية فاسدة وبأحزاب عقيمة. أما أشكال الأنظمة البديلة فهي نقيضُ الأنظمة القائمة وأوسع من الأحزاب والتشكيلات الأيديولوجية، وتتأسّس على إنهاء الأنظمة وبعده. فنقد الأنظمة بحد ذاته اقتراحات أنظمة بديلة، والتحرّك لتغيير الأنظمة القائمة بحد ذاته مساحة ديناميكية تستدعي الاقتراحات والطاقات. هكذا، استطاع شباب تونس إنتاج فلسفتهم: أزحنا المستبد بن علي والمعركة اليوم لإنهاء الاستبداد، أي إن المعركة مع الاستبداد وأنظمته مستمرة، وهي تأخذ أشكالاً مختلفة وأساليب متعدّدة، في السياسة والقانون والاقتصاد والمؤسسات والمجتمع والثقافة والحياة. وبهذه الروحية يكون الشباب قد آثروا واختاروا الفعل على الكلام، والتغيير على الخوف والعقم والتأبيد، والحرية على الأيديولوجيا وأطر الموت، والديموقراطية على اليوتوبيا والشعارات التي تروّج لأنظمة مثالية.
يعني هذا أن فئات واسعة ومتنوّعة اقتحمت مساحات الإنتاج والفاعلية والمشاركة، وقد كانت مستبعدة بآليات الأنظمة وباحتكار التشكيلات الأيديولوجيّة منصّات المعارضات. ولا يتوهم هذا أن المعركة أو المهمة قد انتهت، بل بدأت، وكما الخوف متأتٍّ من تجديد الأنظمة أنفسها وتجميل أشكالها، كذلك الرعب متأتٍّ من احتمالات تسلل الأحزاب والتشكيلات الأيديولوجية إلى السلطات، لاستبعاد الفئات الوافدة إلى الحيز العام وفعل التغيير. ولا يقتصر القلق على هذين البعدين، بل يسائل الشبابَ والشعوبَ في البلدان العربية عموماً عن نقدهم الأنظمة ومدى قدراتهم على الشروع في التغيير، وعن أفقها الديموقراطي. ويطرح ذلك على هذه الفئات التحديات: أتبقى غارقة مكبّلة بالهويات الطائفية والأيديولوجية، التي ينتجها العقل القبلي والسلطوي... والغباء والمنفعة والاستقالة، أم تتحرّك من الكنبة أمام الشاشة الصغيرة إلى شاشة الكمبيوتر! فالمسألة التي هي شرط البداية، على ما يبدو، قصيرة، أقصر من الشعرة التي فصلت طويلاً بين الهويّات والأغلال.
والطريق بعد ذلك... معروفة.