من شارع «الحبيب بورقيبة» إلى «ميدان التحرير» ـــ بانتظار «ساحة الشهداء» الجزائرية (12 فبراير/ شباط)، وساحات الوغى الأخرى القادمة في دول عربية عدّة تنظر على الطريق ـــ أفرزت «ثورات الكرامة» الشبابية، ضمن ما أفرزت من مفاجآت وظواهر مستجدّة، شعاراً لم يكن ليخطر في البال، بالنسبة إلى أبناء جيلي والأجيال السابقة لنا. فنحن أفنينا سنوات شبابنا في النضال من أجل سقوط الطُّغَم العسكرية


، والمطالبة بعودة الجيوش إلى ثكنها، ورفع أحذيتها الخشنة عن حياة الناس ومصائرهم. وها هم شبان تويتر وفايسبوك ينادون ـــ على العكس تماماً من ذلك ـــ بتدخّل المؤسسات العسكرية لضبط الأمن وحماية جموع الثوار والمتظاهرين من كلاب السلطة وأزلام البوليس السرّي وزبانية الحُكّام!
لا أخفيكم أنّني توهّمتُ، في البداية، أنّ مثل هذه الشعارات التي تطالب المؤسسات العسكرية بأن تؤدّي دور الحَكَم بين الشعوب العربية والأنظمة المسلَّطة عليها، ليست سوى ضرب من الرومنسيّة الثورية الساذجة. وإذا بقادة الجيش في تونس، ثم في مصر، يتجاوبون مع هذه المطالب، ويعلنون أنّهم يرفضون إطلاق النار على المتظاهرين، مؤكدين أنّهم يتفهمون مطالب الشباب الغاضب وحقوقه المشروعة في الكرامة والانعتاق.
يا إلهي! من كان يصدّق أنّ هذا سيحدث يوماً: جيوش عربية ترفض أن تكون أدوات للقمع وإراقة حمامات الدماء، وتُعلن على الملأ أنّ مهمّتها وواجبها، من اليوم فصاعداً، سيكونان حماية الأمن وضمان الحريات، لا التضييق عليهما! فعلاً، عِشْنا وشِفْنا، كما يقول المثل الشعبي. فنحن حتى في أكثر أحلامنا جنوناً وهذياناً، لم نكن لنتصوّر مثل هذا السيناريو عن تلاحم الشعوب العربية وجيوشها في مواجهة الطّغاة. ولم يكن أحدنا ليتوقّع، قبل أسابيع قليلة، مثل هذه القطيعة المدوّية مع التقليد القمعي العتيد الراسخ في تاريخ الأنظمة الجمهورية العربية منذ نشأتها، إذ إنّها خرجت جميعاً من رحم الانقلابات العسكرية، واتخذت من «الشرعية الثورية» مطيّة لإقامة أنظمة طغمويّة لا تزال جاثمة على صدور شعوبها، منذ نصف قرن أو يزيد.
هل يتأكّد ويتكرّس هذا الذي نشهده، بما من شأنه أن يؤسّس لانتقال الأنظمة الجمهورية العربية من عهود «الضباط الأحرار» إلى أزمنة جديدة يتزعم الجيوش العربية فيها «ضبّاط المواطنة»؟ هؤلاء الذين لا يتخذون من المؤسسة العسكرية وسيلة للزحف على السلطة، بل حصناً دستورياً وأداة بناء ذات طابع جمهوري تسهم في جهود الإصلاح والعصرنة السياسية والدمقرطة؟
لو أنّ أحدنا أطلق أمنية كهذه، مطلع الشهر الماضي، ضمن أماني العام الجديد، لوُصِف بالجنون، بلا شك. ولو أنّ كاتباً أو محلّلاً أو خبيراً جاءنا مبشّراً بثورات شعبية ستقوم وتعمّ العالم العربي، متنبّئاً بأنّ الشباب الثائر سينادي خلال هذه الثورات بتدخل الجيوش لتكون حامية للدستور وضامنة للحريات، لكانت ردة فعلنا الطبيعية الاتصال بأقرب مصحّ عقليّ.
لكن السابقة التونسية أثبتت أنّ «معجزة المواطنة» ممكنة بالفعل، منذ أن شقّ الجنرال رشيد عمار عصا الطاعة على رئيسه ـــ الجنرال بن علي، ورفض إطلاق النار على المتظاهرين، معجّلاً بنجاح الثورة وهروب الطاغية. ثم نزل إلى الشارع وسط جموع الثوار، لا ليُحمل على الأكتاف إلى سدة الحكم، وسط سيل الشعارات العربية العتيدة: «جيش، شعب معك أيها القائد الملهم»، بل ليتعهد للشباب الثائر بأنّ الجيش سيكون حامياً لمكتسبات الثورة، ضامناً للحريات الدستورية، ومدافعاً عن القيم الجمهورية.
ولعل هذه الكلمات لن تصل إليك، عزيزي القارئ، إلا وتكون «معجزة المواطنة» هذه قد تكرّرت ثانية في مصر، ما سيؤدي إلى تكريسها كحتمية تاريخية لا بد أن تنتشر تباعاً لتعمّ العالم العربي بأكمله. فالجيش المصري قام بدور طليعيّ في إطلاق موجة ثورات «الضباط الأحرار» في خميسنيات القرن الماضي وستينياته. وإذا تبنّى قادته اليوم «خيار المواطنة» في مواجهة «خيار البلطجة»، فإنّ بلد عبد الناصر سيكون مؤهّلاً مجدّداً لأداء دور إقليمي لا يقلّ طليعية، يتمثل في إخراج الأنظمة الجمهورية العربية من المأزق المؤسَّسي الذي تتخبط فيه منذ عقود.
فمع تلاشي الأحلام الطوباوية التي رافقت الأعوام الأولى لقيام ثورات «الضباط الأحرار»، لم تلبث أن انكشفت عورات الأنظمة الجمهورية العربية التي خرجت جميعاً من رحم الانقلابات العسكرية: إلغاء التعددية الحزبية، وتقزيم الحياة البرلمانية، وتخوين المعارضين، وإعادة تفصيل الدولة وأجهزتها ومؤسّساتها على مقاس الزعيم الأوحد والقائد الملهم. فإذا بمشاريع التحديث والتنوير والعصرنة تُوأد تحت نير التسلّط والأحادية الفكرية والسياسية.
في خضم ذلك، بدأت الثورات تأكل أبناءها، وشرع «الضباط الأحرار» في تصفية بعضهم بعضاً، إلى أن مُسخت جميع الأنظمة الثورية العربية، بلا استثناء، إلى «جملوكيات»، أو جمهوريات ذات طابع ملكي، خاضعة للزعامة الفردية المتسلّطة التي لا تختلف في شيء عن النماذج الملكية للاستبداد الشرقي، ما زجّ بالأنظمة الجمهورية العربية في أزمة وجودية جعلت آفاق الإصلاح والتجديد تنسدُّ تدريجاً، بما لا يترك مجالاً لتداول أو انتقال السلطة سوى عبر استنساخ المزيد من الانقلابات أو ... التوريث!
لكي يحصّن نفسه (وورثته من بعده) من شبح الانقلابات، تحتّم على القائد العربي الملهم أن يقصي ويهمِّش المؤسسة العسكرية التي خرج من صلبها، محيطاً نفسه بأجهزة قمعية بديلة: شرطة سرية، وحرس رئاسي، وميليشيات حزبية، وحاشيات منتفعة تضم «كوكتيلاً حارقاً» من النخب الفاسدة والمافيات وجماعات الضغط المتنفّذة، المستعدة لإحراق البلاد والعباد دفاعاً عن وليّ نعمتها الحاكم، فضلاً عن «الحلفاء» الأجانب، الذين لم تعد أكثرية الأنظمة العربية «المعتدلة» تستحي من الاستقواء بهم على شعوبها، علناً وعلى الملأ.
بذلك انتقلنا، من حيث لا ندري، من النظام العسكري المتسلّط إلى الدولة البوليسية المقيتة التي لا تكتفي باحتكار السلطة ونهب الثروات، بل تكتم على أنفاس الناس، إرضاءً لـ«النخب» الحاكمة الفاسدة والمترهّلة. نخب لا تُنازِع السواد الأعظم من شعوبنا في قوته ومصادر رزقه فحسب، بل تزداد على مرّ السنين تطاولاً على أمنه وكرامته.
لعل هذا ما جعل شبان «ثورات الكرامة» يرتمون حالياً في أحضان المؤسسات العسكرية، على أمل أن تستجيب لـ«واجب المواطنة»، فتسهم في تخليص شعوبها من هذا الوحش الكاسر الذي يحمل اسم الدولة البوليسية أو «دولة البلطجية»، كما يقول أشقاؤنا المصريون.
* كاتب وصحافي جزائري مقيم في باريس