«مصر هي أهم بلاد العالم»، كما كان يقول نابوليون بونابّرت. وقلب مصر هو العاصمة القاهرة، ومركز العاصمة ومحور اهتمام العالم الآن، هو «ميدان التحرير»، الذي أصبح، لأول مرة، اسماً على مسمّى. إذ تدور في الميدان وقائع معركة كبرى، مستمرة منذ خمسة عشر يوماً، أشعل لهيبها مئات الآلاف من الشباب الفتي، في سن الحلم والتوهج، وشارك فيها الملايين من أبناء الشعب، بمختلف طبقاته وفئاته. ملايين خرجوا بعدما طفح بهم الكيل، يريدون حقهم وحق وطنهم وأمّتهم في الحياة. ثورة هدفها تحرير الوطن والإنسان من حكم استبدادي فاسد، تسلّط على مقدرات البلاد والعباد، لثلاثين عاماً متصلة. فشاخ على مقاعد السلطة حتى تجمدت أوردته وتعفنت أوصاله وأقعده الفساد البنيوي عن أداء أبسط واجباته، وترهلت حساسيته فبات أصمّ عاجزاً عن السمع، وأعمى فاقداً القدرة على البصر، حتى استحق دفنه.

تجمّد النظام حتى أصبح عاجزاً عن التعامل في مواجهة كل صروف الحياة ومتغيّراتها ومتطلباتها، بدون استخدام قبضته القمعية الشرسة، التي توحّشت وطالت كلّ شيء: من السياسة إلى الاقتصاد، ومن الثقافة حتى الدين. كما تعاملت هذه القبضة مع أبسط مشكلات المجتمع من منظور أمني عدواني متعال، ينظر إلى المواطن المصري نظرة دونيّة، يملأها الازدراء والاحتقار، فأذلّت كبرياءه، وحطّت من كرامته، وروّعته في أمنه، وأفقدته القدرة على الشعور بقيمة الحياة الإنسانية، أو الأمل في المستقبل... ولهذا صار حتماً له أن يثور.

«حامل ثوري» من طراز جديد

أبرز مظاهر هذه الثورة الشعبية المصرية، التي دشّنت مع نظيرتها التونسية، عهد الثورات الشعبية فى القرن العشرين، أنّها أتت عن طريق «حامل اجتماعي» غير تقليدي. لم يكن هذا الحامل الطبقة العاملة أو طبقة الفلاحين، مثلما حدث في بعض نماذج الثورات الشيوعية، ولا القوات المسلحة مثلما حدث في العديد من «ثورات الجيش المباركة»، بعدما نجحت سلطات القمع فى تكبيل القوى السياسية، وشل قدرة الأحزاب، ومحاصرة منظومة المجتمع المدني. إنما حملت رياح الثورة أجيال الشباب الغضة، المتعلمة والمثقفة، التي وحّدتها ونظّمت حركتها ووجّهت خطواتها أدوات العصر التقنيّة المتطورة، العصيّة على الاعتقال أو المصادرة. أدوات ممثلة في أحدث مظاهر التطور التكنولوجي، والثورة المعلوماتية، وتكنولوجيا الاتصال وفايسبوك، وتويتر وغيرها.
لقد عوّضتهم هذه الوسائل الحديثة عن انهيار الأحزاب السياسية التقليدية، التي تمخّض عنها نظام «التعددية الشكلية» البائس. نظام صممه الرئيس الراحل أنور السادات على أنقاض «الحزب الواحد» المهيمن عليه من الدولة، بقبضة من فولاذ، بواسطة جهاز مباحث أمن الدولة.
وقد مكّنت الحيوية العمرية الشباب من التفوق على إمكانات جهاز قمع بشع، يحكم بموجب حالة طوارئ ممتدة منذ عام 1981، قوامه نحو مليوني مجند وموظف. جهاز يقتنص عشرات المليارات كميزانية سنوية، في بلد يعيش أكثر من نصفه تحت حدّ الفقر. الأمر الذي مكّنه، عبرعقود طويلة، من أن يحاصر بؤر المقاومة السياسية والاجتماعية، وأن يحوّل حياة المصريين إلى جحيم مستمر، بالتعاون مع حزب السلطة، «الوطني الديموقراطي»، الذي مثّل أسوأ صور تزاوج رأس المال (المنهوب أصلاً من الأموال العامة) مع رموز السلطة الفاسدة.

تراكمات ما قبل الانفجار العظيم

لكن خروج الملايين من أبناء الشعب المصري، على النحو المذهل الذي شاهده العالم، لم يكن وليد اللحظة، بل سبقته جهود هائلة، لعقود من العمل والكفاح، نهض بها المثقفون الثوريون، والعمال والفلاحون وسائر المنتمين إلى الطبقات المحرومة في المجتمع. طبقات تعرضت لغبن فاضح، ومعاناة جسيمة، ولم تتوقف عن الكفاح ـــ بكل ما تملك من طاقة، منذ تظاهرات الاحتجاج على أحكام مسبّبي الهزيمة عام 1968، وانتفاضات الحركة الطلابية في السبعينيات، وحتى الانتفاضة الشعبية في 18 و19 يناير 1977، إلى الآن.
إذ لم تَكُفّ الطبقات الشعبية، والمثقفون الوطنيون والثوريون، طوال هذه الفترة الطويلة، الممتدة طوال عهدي السادات ومبارك، عن الكفاح في مواجهة الطبقات الفاسدة المستبدّة، التي تحالفت مع الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة شعوبنا ومصالحها العليا. طبقات كدّست الثروات الهائلة المسروقة وأتخمت بها خزائن العائلة المالكة الجديدة، ومصاهريها الاقتصاديين والسياسيين الذين انطلقوا مثل الوحوش المفترسة في حالة بالغة الخطورة من السعار، يلتهمون الأخضر واليابس. كل ذلك في وطن كان يملك ما يُغني شعبه، ويحميه من التردي الاقتصادي والاجتماعي، على النحو المنظور.
وفي هذا المسار الطويل من العمل والتضحيات الكبيرة من أجيال الوطنيين المصريين، يمكن اعتبار خروج «حركة كفاية» إلى النور، (أواخر 2004)، بشعارها اللافت: «لا للتمديد... لا للتوريث»، وكسرها حاجز الخوف والرهبة من بطش النظام، بمثابة بداية مرحلة حاسمة فى الصراع. ذروة هذه المرحلة ما تشهده الآن من احتدام، تدرّب خلالها المئات من كوادر هذا الجيل على أعمال الاحتجاج السياسي والاجتماعي وأشكال النضال المدني، عبر معارك عدّة، كان أبرزها معركة «6 أبريل/ نيسان» 2008. حينها انتفضت مدينة المحلة الكبرى الصناعية بدلتا النيل، احتجاجاً على تردي أوضاع سكانها من العمال. كذلك، معركة شهيد القمع الأمني الشاب خالد سعيد الذي اغتالته أيدي الجلّادين، وغيرها من المعارك التي كانت بمثابة محطات مفصلية على درب الثورة المصرية الراهنة.

الشعب يريد إسقاط النظام

لا نزال فى البداية، فما حققته الثورة، وهو كبير بكل المقاييس، لا يعدو هز أركان النظام، وخلخلة بعض دعائمه، وإحداث شروخ عميقة في بنيانه. من المبكر تماماً تصوّر أنّ الثورة الشعبية المصرية انتصرت انتصاراً ناجزاً. فالنظام المتسلط القديم لم ينته بعد، بل على العكس تماماً، هو يملك الكثير من القدرات والقوى. صحيح أنّ المعركة الدائرة أرهقته، لكنّها لم تستنفد كلّ طاقته. هو الآن يناور مراهناً على عنصر الوقت، آملاً إرهاق الثورة وعزيمتها كي تتآكل فاعليتها، يوماً بعد آخر، حتى يأتي وقت مغادرتها الميدان، فترحل عنه بأقل الخسائر، ويعاود هو سيطرته، مستردّاً ما أُجبر على التراجع التكتيكي عنه.
أخطر مكونات «النظام المباركي» المحتضر، أي جهاز أمنه البشع، لا يزال طليقاً، ويملك إمكانات بشرية ومالية ولوجستية وتسليحية كبيرة. وتريد السلطة مهلة تسمح لها بإعادة بنائه، بعد الانفراط السريع في مواجهة ثورة الجماهير العارمة، التي انتقمت من سنوات قهره وإذلاله، فأحرقت معظم أقسام شرطته، وحاولت اقتحام معقله في ميدان «لازوغلي»، في معركة عنيفة سقط فيها نحو عشرين شهيداً ومئات المصابين. وقد تصرف هذا الجهاز بإجرام وعدم مسؤولية حين نفذ أوامر المجرم حبيب العادلي، وزير الداخلية السابق، المحددة إقامته، بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين المسالمين. ثم حين أطلق نحو 40000 مجرم وبلطجي وخارج على القانون، لترويع شعب مصر، وسحب قوات الشرطة تماماً، حتى يخلق فوضى شاملة وفراغاً أمنياً خطراً ومقصوداً، في رسالة إلى المواطنين: إما الإذعان وإما الخراب.
وحّدَت صفوف الملايين من أبناء الشعب المصري، الذين خرجوا يتحدّون الموت، واستشهد منهم المئات وأصيب الآلاف، شعارات محددة، لم تنجز بعد. ومفردات مثل «التغيير»، و«الحرية»، و«العدالة»، و«الكرامة»، ليست كلمات في المطلق. إنما هي عناوين لبرنامج سياسي ـــ اجتماعي شامل، يجب أن يتناول تفاصيل إعادة بناء الدولة المصرية، وصياغة توجهاتها الاستراتيجية الجديدة، لمصلحة الجماهير الغفيرة من الطبقات المسحوقة، ومن الشباب بالأخص، الذين انسدّت في وجوههم كلّ سبل الحياة اللائقة، واسودّت ـــ بفعل سياسات النظام ـــ أمامهم صورة المستقبل، لكنّهم لم يستسلموا لليأس، فكانوا على موعد مع القدر.
* عضو مؤسس في حركة «كفاية»