اسمان مصريّان تردّدا في سماء لبنان كشبحين في الأيام الماضية: وزير الداخلية السابق حبيب العادلي، ورئيس الاستخبارات العامّة عمر سليمان. حضر الأوّل باعتباره المتّهم بتفجير كنيسة القدّيسَين قبل أشهر. وفيما ذكّرنا بتفجير كنيسة سيّدة النجاة وغيرها من الأعمال التي يُقدم عليها الطاقم السياسي تحريضاً وتطويفاً ومذهَبةً، واجه وعينا بآليات عمل السلطات السياسيّة والأمنية في اللعب بالمجتمع وعقول المواطنين وسلوكاتهم... وردود أفعالهم.


ففي هذه النقطة يتقاطع العادلي ونظامه الأمني الاستبدادي الفاسد مع النظام عندنا، ويتشابه مع الطاقم السياسي، في العمل لإقامة فرز حاد بين المواطنين من خلال الإيحاء بأن ثمة مشاريع خارجية ومخاطر داخلية تتهدّد الوطن والنظام، لجعل كل «مجموعة» عدوّةً للأخرى، ولتغذية مزاعم الفرقة وإيديولوجياتها ومشاعرها كي يتمكّن النظام من السيطرة على الجماعات متفرّقة، مدفوعة بخوفها وبما تأجّج لديها من حقد تجاه العدوّ الداخلي أولاً. فاستراتيجية هذه الخطة ليست قتل مواطنين، ولا بث الثقافة الطائفية في المجتمع وحسب، وإنما التجديد للنظام، إذ تصوّره كملجأ وضمانة، لدى المسيحيين والمسلمين، الضحايا والمتهمين بتلك الفعلة الشنيعة.
وعلى الرغم من قسوة جريمة تفجير الكنيسة وبشاعتها، فإنّ الأسوأ منها هو حملة الدعاية والشائعات التي أُطلقتْ بعدها، وهي تشبه إلى حد بعيد إطلاق سراح المجرمين ـــــ البلطجية في شوارع مصر وميادينها وبيوتها وكل ما فيها.
في هذا، تشبه تقنية العادلي، القديمة المتجدّدة، تقنيات طاقمنا السياسي، بل ونظامنا الطائفي القائم على مثل هذه الآليات.
عمر سليمان يقدّم نموذجاً آخر ذا بُعد لا ينفصل عن الأول. فسليمان والعادلي ضمن وحدة فاعلة تدير لعبة النظام منذ عقود. سليمان الذي يحلو له ولفريقه الآن الزعم بأنه يخالف الإرادة الأميركية، انطلاقاً من دفاعه عن الاستقلال الوطني، لم يتوانَ بحسب وثائق ويكيليكس، وعلى مدى عقود، من تفزيع الإدارة الأميركية وغيرها من إدارات الدول الأجنبية، بالإخوان المسلمين الذين، بحسبه، يناصبون العداء للغرب وإسرائيل، وقد ولدت منهم الحركات الأصولية الإرهابيّة، وكما سعى العادلي داخلياً إلى تقديم النظام القائم كملجأ وضامن، كذلك نشط سليمان خارجيّاً لجعل النظام خياراً استراتيجيّاً يُسكَت عن استبداده وفساده لتأمينه مجموعة مصالح، وقيامه بعدد من الأدوار الإقليمية.
وفي هذه النقطة كأنّ عمر سليمان من طاقمنا السياسي، الذي يجتهد لتأليب هذه الإدارة أو تلك، دولية وإقليمية، على الآخر المحلي، لانتزاع تفويض ودور واستمرار في الحكم كيفما كان.
كأن آليات الاستبداد والفساد واحدة في أنظمتنا وبلداننا ومجتمعاتنا، لكن الفارق، وهنا المسألة، في تلقّي المواطنين والمجتمعات ذلك، كما لو أن الطائفية والمذهبيّة وتعميم ثقافة الفساد والإحباط والخضوع والخنوع والانسياق لذلك هي ما يجعل تلك الأنظمة تقوم وتتجدّد وتكسب «مشروعيّة» دوليّة. فمن دون ردّ فعل المواطنين على هذا النحو الطائفي والمذهبي والفسادي والإحباطي والاستسلامي لا تستقيم تلك الأنظمة، ولا تتوارث تلك الأطقم السياسيّة، ولا تروّج لنفسها في المحافل الدولية التي ترفع لواء الديموقراطية ونشرها في الدول والمجتمعات، وتعلّقها حين تستوجب مصالحها ذلك. فردّ فعل المواطنين وثقافاتهم من آليات تلك الأنظمة وتجدّدها.
الكرة في ملاعب المواطنين، إما أنّ يتلقّوا ويُلعب بهم، وإما أنّ يَلعبوا كمواطنين يستحقّون الديموقراطيّة والحياة ومتطلباتها. لا خيار ثالثاً في هذا الملعب المضاء الآن في تونس ومصر، بل وفي البلدان العربيّة الأخرى، وما على المواطنين إلا أن يروا ويصوغوا وعيهم ووجودهم.
وكما أن آليات الاستبداد والفساد، في معظمها، هي ذاتها، طائفية ومذهبية وإحباط وتلقٍّ واستسلام، وكما مثل العادلي وسليمان كثيرون عندنا وفي كل نظام استبدادي فاسد، كذلك فإن ثمّة الكثير من أمثال وائل غنيم بين المواطنين العرب... و«الفايسبوك» و«التويتر» متوافران لتظهير ذلك.