لم تتوقّف تصريحات الثناء على حسني مبارك، كانت خجولة قبل 25 يناير/ كانون الثاني، ربّما لعدم إغضاب الشعب المصري الذي شكّ من قبل في أن يكون رئيسه المفروض فرضاً، دميةً في يد إسرائيل (كما تردّد شعارات المحتجّين (والمحتجّات) في ساحة التحرير). البيب الأبيض أدرك أنّ إسرائيل غير مرتاحة إلى قبول واشنطن بتغيير شخصيّة الطاغية المصري، مقابل الحفاظ على النظام (مصر، «أمّ الدنيا»، أصبحت في المخيّلة الأميركيّة ــ الإسرائيليّة عبارة عن اتفاقيّة سلام بين مصر وإسرائيل


، ويستطيع 85 مليون مصري أن يذهبوا في «ستين داهية» ــ هذه هي العقليّة الحاكمة في واشنطن).
يعترف أوباما بأنّه يتباحث في الشأن المصري مع نتنياهو، كما أنّه يتباحث في شأن المسار الديموقراطي في مصر مع خبراء في الديموقراطيّة في العالم العربي، من أمثال الملك السعودي وحاكم الإمارات والملك الأردني ــ الذي اكتشف حب الفقراء في بلاده هذا الأسبوع، وقد صمتت زوجته على «تويتر» بعدما تلقّت كمية هائلة من السخرية عندما علقّت على انتفاضة تونس بالقول «إننا نراقب الوضع في تونس». خبير الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، دانيال شابيرو (وهو ليس خبيراً متدرّباً في شؤون الشرق الأوسط، مثله مثل سلفه إيليوت أبرامز، لكن التعصّب الصهيوني في واشنطن هو المؤهّل الوحيد في الغالب لمن يريد أن يعمل في الشأن الشرق أوسطي في الحكومة)، وهو من الذين ناضلوا لمنع «المنار» حول العالم، التقى بوفد من اليهود الأميركيّين للبحث في الشأن المصري. لم يُدعَ مصريّون ومصريّات إلى الاجتماع. يبدو أنّ إسرائيل ويهود أميركا يمثّلون اليوم كل سكّان العالميْن العربي والإسلامي. الهلع الإسرائيلي يقابله هلع رسمي عربي: وأمين عام جامعة الطغاة العرب، وهو مُنتقى من نظام حسني مبارك، يدعو إلى التحقيق في أعمال العنف قبل أن يرمي بترشيحه الرئاسي في الحلبة طمعاً بالكرسي.
لا تزال الولايات المتحدة تلعب لعبة قذرة مُستقاة من مؤامرات الخمسينيات الشهيرة. تتكلّم بطريقة توحي، لا بل تثبت، أنّ التعامل الغربي مع العرب لا يزال يعتمد على الفرضيّة الاستعماريّة والاستشراقيّة المُبتذلة: أنّهم أغبياء، وأنّ خداعهم سهل، وأنّ حريّتهم ممنوعة. هذه كانت فرضيّة العقيدة الصهيونيّة وهي لا تزال تسيّر الخطاب الغربي الرسمي (الأوروبي والأميركي على حدّ سواء). توالت التصريحات الغربيّة المقيتة وهي تتحدّث من ناحية عن حق الشعب في التظاهر، مع كلام ملتبس ومبهم عن ضرورة الإصرار على استمرار نظام مبارك. ليست مصر هي مصر، في الإعلام الغربي. اتفاقيّة السلام المصريّة ــ الإسرائيليّة اختزلت كلّ ما تحتويه كلمة مصر من شعب وتاريخ ودور عربي تاريخي. هي الاتفاقيّة لا غير. هيلاري كلينتون تجزم أنّه لا يمكن الإسراع في التغيير أو الانتخابات في مصر، وتتذرّع بطول الوقت الذي يستغرقه إعداد الجداول الانتخابيّة. نسيت كيف أنّ الإدارة الأميركيّة بشخص سفيرها في بيروت، جيفري فيلتمان، رفضت رفضاً قاطعاً تأجيل الانتخابات النيابيّة في لبنان بعد اغتيال السيئ الذكر رفيق الحريري عام 2005. القضيّة هي في ترتيب البيت المصري من أجل استمرار النظام واستمرار اتفاقيّة سلام تخشى، من دونها، الدولة العزيزة على قلوب دعاة آل سعود وآل الحريري، على حياتها.
ولكن هناك شحنات عاطفيّة مفرطة في بعض الأنحاء العربيّة، وخصوصاً في لبنان، حيث رفعت بعض التنظيمات الناصريّة (معدّل مستوى أعمار أعضائها لا يقلّ عن الستيّن) شعار «واناصراه»، وكأنّ عبد الناصر سيُبعث حيّاً في ساحة التحرير. يتعاطف الشعب العربي بوفرة مع انتفاضة الشعب المصري، لكن هناك تنبيهات قد يكون مفيداً أخذها في الحسبان في تناول الوضع المصري:
أولاً، إنّ الانتفاضة في مصر تعني أكثر من أي بلد عربي آخر، ليس فقط لأنّ مصر بحجمها ووزنها التاريخي تشكّل الرمز، بل لأنّ سياستها الخارجيّة أثْرَت منذ عهد السادات (ونظام حسني مبارك هو استمرار وامتداد عضوي لنظام السادات) الاستعمار الصهيوني وقوّضت دعائم مقاومة إسرائيل في المنطقة. ألهبت انتفاضة تونس مشاعر العرب، وشكّلت قدوة، لكن انتفاضة مصر هزّت العالم العربي وإسرائيل وأميركا، وضعضعت هيكليّة جمعيّة الطغاة العرب. (هناك من سخر على «الفايسبوك» أنّ القمّة المُقبلة في الجامعة العربيّة ستكون لقاء تعارف، ليس إلا).
ثانياً، يواجه الشعب المصري ــ مثلما واجه عام 1967 ــ تكالباً إقليميّاً وعالميّاً عنيفاً. إنّ حسني مبارك توقّف عن كونه اسماً لشخصه أو لنظامه. حسني مبارك بات عنواناً لإصرار إسرائيلي ــ أميركي على الحفاظ بأي ثمن ــ بقياس حياة الشعب المصري وأرزاقه ــ على اتفاقيّة السلام المصريّة ــ الإسرائيليّة. يتمتّع نظام حسني مبارك بتأييد النظام العربي الرسمي والاتحاد الأوروبي وإسرائيل وأميركا. هذا ليس مثل النظام المُحاصر في كوبا. هذا لا يجب أن يثبّط عزيمة الشعب المصري، بل يدلّل على شجاعته.
ثالثاً، يضفي الكثير من العرب على انتفاضة مصر تمنيّاتهم وتمنيّاتهن. يقتنع الكثير من العرب ــ من دون دليل أو قرينة ــ بأنّ الانتفاضة في مصر اندلعت من أجلهم وأجلهنّ. وهناك مفارقات في هذا الصدد: عندما ترى تظاهرات تأييد لانتفاضة مصر في سوريا أو الأردن، مثلاً. إنّ الانتفاضة في مصر محليّة في أهدافها إلى الآن، وإن كان ارتهان حسني مبارك لإسرائيل وأميركا نقطة اعتراض مشتركة بين المُنتفضين. لكنّ شعارات الانتفاضة لم تجعل من السياسة الخارجيّة نقطة انطلاق، حتى إنّ القيامة لم تقم في أوساط المعارضة المصريّة عندما طمأن محمد البرادعي (بالإنكليزيّة) الصهاينة في الغرب إلى أنّ اتفاقيّة السلام بين مصر وإسرائيل هي في أمان، حتى لو وصل حضرته إلى سدّة الرئاسة.
رابعاً، تنتاب الثقافة السياسيّة والشعبيّة في مصر ــ عند الحاكم والمحكوم ــ نبرات ونوبات من الوطنيّة المصريّة الشوفينيّة، وهي تتشارك فيها مع نسق النازيّة اللبناني ــ أي الوطنيّة أو القوميّة اللبنانيّة، من حيث التقرّب من الرجل الأبيض و«حضارته» والمحاولات المستميتة لكسب رضاه، بالإضافة إلى الإيمان بتفوّق العنصر المصري على غيره من العرب. وقد وسمت الانتفاضة في مصر مظاهر من الوطنيّة المصريّة ــ وهي لم تأت من عدم، بل كانت جزءاً من مخطّط «كامب ديفيد»، وقد نجح فيها السادات أيّما نجاح. هذا يفسّر تغاضي البعض في المعارضة عن الدور الحقيقي للجيش المصري في قمع الانتفاضة وتنفيذ أوامر مبارك حتى اللحظة الأخيرة. وأطبق نظام كامب ديفيد على قيادة الجيش المصري وأمسك بناصية قراره، مقابل امتيازات وتنعّم لحملة النجوم المُزركشة. والشوفيّنيّة المصريّة (التي تردّد خزعبلات فرعونيّة مثلما تردّد الشوفينيّة اللبنانيّة خزعبلات فينيقيّة وإن كانت حضارة الفراعنة حقيقيّة خلافاً لما ساد بين المجموعات الفينيقيّة المُتنازعة) ستؤثّر على تقرير مصير «كامب ديفيد» إذا ما نجحت الانتفاضة في إسقاط النظام، وقد تساعد هذه القوميّة في المحافظة على الاتفاقيّة المشؤومة ــ وهذا ما يتمنّاه العدوّ الإسرائيلي.
خامساً، لن تنجلي حقيقة الوضع في مصر قبل أشهر وسنوات إذا تقدّمت الانتفاضة في سيرها إلى الأمام، مع احتمال حدوث كبوات وعوائق بالنظر إلى أهميّة مصر بالمنظار الاستراتيجي الإسرائيلي (باشرت حكومة العدوّ الموافقة على طلب زيادة الموازنة العسكريّة بعد أيّام فقط من اندلاع الاحتجاجات في مصر). إنّ ما يحصل في تونس، وما حصل في ثورات من قبل حول العالم، يشير إلى مسار غير قصير وصعب لكلّ الثورات: فيه صعود وانحدار وركود. يواصل الشعب التونسي ثورته في مناطق مختلفة من البلاد. أدرك أنّ ضربة واحدة قاضية لا تكفي لإسقاط نظام وأجهزته، وأنّ النظام قادر على الاستمرار والانتعاش دون وجود رأس النظام. قد تفرز الانتفاضة في مصر قادة وأفكاراً وحركات ليست موجودة الآن على رادار الرصد السياسي والإعلامي.
سادساً، لم تعد المؤسّسة العسكريّة المصريّة مؤسّسة محايدة ــ وكأنّ هناك جيشاً محايداً في صراع داخلي ــ أو مُنزّهة منذ أيام كامب ديفيد. إنها تخضع بالكامل للمشيئة الأميركيّة ــ الإسرائيليّة وكانت مساهمة في القمع الداخلي منذ اليوم الأوّل في القاهرة. تحتاج إلى تلميع صورتها وإلى خداع الجماهير. هناك حاجة أميركيّة إلى الاستعانة بالجيش للقمع الداخلي ولحماية إسرائيل في المستقبل. لكنّ الجيش حظي بعناية خاصّة في الأسبوع الماضي، إذ إنّ إسرائيل التي تحتكر سيادة مصر وفق «كامب ديفيد» سمحت للجيش صاحب الهزائم المتوالية في الحروب مع إسرائيل (بالرغم من شجاعات فرديّة، قياديّة ونَفَريّة على مرّ السنوات، وخصوصاً قبل عهد مبارك) بتحريك بضع مئات من جنوده في أرض سيناء التي أثبتت إسرائيل لنا، مرّة أخرى، أنّها لا تزال محتلّة.
يسود في أوساط صفوف المُنتفضين (والمُنتفضات) وفي أوساط قيادة المُعارضة تهليل وتبجيل لدور الجيش المصري. لكن قيادة الجيش ــ على مستوى الثلاث نجوم وما فوق ــ جزء لا يتجزّأ من النظام: والنظام هو نظام كامب ديفيد. أي أن الولايات المتحدة وإسرائيل أشرفتا على تشكيل جسم النظام من أجل: 1) خدمة إسرائيل عسكريّاً واستخباريّاً؛ 2) محاربة مقاومة إسرائيل في كل أنحاء العالم العربي (لم يتبنَّ حسني مبارك سمير جعجع وفؤاد السنيورة إلا تنفيذاً لواجباته نحو إسرائيل)؛ 3) ترتيب رصّ صفوف القمع الداخلي في أجهزة الأمن والجيش والاستخبارات حفاظاً على النظام. والجيش المصري لم يتوقّف لحظة منذ اندلاع الانتفاضة عن خدمة النظام، وبوادر التعاطف بين الجنود والمتظاهرين والمتظاهرات كانت عفويّة. ومحمّد حسنين هيكل (ألم يخلف بوعده عندما وعدنا بالصيام عن الكتابة؟) يثني على الجيش وعلى قياداته وكأنّها هي مُنفصلة عن نظام مبارك. إنّ إسقاط النظام شعار عميق، لكنّه يقتضي جملة من الإجراءات لا تقتصر على ــ لكن تتضمّن ــ تطهير قيادة الجيش وتغيير عقيدته الـ«كامب ديفيديّة».
سابعاً، مسار ما تسمّيه أميركا «الإصلاح» ما هو في الحقيقة إلا مسار توطيد دعائم نظام مبارك دون مبارك: أي إصلاح نظام القمع من أجل إطالة عمره. تستعين الإدارة الأميركيّة بذرائع مختلفة. هناك دوماً فزّاعة الإسلام، بالإضافة إلى ذرائع إجرائيّة، مثل فتوى هيلاري كلينتون عن مدّة إعداد جداول الناخبين. تريد أميركا من مبارك أن يستمرّ (وهي تسرّب أخباراً مضحكة عن عناده وكأنّها لا تستطيع أن تأمره بالبقاء لو شاءت، ومن المحتمل أنّها أمرت بن علي بالبقاء لكنّه اختار الرحيل على عجل حفاظاً على حياته)، كي يشرف على عمليّة تشكيل نظام جديد ترضى عنه أميركا وإسرائيل (هذا هو إصلاح هيلاري كلينتون). ولم تكن مهمّة فرانك ويسنر (مبعوث أوباما الخاص إلى مصر) إلا لطمأنة مبارك، وقد كان أقلّ كذباً من كلينتون حول دوافع مهمّته (كان حاسماً في تأييده المحافظة على مبارك للإشراف على عمليّة «الإصلاح» ــ من يصلح الطغيان أفضل من الطاغية؟).
ثامناً، لا تحتاج انتفاضة مثل الانتفاضة الشعبيّة في مصر إلى النصح من الخارج (وخصوصاً لمَن يقطن، مثلي، خارج العالم العربي)، لكن دراسة الثورات ونقدها يجب أن يبدآ بمجرّد أن تبدأ الثورة (أو الانتفاضة بصورة أدقّ). ونقد الثورات والانتفاضات يفيد أكثر من العطف الرومنسي. أضرّت بالقضيّة الفلسطينيّة الهالة الرومنسيّة التي أحاطت بانطلاقة الثورة بعد 1967، فكان أن تلقّت كمّاً هائلاً ورديئاً من الشعر، وكمّاً آخر من الثناء القاطع، ما عزّز نزعة التفرّد والغرور التي تحكّمت في قيادة ياسر عرفات ــ الذي كان في صدارة مَن أسهم في التأهيل العربي لحسني مبارك عام 1982.
تاسعاً، ليتحفّظ بعض فرقاء 8 آذار في لبنان، وأطراف ما يُسمّى «الممانعة» في الشرق العربي، في محاولة إسقاط شعاراتهم على الانتفاضة المصريّة. لا يكفي التحليل الماركسي الميكانيكي في التعاطي مع إشعال الغضب المصري لأنّ قضايا العزّة والكرامة لا تندرج في كلاسيكيّاته (لنتذكّر حادثة أو شرارة «دانشواي» عام 1906 التي قال فيها حافظ إبراهيم: «قتيل الشمس أورثنا حياة،‏ وأيقظ هاجع القوم الرقود/ فليت كرومر قد بات فينا، ‏يطوِّق بالسلاسل كلّ جيد/ لننزع هذه الأكفان عنّا‏، ‏ونبعث في العوالم من جديد»).
كذلك فإنّ محاولة تصوير الانتفاضة رغبة من الشعب المصري للانخراط في محور الممانعة هي مغالطة مُتسرّعة، هذا من دون نفي ورود قضايا السياسة الخارجيّة في شعارات الشعب المصري الغاضب. ولكن لو علم المتظاهرون والمتظاهرات في ميدان التحرير بتلخيص عبد الرحيم مراد لقضيّتهم لغادروا الميدان على عجل. ولا يستطيع معسكر 8 آذار أن يبالغ في إظهار حماسة فظيعة لانتفاضة مصر لأنّه يمثّل معسكراً لا يحترم مشاعر شعوبه وحريّاتهم. أي أنّ المؤهّلات الديموقراطيّة ــ إذا شاء المرء أن يعمل بالمعايير الديموقراطيّة ــ ضعيفة في كلا المعسكريْن المتنازعيْن في المنطقة.
عاشراً، من المبكّر إضفاء سمات على انتفاضة مصر، أو الجزم بثوريّة التحرّك. ليس بعد. الصديق سنان أنطون شبّهها بكومونة باريس، والصديق عامر محسن رأى فيها حركة فوضويّة. ينسى الرفيقان أنّ الانتفاضة في مصر لا تزال سلميّة، الكومونة في باريس كانت مسلّحة، كما أنّها تمتّعت، مثلها مثل الحركات الفوضويّة، بمضمون طبقي حاسم لا شك فيه. الكومونة كانت تعبيراً عن وعي طبقي عامِل، مثلها مثل الحركات الفوضويّة (بعض الحركات الفوضويّة كانت ذات قاعدة فلاحيّة مثل حركة «نستر مخنو» في أوكرانيا أثناء الحرب الأهليّة التي تلت الثورة الروسيّة). المضمون الطبقي لانتفاضة مصر يبدو جامعاً، وقد يكون ذلك نقطة ضعف في الانتفاضة لأنّ الطبقة المتوّسطة لا تشن ولا تلتحق بثورات. الطبقة المتوسطة تجهض الثورات، وهي من أيّام ما كتب أرسطو في كتاب «السياسة» مُحافِظة ومانِعة للتطرّف. أما الثورات، فهي في أساسها متطرّفة. الطبقة المُتوسطة تحمل معها إلى الثورة المصريّة فكراً ليبراليّاً، والليبراليّة مُفسدة للثورات. وقد يكون الحرص اللاعنفي لانتفاضة مصر تجلّياً لدور الطبقة الوسطى ولجيل متأثّر بالدعوات الغربيّة لشعوب المُستعمرات السابقة بضرورة الالتزام باللاعنف لأنّ العنف من احتكار الرجل الأبيض وأتباعه حول العالم. يحتاج المشهد في مصر (وحتى في تونس) إلى أشهر وسنوات للتبلور (ومن التبلور) من أجل إعطاء القدرة على تحديد سمات التحرّك ووصفه في علم الاجتماع. إنّ التنوّع الطبقي في صفوف الاحتجاج المصري هو عنصر قوّة (في مواجهة النظام) وعنصر ضعف من حيث تمييع المطالب (لا يستوي شعار إسقاط النظام، مثلاً، مع أي قبول للتعامل مع رئيس جهاز استخبارات النظام نفسه).
حادي عشر، من حق الشعب المصري أن يرفع الشعارات التي يريد وأن يركّز على أولويّاته. قد لا يكون إغلاق السفارة الإسرائيليّة من أولويّاته في مرحلة تسبق إسقاط النظام. لكن الانتفاضة الغاضبة، إذا تطوّرت إلى حركة معارضة سياسيّة واضحة المرامي، فستصطدم بواقع «كامب ديفيد»: العلاقة بين سياسة مصر الخارجيّة (المُتحالفة مع إسرائيل) والسياسة الداخليّة علاقة جدليّة. حتى الفساد كان مرتبطاً بـ«كامب ديفيد» لأنّ هطول المساعدات الأميركيّة ضخَّمَ ثروة مبارك ومصادر الفساد في الدولة، كما أنّ «الانفتاح» الاقتصادي الذي بشّر به السادات فتح مصر أمام استغلال الشركات الغربيّة العملاقة وأتاح الفرصة لإنتاج طبقة من الأثرياء المُنتفعين المستفيدين من العلاقة مع النظام. كما أنّ أصحاب المليارات هم من نشطاء التطبيع ــ رغم فشله الذريع في المحصّلة النهائيّة وإن كان مفروضاً من النظام.
ثاني عشر، الحدث المصري حدث إقليمي وعالمي. تعلم أميركا ذلك، ويقلقها أيّما قلق. إسرائيل تشعر بالهلع وتتصنّع طمأنة النفس. لن تكفي زيادة الموازنة في تحصين إسرائيل من خطر المَحْق اللاحق. لكن التغييرات بعيدة المدى وكبيرة التأثير. والتعاطي الأميركي (والإسرائيلي) لم يُحسم بعد لأنّ أميركا فوجئت بما يحصل في العالم العربي. (عزا ديفيد إغناطيوس في مقالته في صحيفة «واشنطن بوست» قصور الاستخبارات الأميركيّة إلى اعتمادها شبه الكليّ في العالم العربي على أجهزة الاستخبارات المُوالية، أي أنّ عمر سليمان كان عيونها وآذانها في مصر، ومن المفهوم عندها أن يصدر جيفري فيلتمان تصريحه الشهير أنّ انتفاضة تونس هي «محض تونسيّة»).
قافلة التغيير العربي تأخّرت، وهي ستتعثّر لأنّ قوى الثورة المضادة لا تختلف في شراستها عن تلك القوى التي تضافرت ضد الثورة البلشفيّة. لن يهنأ بال إسرائيل بوجود دولة عربيّة ديموقراطيّة مُجاورة (مسخ ديموقراطيّة لبنان لم يكن مزعجاً لإسرائيل ــ على العكس، سمح لها من خلال النظام الطائفي أن تتسرّب وتخرّب من الداخل). والنظام العربي الرسمي يدرك فداحة خسائره جرّاء الطاغية المصري الأم ــ هذا الذي قاد كلّ مسيرات رعاية الحروب الأميركيّة والإسرائيليّة في العالم العربي، فكان خير سلف لأسوأ سلف. ملك البحرين يتصل بصورة شبه يوميّة بحسني مبارك: لعلّه يحاول أن يطمئن إلى مستقبله هو. وواحد من أبناء الشيخ زايد (كان وصف محطة «الجديد» له بـ«العظيم» مقزّزاً) المنضوين في حلف وثيق مع إسرائيل وقد يكونون شاركوا في اغتيال المبحوح، وهو وزير الخارجيّة، قرّع تعاطي الإعلام ــ ويقصد «الجزيرة» ــ مع الحدث المصري. يريد هذا الشخبوطي من الإعلام العربي أن يتعاطى مع انتفاضة شعب مصر كما يتعاطى إعلام سلالته مع قمع العمّال الآسيويّين في بلاده هو. ملك الأردن وزوجته لم يزورا «دافوس» ــ ودافوس محجّة لأصحاب السلطة والثروات في عالمنا العربي لأنّهم يرغبون في الاقتراب من الرجل الأبيض في أوروبا، والعقيد خفّف من هذيانه لأسبوع، والنظام في سوريا أعاد السماح بـ«الفايسبوك» ــ لم يعلم أنّ الشعب السوري أذكى من نظامه ويستطيع أن يزور ما يشاء عبر بدائل الإنترنت.
لنا أن نحلم، ولنا أن نتفاءل، ولنا أن نتسمّر أمام الشاشات في حالة غليان. لكن المسيرة لم تنتهِ: لقد بدأت، وهي واعدة.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)