تشكّك المتشكّكون بأن رئة الحرية التي تنفّست بها تونس الصعداء يمكن أن تلد أخواتٍ لها، شرقاً وغرباً. وظل البعض يتشكّك، حتى بعد أن زلزلت مصر زلزالها، وأوشكت أختها، ليبيا، على أن تلفظ اسمها، كاملاً، من جديدٍ، بحناجرَ لا يسكتها الرصاص وبصدور وقلوب تكتب الحرية بجراحاتها. لكن «تونس» ـــــ وما أدراك ما تونس؟ ـــــ في كل مكان. وروح ذاك الطائر الخرافي ـــــ البوعزيزي ـــــ كما جاء في كتاب «منطق الثورة» (الذي لم يكتمل بعد) تحلّق مع أسراب الشهداء في كل سماء، من البحرين إلى المغرب ومن عُمان إلى عمّان.

تشكّك المتشكّكون في أن يصل الطوفان إلى العراق. وظنّ من ظنّ أنّه، بخصوصيّاته وتاريخه المعقّد، بعيد أيّما بعد عن تونس ومصر. فأهله مثخنون بجراحات الطغيان والحروب والاحتلال الحربائي. ونسيجه الاجتماعي المعقّد مزّقته الكوارث والعنف الطائفي والإرهاب. لذا، يستحيل أن يجتمع شبابه على أمرٍ ما، أو أن يتضامنوا خارج الأطر الضيقة والهويات الجديدة التي أفرزها العقد الأخير. قالوا إن العراق خارج المعادلة.
تشكّك المتشكّكون، لكن شباب العراق أثبتوا، كما أثبت رفاقهم ورفيقاتهم في تونس ومصر وليبيا، أن الخرائط القديمة قديمة، وأنهم سيصوغون معادلة العراق الجديدة. وأثبتوا أنهم أذكى وأشجع من النظام السياسي الذي عاث بالعراق فساداً وعجز عن أن يوفر الحد الأدنى من معيشة كريمة للمواطنين بعد ثمانٍ عجاف، بينما راح الساسة يدخلون الكتب القياسية فساداً وإفساداً وعجزاً ومماطلة. لقد توهّم النظام والمصطفّون معه وخلفه أن بإمكان اللعبة الطائفية أن تستمر إلى الأبد وأن العراق بثرواته جنّة وهبها الله لهم وحدهم على الأرض مثلما حلّل لهم أن يتركوا الشعب يتلوّى في الجحيم الذي صنعه الاحتلال على أنقاض جحيم الديكتاتورية.
وهكذا بدأت النداءات والاستعدادات في الشهر الماضي للخروج بتظاهرات سلمية واسعة في الخامس والعشرين من كانون الثاني في ساحة التحرير ببغداد وجميع أنحاء العراق ليأخذ البلد مكانه على خريطة المد التحرري الديموقراطي الذي اكتسح العالم العربي. وأزهرت صفحات على الفايسبوك بأسماء شتّى (الثورة العراقية الكبرى، انتفاضة الغضب، وغيرها) انضمّ إليها عشرات الآلاف من العراقيين والعراقيات في غضون أيام واكتظت بتعليقاتهم التي تعكس غضباً عارماً وعطشاً حقيقياً إلى عراق جديد. وتختلف هذه التحركات في سقف مطالبها، من الإصلاح وإنهاء الفساد إلى الإسقاط وكتابة دستور جديد. لكنها تجتمع على ضرورة أن يقول العراقيون كلمتهم بحرية وأن يعبّروا عن غضبهم ورفضهم لما آلت إليه الأوضاع، وأن يستعيد الشعب المبادرة.
وفي سيناريو أصبح مألوفاً جدّاً، لجأ النظام إلى بعض الأساليب التي استخدمتها الأنظمة العربية المرتبكة. فأعلنت خفوضات في رواتب المسؤولين الخيالية ووعوداً بالنظر في مطاليب المواطنين وتحقيقها. لكن النظام وأبواقه لجأوا إلى الترهيب بفزّاعة البعث والإرهاب و«المندسّين» والغوغاء (والمفردة صدّامية المنشأ) الذين قيل إنّهم سيجيّرون التظاهرات لمصلحتهم ويستغلّونها لمآربهم. وطلب المالكي في خطاب متلفز من الشعب ألّا يتظاهر! وباستثناء مبادرات فردية غرّدت خارج السرب، اصطفت المؤسسات الدينية بكل طوائفها (كما حدث في مصر) مع النظام مطالبة العراقيين بعدم التظاهر. وبالرغم من منع الشاحنات والسيارات من الوصول إلى ساحة التحرير قبل يوم من موعد التظاهرة لإجهاض بؤرة التظاهرات ولمنع الإعلام من تغطيتها، وبالرغم من منع المتظاهرين في كثير من المناطق على أطراف بغداد من الوصول إلى قلب بغداد، فإن ساحة التحرير اكتظت بآلاف العراقيين. كذلك خرجت تظاهرات في مدن العراق شمالاً وجنوباً من البصرة وحتى الموصل والسليمانية.
وكما طلب المنظّمون وحرصوا، لم تكن هناك صور لأي سياسي، ولم تكن هناك شعارات طائفية أو حزبية. كان المرجع الوحيد هو العراق: (العراق مرجعنا) كما جاء في أحد شعارات المتظاهرين في الناصرية. إذاً «عراق، عراق، ليس سوى العراق». ولم يكن هناك أثر للبعثيّين ولا لغيرهم. وكان ردّ فعل النظام، الذي فشل في حماية العراقيين من شتّى أنواع العنف لسنين طويلة، لا بل مأسسه وجذّره في حياتهم، هو العنف. فقتل المتظاهرين العزّل وسقط ما يقارب ثلاثين شهيداً. واعتُدي كذلك على بعض الصحافيين والمثقفين واحتُجزوا بعيد المظاهرة. وخرج المالكي (أو الهالكي كما يسميه البعض) ليشكر الأجهزة الأمنية والقمعية على قيامها بواجبها.لم يثبط هذا من عزيمة المنظمين والمتظاهرين، بل زاد من غضبهم وتصميمهم على مواصلة الاحتجاجات ورفع سقف مطالب الكثيرين منهم بإسقاط الحكومة وتأليف حكومة جديدة، لا بل كتابة دستور جديد، وخصوصاً بعد سقوط الشهداء. وهكذا فالجمعة المقبلة هي «جمعة الكرامة» في ساحة التحرير وفي جميع أنحاء العراق الذي لم تتوقف فيه الاحتجاجات والتظاهرات واستمرت في بعض المدن وفي الجامعات خارج بغداد، وفُرض حظر التجوال في الكثير من المدن والمحافظات بهدف السيطرة على الموقف.
لا يمكن التنبّؤ بما سيحدث بالضبط، لكن يبدو جلياً أن العراق ليس خارج المعادلة، وأن شبابه الغاضب المتعطش للحياة يريد عراقاً جديداً ونظاماً سياسياً لا تقوده وتحتلّه طبقة من اللصوص (آخر فضائحهم اختفاء ٤٠ مليار دولار من صندوق التنمية. تصوّروا المبلغ!) والطائفيين الذين يتناسب إفلاسهم الأخلاقي والسياسي طردياً مع غناهم الفاحش وفسادهم الأولمبي. سيتشكّك البعض بإمكان إنجاز ثورة كاملة مكتملة كما في تونس ومصر (والثورة مستمرّة في البلدين؛ لأنها ثورة شاملة لن تكتفي بإسقاط الرموز، بل تريد تغييراً جذرياً للنظام ومؤسساته وخطابه وممارساته) للأسباب التي ذكرناها أعلاه. مع ذلك، أكّد الكثير منّا عندما وقفنا ضد الحرب والاحتلال قبيل ٢٠٠٣ وبعدها ونعيد القول اليوم، إنّ نظاماً سياسياً طائفياً وُلد وترعرع في كنف الاحتلال وإن دستوراً كتبه مستشرق أميركي في بداية الثلاثينيات من عمره ما كانا سيصلان بالعراق وأهله إلا إلى الكوارث التي حلت بالعراقيين. كذلك فإن طبقة من اللصوص المحترفين ومزوري الشهادات ومقاولي الاحتلال أو الطائفية أو مصالح غير العراقيين لا يمكن أن تضحك على الشعب طويلاً. نعم، لقد أنهكت وحشية نظام صدّام الشمولي والحصار والحروب والاحتلال أجيالاً من العراقيين والعراقيات وأثقلت كواهلهم بالكوارث والفواجع، لكن جيلاً جديداً يهبّ الآن ليحمل العراق على أكتافه وسواعده القوية في ساحة التحرير في بغداد وفي كل ساحات العراق.
ومن الطبيعي أن تكون ساحة التحرير تحديداً بؤرة الغضب العراقي. فهي قلب بغداد الذي يحتضن واحداً من أجمل معالمه، هو نصب الحرية الذي أنجزه الفنان الخالد جواد سليم (١٩٢٠ـــــ١٩٦١) عام ١٩٦١ بعيْد ولادة الجمهورية العراقية التي أنهت العهد الملكي والنفوذ البريطاني في ١٩٥٨، والتي لا يمكن أحداً، بالرغم من الانتقادات التي يمكن توجيهها، إنكار منجزاتها بترسيخ العلمانية وتشريع وتطبيق قوانين العدالة الاجتماعية والمساواة والتنمية قبل أن يغتالها البعث في ١٩٦٣. لقد حاول نظام البعث في الثمانينيات أن يهمّش ساحة التحرير ونصب الحريّة لارتباطهما بمرحلة عبد الكريم قاسم، فأنشأ النُّصُب وهدّم الجندي المجهول وبنى نصباً قبيحاً ليحل محله وأنشأ ساحة الاحتفالات في الكرخ لتكون المركز الجديد لفعاليات القائد ومسيراته الإجبارية. وفي ٢٠٠٣ أصبحت ساحة الفردوس، عملياً، مركز بغداد ورمزها الأكثر شهرة، لقربها من تمركز وسائل الإعلام الدولي ولإسقاط المارينز صنم صدام فيها. وإذا كانت المنطقة الخضراء المدجّجة والمسوّرة قد أصبحت مركز الثقل السياسي والرمزي للنظام العراقي بعد ٢٠٠٣، فإنّها بقصورها الفارهة وبمن يقبع في بناياتها، لا ترمز اليوم إلا إلى نهب العراق واستباحته وتدمير ما كان قد بقي منه. وعلى الضفة الأخرى من دجلة الخير وقف العراقيون، وسيقفون، في ساحة تحرير العراق. سيقفون من جديد تحت نصب الحريّة الذي يسرد ويرمز إلى تاريخ أشمل وأعمق لثقافات العراق وثورته ونضال شعبه. نضال من أجل قيم خالدة وكونيّة: الحرية والعدالة والكرامة.
إنّها ساعة الحق والحقيقة، وبداية النهاية لحكومة الاحتلال ورموزها وزمن الطائفية وكابوسه.
فصباحُ العراقِ يا عراقْ!
و«سلام كلّهُ قُبَلُ/ كأنَّ صَميمَها شُعَلُ».

* شاعر وروائي عراقي. أستاذ مساعد في جامعة نيويورك