تدل التطورات (الدراماتيكية) والحالات المأساوية التي تمر بها الدول العربية منذ بداية العام، على أنّ مجتمعاتنا بدأت فعلاً تدخل إلى ما يمكن تسميته «مجتمع المخاطر». وسبق ذلك ما شهدته بلدان أوروبية عدّة، من تحركات اجتماعية احتجاجية، في مواجهة التدابير التقشفية التي اتخذتها حكومات تلك البلدان في إطار معالجة ديونها وأوضاعها الاقتصادية المتدهورة.

وإذا كانت البلدان المتقدمة قادرة على تجاوز تداعيات تلك التحركات، بفضل ما لديها من آليات واكتمال بنيانها المؤسساتي، فإنّ الدول النامية، ومنها البلدان العربية، لا تستطيع ذلك إلا عبر مجموعة من الإجراءات الآيلة إلى تغيير قواعد التحولات الجارية.
لم تخلُ الحركات الاحتجاجية الأوروبية من مواقف مأساوية. ففي واحد من هذه المواقف شهد البرلمان الروماني في بوخارست، عملية احتجاج درامية، إذ قفز موظف في التلفزيون الحكومي الروماني، من شرفة البرلمان احتجاجاً على التدابير التقشفية والغلاء وارتفاع الضرائب. حدث ذلك حين كان رئيس الحكومة يدافع عن هذه الإجراءات أمام البرلمان، فيما صاح الرجل وهو يقفز إلى وسط القاعة «قتلتم مستقبل أولادنا وبعتمونا».
ومن بوخارست، إلى مدينة «سيدي بوزيد» في تونس، إلى أقاصي المعمورة، حيث يتربع «اقتصاد السوق» وتسود قوانين الرأسمالية الجائرة، تمتد حركة الاحتجاج، وتأخذ ذلك الطابع المأساوي. ففي تونس، التي تغنّى بتجربتها الاقتصادية بعض الاقتصاديين والمسؤولين الحكوميين في بلادنا، وخاصةً من خلال «ما حقّقته» من انتصارات اقتصادية مزعومة في انضمامها إلى الشراكة الأوروبية المتوسطية، تمثّلت المأساة من خلال قيام المواطن التونسي (محمد البوعزيزي) بحرق نفسه، احتجاجاً على ما يعانيه وأمثاله العديدين من مهانة وإذلال نتيجة البطالة والفقر.
إنّ الصرخة التي أطلقها الشاب الروماني الذي ألقى بنفسه من شرفة البرلمان في بوخارست، ورائحة الدخان المنبعثة من جسد محمد البوعزيزي وهو يحترق في سيدي بوزيد، وتفجر أحداث الاحتجاج الاجتماعي في شوارع المدن الأوروبية، وفي الشوارع التونسية والجزائرية وفي شوارع القاهرة وغيرها من المدن العربية، جميع هذه الأحداث تعكس حالة الإحباط واليأس التي وصلت إليها معاناة الناس. معاناة من السياسات الاقتصادية والمالية التي تتّبعها الحكومات، في ظل أيديولوجية السوق الليبرالي الاقتصادي الجديد. أيديولوجية أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة، واتساع دائرة الفقر، وسط حالة اللامبالاة والتهميش التي تفرضها الحكومات، تجاه المطالب الشعبية. مطالب تهدف إلى تحسين الأوضاع المعيشية وإيجاد فرص العمل لجيش العاطلين. الى جانب التهميش، تعمد الحكومات إلى زيادة سياسات محاباة الأغنياء، وفرض حالة من الحصار الأمني على المطالبين بتوفير فرص العمل.
لقد جاءت التحولات الاقتصادية والاجتماعية، التي اكتسحت العالم، نتيجة لمجموعة من المتغيرات. متغيرات بدأت مع انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط النظام الثنائي القطبية وبروز العالم الأحادي القطبية. نظام انفردت فيه الولايات المتحدة بالهيمنة على النظام العالمي، في محاولة منها لفرض جدول أعمالها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي على دول العالم وشعوبه. فروّجت للعولمة ولاقتصاد السوق، في سعي محموم إلى خلق سوق عالمية واحدة واقتصاد نمطي واحد تحكمه قوانين ومعايير منظمة التجارة العالمية ومصالح الشركات المتعددة الجنسية، وأهواء وميول القابعين في «وول ستريت» وكواليس البورصات العالمية.
إنّ هذه التحوّلات، التي أصابت الاقتصادات الموجهة من قِبل الدولة التدخلية، ودولة الرفاه الاجتماعي، هي التي أدت إلى بروز ما يسمّى «مجتمع المخاطر». يعني ذلك الانتقال من مجتمع يسوده الأمن النسبي والسلم الاجتماعي، إلى مجتمع تحكمه المخاطر، إذ تتزايد في المجتمع الفجوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء، الناجمة عن عدم عدالة توزيع الثروة والدخل. وتزداد معها معدلات البطالة خصوصاً بين الشباب، وتتسع دائرة الفقر والحرمان. ومع تزايد جيوش العاطلين من العمل، يتسع إطار الاقتصاد الأسود، وتزداد الجرائم والاتجار بالممنوعات ويعمّم الفساد، وتترسخ سياسة تهميش الناس والاستئثار بالسلطة التي تزداد تلاحماً مع المال ومؤسّساته.
إنّه تهديد صارخ للسلم الاجتماعي، ومع تزايد حالة الغضب المكبوت، تتزايد احتمالات الانفجار، مع تصاعد الأزمات الاقتصادية المتمثلة في الركود وتفاقم العجوزات الاقتصادية والمالية. إنّه فعلاً «مجتمع المخاطر»: مخاطر الشك وعدم اليقين بالحاضر وبالمستقبل، مما يقود إلى الإحباط واليأس والجريمة.
وحالة تونس لم تكن فريدة في البلدان العربية، فجميع هذه البلدان تعاني مشكلات اقتصادية واجتماعية ناجمة من السياسات الاقتصادية والليبرالية الجديدة، سواء كانت مفروضة من المؤسسات المالية الدولية، أو من الاتجاهات الأيديولوجية الحاكمة لتوجهات السياسات الحكومية. وإذا أخذنا حالة تونس نموذجاً كان سبّاقاً في الانضمام إلى الشراكة الأوروبية والرضوخ لمتطلباتها في التحوّل نحو اقتصاد السوق والانفتاح التجاري والاقتصادي، فسنجد أنّ معدل البطالة وصل إلى 14,2% من قوة العمل التونسية (2008) أي نحو 223 ألف عاطل من العمل. وذلك، في بلد يزيد عدد سكانه على عشرة ملايين نسمة، مما يعني أنّ كل شخص يعيل 2,2 شخص، إضافةً إلى نفسه، مقارنةً بنحو 1,2 في المتوسط العالمي. ومن بين العاطلين من العمل في تونس 93% هم من متخرّجي الجامعات، وهي حالة فريدة بالفعل.
تشير البيانات المنشورة من جانب منظمة العمل العربية، إلى أنّ عدد العاطلين من العمل (وفق البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومات العربية) بلغ 14 مليون شخص، وأنّ معدل البطالة بلغ نحو 14,4% من قوة العمل، لكن الواقع يشير إلى أنّ عدد العاطلين من العمل ومعدلات البطالة تفوق كثيراً الأرقام الرسمية، إذ تعمد الحكومات العربية إلى إصدار بيانات وأرقام مغايرة للواقع بهدف تحسين صورتها أمام الرأي العام المحلي والخارجي، وللتستر على عيوب السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة التي تتّبعها.
وإذا كانت الدول النفطية قادرة على امتصاص الآثار السلبية لسياساتها الاقتصادية (مؤقتاً)، باستخدام أموال عائدات النفط، فإنّ ذلك غير ممكن في البلدان غير النفطية. ويمثل تصاعد أعداد العاطلين من العمل، بوجه عام، إهداراً لعنصر العمل العربي، وهو العنصر الأكثر فعّالية من بين جميع عناصر الإنتاج.
ومما يزيد من مرارة الموقف، عدم وجود أفق عربي موحّد لمواجهة هذه المشكلة على نحو جماعي، وفي إطار من التعاون العربي. ففي الوقت الذي تتفاقم فيه مشكلات البطالة في معظم الدول العربية، فإنّ دول الخليج تستخدم نحو 14 مليون عامل آسيوي على الأقل، من مختلف مستويات المهارة، بما في ذلك العمالة غير الماهرة. وبالتالي، يمكن، في سياق هذه المسألة، وضع قضية التنسيق والتعاون العربي الاقتصادي والاجتماعي ليس فقط لحل مشكلة البطالة، بل أيضاً لوضع الاقتصادات العربية على مسار التنمية والتكامل. يتطلب ذلك إعادة نظر جذرية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ورسم آفاق المستقبل انطلاقاً من المصالح الوطنية والقومية.
إنّ الأنظمة العربية التي تجاهلت، لسنوات عديدة، نبض الشارع ومصالح الأغلبية وارتهنت لمصالح الخارج ولمصالح فئة قليلة من السكان، تشهد الآن، سقوط نظام تلو الآخر. وبالتالي، حريٌّ بها أن تُعيد النظر في سياساتها ونظرتها تجاه مجتمعها، وتجاه مصالحها الحقيقية في الاستمرار، فتعمل على إيجاد النظام الاقتصادي والاجتماعي العادل. نظام يستطيع بالفعل، تحقيق عدالة التوزيع والنمو الاقتصادي في آن واحد، في أجواء من المشاركة الشعبية الأوسع، بما يؤدي إلى تغليب مصالح الداخل على مصالح الخارج من جهة، ويضمن توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في تحديد خيارات المجتمع.

* رئيس مجلس إدارة الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية