سقط هبل، وتبعه مناف، ثمّ مناة، وصنمٌ يتلو آخر. علّقت صديقة قديمة: «ليت سميراً يشاهد الآن ما يحصل». سمير قصير كان أستاذنا في الجامعة، والغريب أنّني، وبينما ثورات الشعوب تتلاحق، لم أفكّر به حتّى تلك اللحظة.


كلّ الثورات لا تولد متساوية

كان يثير إعجابي بسمير قصير ثقته بيساريّته. حتّى في عزّ الهيمنة الليبراليّة في أواخر التّسعينيات، وفي قلب الجامعة اليسوعيّة، كان سمير قصير يفخر، بصخب، بانتمائه لليسار، وكان ينجح دائماً في تقديم موقعه «الراديكالي» على أنّه الخيار الخيّر والحديث والعصري والتقدّمي، في وجه اليمين القديم والرثّ والمرتبط بالهيمنة. كان ذلك في زمن التسعينيات، حين كان ذمّ اليسار فنّاً رائجاً، وأطروحات نهاية التّاريخ اعتنقها اليساريّون في أفئدتهم قبل غيرهم، واكتشف رموز اليسار التوّابين، فجأةً، ستالين وجرائمه. نُقل عن قصير أنّه كان يسخر، بلا وجل، من السرديّة الأسطورية الرائجة عن الثورات الشعبيّة التي أسقطت حكومات الشيوعيّة في أوروبّا. وكان يصف تلك الانتفاضات، مستهزئاً، بأنّها ثورات ممسرحة، قد تمّ إخراجها. هل انتهى الأمر بسمير قصير بالمشاركة في واحدة من هذه «الثورات»؟
تابعت من الخارج، ككلّ اللبنانيين المغتربين، مواقف سمير قصير المتلفزة أثناء التظاهرات الطائفيّة المتوالية في آذار 2005 ودوره في تأسيس حركة 14 آذار. وقتها، فتحت الشاشات الكبرى في لبنان ـــــ فجأة ـــــ أبوابها له، بعدما كان نشاطه الإعلامي يواجه بالمحاربة حيناً، وبالتجاهل المقصود أحياناً، حين كنت أعرفه (ولم يكن عسس جميل السيّد في التسعينيات يمسك كلّ الإعلام في لبنان). أحبّ أن أؤمن بأنّ معلّمي دخل 14 آذار من بابها «النظيف»، وأنّه لم ينغمس في طائفيّتها وشوفينيّتها، وأنّه فهم علّاتها. أو، ربّما، أنّه رأى فيها ما أراد أن يرى. أو أنّه شاء، كعادة اليساريّين العرب منذ يوم يومهم، أن «يتذاكى» ويعقد «تحالفاً تكتيكيّاً» مع قوىً لا تشبه اليسار لـ«ضرورات المرحلة». أردت تجاهل ما قاله لي أصدقاء مقرّبون لسمير قصير، عملوا (للأسف الشديد) في محطّة «الحرّة»، من أنّه كان يشارك في النقاشات عن الشكل المرتقب لقناة البروباغندا الحكوميّة الأميركيّة وبرمجتها ودورها حين كانت في بداياتها (على فكرة، لا يمكنكم التقاط بثّ «الحرّة» أو «سوا» في الولايات المتّحدة نفسها، لأنّ القانون يمنع الحكومة من أن تسلّط دعايتها على مواطنيها).
ولكن من هو أعلم من سمير قصير، علّمني أن أميّز دوماً بين الأمور «كما هي» والأمور «كما نريدها أن تكون». تذكّرت قول أستاذي الشهيد عن الثورات «المصنّعة» في أوروبّا الشرقيّة، حين شاهدت فيلماً أنتجه «تلفزيون المستقبل»، يروي في ما يروي دوره في «انتفاضة الاستقلال» (وليكفّ أصحابها عن تسميتها «ثورة الأرز»، فهو الاسم الذي عمّدها به جورج بوش، فليكتفوا باستعمال اسمها الرسميّ ـــــ أقلّه من أجل المظاهر).
يحتوي الفيلم على مقاطع مذهلة، واضح أنّها أنتجت بسذاجة سياسيّة، عن «إدراك سمير أهميّة صناعة صورة شباب ساحة الشهداء» وأنّه «أدرك، وآخرين، أهميّة إشراك المخيّلات الدعائيّة والإعلاميّة في صناعة المشهد».
هذه «المخيّلات الدعائيّة» مثّلها في الفيلم إيلي خوري، الذي كان صاحب شركة «ساتشي إند ساتشي» للعلاقات العامّة. والشركة وخوري، صنعا، عبر السنين، ثروات مقابل تصميم حملات دعائية لتلميع طغاة العرب أمام شعوبهم، وإطالة أمد أنظمتهم، وخدمة الفسدة من سياسيّيهم، وكذلك مقابل خدمة الاحتلال الأميركي للعراق. حاول خوري في شهادته التركيز على البصمات «غير السياسيّة» في دور سمير قصير بالتظاهرات وفي تصنيع شعاراتها. بيّن خوري أنّ كلّ همّ قصير كان تنظيف التظاهرات من الشوائب العنصريّة والأخلاقيّة و«المحافظة على حضاريّة الـ message»، على حدّ قوله. خوري ذكي، ويجيد الكلام الإعلامي ويفهم أهميّة أن يقدّم نفسه كـ«مسهّل» لحركة الجماهير، لا كصانع لهتافاتها خلف الكواليس. من ناحية أخرى، هنالك جيزيل خوري، زوجة سمير قصير، وهي تروي، بعد ذلك بدقائق، رواية غير لطيفة حول منشأ الصور الشهيرة للضبّاط الأربعة في ساحة الشهداء ـــــ اللكمة الأولى في معركة تصويب الاتهام حول من اغتال رفيق الحريري. تقول جيزيل خوري إنّ قصير أخبرها، قبل التظاهرة بيوم، أنّ صوراً اتهاميّة للضبّاط سترفع في الغد، وقالت إنّه ادّعى أن لا علاقة له بالملصقات التي ستظهر، بل هي من بنات أفكار «الشباب»، ليعيد ويسري لها في ما بعد أنّها كانت فكرته، وأنّه شارك مع «مجموعة» في إنتاج تلك الصور، وأنّ إخراجها تمّ، على نحو مقصود، بطريقة غير حرفيّة تحيل الى متظاهرين «هواة».
كل ذلك، وسمير قصير كان يسخر من التظاهرات الشعبيّة «الممسرحة» في أوروبّا الشرقيّة. تجدر الإشارة الى أنّ الشهيد سمير قصير، لم يكن بالطبع من يحلّ ويربط، ويقرّر ويموّل، داخل حركة 14 آذار.
همّنا هنا ليس نقد السرديّة الرسميّة لتظاهرات 2005 الطائفيّة، ولا تفكيك خطاب 14 آذار، بل التدليل على ثورات حقيقيّة، تحصل اليوم حولنا. ثورات أصيلة، يسير فيها الشعب المهمّش بلا تمويل ولا شركات إعلانيّة. كما أنّه لا يرتجي مساعدة المستعمر، ولا «يمسرح» التظاهرات حتّى تناسب ذوق المشاهد الغربي. همّنا أن نتعلّم، من الثورات السيّئة، كيف تكون الثورة الخيّرة، وأن نميّز أصالة الثورة، عبر التعرّف على زيف غيرها. همّنا هنا أن نعلن أنّ كلّ الثورات ليست متساوية ولا تشبه بعضها.

حين عاد لنا الشعب

كان الباحث السوري موريس عايق يقول إنّ المنظّرين يكتبون، طوال قرنٍ، تحضيراً للثورة «التي ستأتي» في نهايته. أمّا وأنّ الثورة أتت، فهي أثبتت أنّ عايق جانب الصّواب بعض الشيء: الحقيقة هي أنّ النّخبة تكتب لعقود، فتأتي الثورة لتمحو كلّ النّظريّات والهياكل «العلميّة» التي شيّدت على مدى السنوات الماضية لتفسير الشعب وتأطيره. الثورات غالباً ما تفضح غربة النخب عن المجتمع، وزيف ادّعاءات العلوم الاجتماعيّة بقدرات «تنبّؤيّة».
عام 1979، أنهت ثيدا سكوشبول، وهي أستاذة يافعة في هارفارد، كتابها الشهير عن الدول والثورات الاجتماعيّة»، الذي لا يزال يُحتفى به كدرّة في أدبيّات العلوم السياسيّة، من ناحية الرّصانة المنهجية والالتزام بقواعد الاستقراء العلمي. قارنت سكوشبول بين أشهر الثورات التاريخيّة في فرنسا وروسيا والصين، لتخرج بمجموعة قواعد تفسّر الظروف والشروط التي تنتج الثورات. كان من أهمّ أمثولات الكتاب أنّ الثورات الاجتماعيّة، كما يعرّفها، هي نتاج مرحلة خاصّة من مراحل الحداثة، ومن المستحيل أن نشهد تكرار أسبابها في عالم اليوم.
وبينما سكوشبول وزملاؤها يفتحون الشمبانيا احتفاءً بصدور الكتاب، قام الخميني بثورته مكذّباً الأكاديميّة المجتهدة، وخسرت سكوشبول التثبيت في ملاك هارفرد. حين تسقط أصنام الأنظمة في تونس والقاهرة وطرابلس، تسقط معها أيضاً أصنام معرفيّة أنتجها الغرب في العقود الماضية، عن المسلمين والعرب و«ثقافتهم السياسيّة» و«تخلّفهم الدّيموقراطي» و«المجتمع المدني». فيما يعاد تشكيل المنطقة أمام ناظرينا، تلقى أغلب الأدبيّات الاستشراقيّة التي أنتجت لـ«تفسّر» العرب، ولتترجم للغربيّين «جوهر» الإسلام، في القمامة.
في مقال طريف لتييري ميسان، وهو الفرنسي صاحب النظريّات التآمريّة حول هجمات 11 أيلول واغتيال الحريري (التي ثبت أنّ كثيرها شطحات)، يحاجج الكاتب بأنّ أميركا واستخباراتها نجحت، في العقدين الأخيرين، في سرقة فكرة «الشعب» عبر هندستها لمجموعة من الثورات الملوّنة حول العالم.
في الحقيقة، وبعيداً عن نظرتنا لصدقيّة ميسان، فإنّ هنالك سرديّة مؤامرة معقولة جدّاً، تفسّر ظهور ثورات «ملوّنة» متتالية، بدأً بأواخر الثمانينيات، وكلّها جرت بتدخّل أميركي موثّق. منذ الصين وبلغاريا في 1989 الى أوكرانيا وجورجيا وقيرغيزستان في العقد الأخير، مروراً بصربيا وإيران وأغلب دول الكتلة الشرقيّة. ميسان يحاجج بأنّ الولايات المتّحدة قرّرت استبدال الانقلاب العسكري بالثورة الشعبيّة كوسيلة لتسليم الحكم الى نخب موالية في بلدان العالم الثالث.
أنشأت واشنطن، في أواخر السّبعينيات، حزمة من المنظّمات المموّلة حكوميّاً، تهدف إلى نشر الأفكار الليبراليّة والرّأسماليّة في العالم «غير الحرّ». واحتضنت أكثر هذه المنظّمات تحت مظلّة «الوقفيّة القوميّة للدّيموقراطيّة» (National Endowment for Democracy). حركات الاحتجاج النّقابيّة في بولندا، كما في حال عمّال المناجم في صربيا والمتظاهرين في جورجيا في ما بعد، حظوا بدعم تنظيمي ومادّي من هذه المؤسّسات (حتّى أمد قريب، كان القسم الأكبر من راتب الرئيس الجورجي ساكاشفيلي تدفعه مؤسّسات حكوميّة أميركيّة).
اشتركت كلّ هذه «الثورات» بعناصر مميّزة، لا نراها اليوم في ثورات العرب. الثورات الملوّنة لم تهدف عادة الى إطلاق تغيير اجتماعيّ واسع، بل ـــــ ببساطة ـــــ الى استبدال نخبة حاكمة بأخرى موالية للغرب. كما أنّ هذه النخب، التي تدفعها الثورات الملوّنة الى الحكم، دائماً ما التزمت بسياسات معيّنة ومتشابهة، أهمّها فتح أسواق بلادها للغرب، وربط فكرة الحرّيّة بالإصلاحات الرأسماليّة. ثمّ يأتي النكوص على المبادئ الديموقراطيّة للثورة ما إن ينجح تغيير النظام، وتعود الانقسامات الى الظهور في صفوف النخبة الصاعدة. اعتمدت هذه الحركات غالباً على مجموعات إثنيّة أو نقابيّة محدّدة، يتمّ تأطيرها وتحريكها لبدء الاحتجاجات، بعكس ثورات الشعب اليوم، حيث نرى فئات اجتماعيّة ذات تنوّع مذهل تشارك كلّها في قلب النّظام.
المهرجانات الطائفيّة في لبنان تهزل أمام ثورات الشعب العربي التي تبتدع أشكالاً ونماذج متعدّدة من حولنا، وبعضها، كما في ليبيا، له أسنان. في 8 آذار، سار اللبنانيّون لأسباب طائفيّة، وفي 14 آذار فعلوا الأمر ذاته، ومذّاك تستعاد هذه الذكريات العطرة في عاميّات طائفيّة سنويّة، يصرّون على أنّها «ثورة. قد يحتجّ العونيّون بأنّهم «علمانيّون»، متناسين أنّ حركتهم (باعتراف العونيّين قبل غيرهم) وصلت الى درجة عالية من التماثل تصل للتطابق مع القوّات اللبنانيّة، منذ أواخر التسعينيات إلى يوم «الثّورة»: حركتان مسيحيّتان طائفيّتان تنوءان تحت «الإحباط» ويصعب التفريق بينهما، وهذا ما قد يصعب تصديقه اليوم. ربّما يجدر بالعونيّين الاعتراف بأنّ «اللحظة العلمانيّة» لميشال عون في أواخر الثمانينيات كانت الاستثناء، لا القاعدة.
في كلامه عن الثورات الملوّنة، احتجّ ميسان على تسمية «الثورات»، مصرّاً على أنّها «عمليّات تغيير أنظمة تحت عنوان ثورة». أجمل ما في ثورات العرب اليوم أنّنا لا نرى حكومة الولايات المتّحدة في قلب المشهد، ولا تملك أحصنة في السباق. بل تبدو تائهة، مرتبكة، تدوس شعاراتها الديموقراطيّة وهي لا تجرؤ على اتخاذ موقف: مع السفّاح أو مع الشعب. قناة الجزيرة تملك نفوذاً أكبر على الثورة من الحكومة الأميركيّة التي تأخذ موقفاً ثانوياً في المشهد (مؤقّتاً)، وهي وضعيّة لم تعتدها في الشرق الأوسط منذ زمن. اللعبة الحقيقيّة تبدأ بعد أن تنتصر الثورة ويأتي وقت التعيينات.

المثقّف يسرق الثورة

يمكننا أن نرى، وبوضوح شديد، أوّل محاولات سرقة الثورة عبر عمليّة كتابة تاريخها، التي نسمع بداياتها من المعلّقين والنخب والمثقّفين. «نظريّة الفايسبوك» مثلاً، هي هرطقة يجري تداولها على نطاق واسع في إعلامنا وقد بدأ الغرب، بحماسة، بتبنّي فكرة أنّ تويتر وفايسبوك ثوّرا العرب (وخاصّةً أنّ هذه النظريّة تسمح للإنسان الغربي باستعادة سرديّته المحبّبة عن قيادته للعالم المتخلّف الى فضاء الحرّيّة، بأيديولوجيته وتكنولوجيّته).
ليس هنالك بعد أيّ دليل أو دراسات عن هذا التأثير المزعوم للإنترنت في تثوير الناس، ما عدا الانطباعات الشخصيّة للنخب وأبناء الطبقة الوسطى، ممّن يعتقدون حقّاً بأنّ حساباتهم على الفايسبوك كانت جزءاً من الحراك الثوري. يؤمن هؤلاء ربّما (كما هي عادة أهل الطبقة الوسطى) بأنّ كلّ مجتمعهم يشبههم، وأنّ العرب جميعاً يتقنون الإنكليزيّة ويستعملون الإنترنت ويتواصلون على الفايسبوك. «نظريّة الفايسبوك» ما هي إلّا محاولة، غير واعية، لتنصيب الطبقة الوسطى ونخبتها في قيادة الثورة: يختار أهل النخبة (الذين لم يكن لهم علاقة بالثورة) شباباً يشبهونهم ومن نفس خلفيّتهم لينصّبوهم أبطال الانتفاضة وقادتها.
من السهل تفسير ولع النخب بنظريّة الفايسبوك، فهم شخصيّاً اختبروا الثورة وتابعوا أخبارها من خلال الفايسبوك، وهذا ما يقود إلى ما يسمّى في الفلسفة عيب الانحياز غير الموضوعي (هذا يشبه نظريّة الفيلسوف الفرنسي جان بودريار، عن أنّ «حرب الخليج لم تحصل حقّاً»، لأنّ الجمهور ـــــ الغربي ـــــ لم يختبرها كحرب بل كسلعة إعلاميّة).
هذا يصحّ خاصّة حين يكون أكثر هؤلاء لا يعرفون شيئاً عن مجتمعاتهم التي جعلوا مهنتهم نقدها وتقريعها و«تفسيرها» للأجانب. هم لا يعلمون أنّ أكثر من سبعين بالمئة من سكّان الشرق الأوسط لا يستعملون الإنترنت، وهي نسبة ترتفع الى 94% في ليبيا و98% في اليمن، وهذه كلّها أرقام من العام الماضي. هم لا يعرفون أنّ أكثر من نصف سكّان العالم اليوم لم يستعملوا هاتفاً في حياتهم.
في الواقع، فإنّ الدّلالات الأوّليّة تناقض نظريّة الفايسبوك، ولا تدعمها. سيدي بوزيد ومناطق الأطراف التي ثارت في تونس فيها أقلّ معدّلات لاختراق الإنترنت والتكنولوجيا في البلاد، وهي التي أشعلت الثورة وواجهت، وقدّمت الشهداء. لم تنضمّ المدن الكبرى والعاصمة إلى التظاهرات إلّا في اليومين الأخيرين. وفي العراق اليوم أيضاً، تبدو تظاهرات بغداد هزيلة أمام انتفاضات الشعب المهمّش الذي يواجه القمع في البصرة والأنبار ونينوى. يرى شعب العراق فرصة تاريخيّة لكنس المحتلّ والعملاء في آن، وليس للفايسبوك كبير سلطان في الرّمادي والفلوجة، وعانة وراوة.
لا نبغي تجاهل أهمية التكنولوجيا ووسائل التواصل، وهي كان لها دورٌ أساسي في كلّ حركات السّياسة الجّماهيريّة منذ القرن الثامن عشر، ولكن يجب التوضيح لمن يريد سرقة الثورة أنّ المهمّشين الذين لا يستعملون الإنترنت ولا يتابعون الفايسبوك، ولن يقرأوا هذا المقال، هؤلاء هم من يقاتل ويضحّي في مصراتة وبنغازي وطرابلس، دفاعاً عنّا جميعاً. لو توقّفت الانتفاضة على أصدقائي من ناشطي الفايسبوك، لاستسلمت الثورة أمام أوّل بلطجي، وتحدّد سقف مطالبها بتغيير وزيرين في الحكومة.
الشعب كما الثورات، لا يولد متساوياً ولا متشابهاً، ولا يحقّ لنا تحت اسم «الشعب» أن نختزل الطبقات والمصالح والموقع الاجتماعي. مع احترامنا الكامل لنشاط وائل غنيم ومعاناته من قمع النظام (من الأسهل لنا، أنا وأغلب قارئي «الأخبار»، أن نتماثل ونتعاطف مع شاب يشبهنا كوائل غنيم)، إلّا أنّ علينا أن نعترف، بوعي ومسؤولية، أنّ غنيم، المدير التنفيذي في شركة غوغل، لا يشبه أكثر شباب مصر. كما أنّ مصالحه تختلف عن مصالح أغلب شباب مصر، وموقعه الاجتماعي يختلف أيضاً. أغلب شباب مصر لن يفكّروا بأن يرسلوا تحيّة الى الشركات العالميّة، كما فعل وائل غنيم، لدورها المفترض في تحرّر الشعب المصري!
مهما وصفنا، لا يمكن أن نبالغ في أهميّة ما يحصل اليوم وتأثيره على مستقبلنا. سيعاد النظر في كلّ البديهيّات، وإمكانات الثورة غير محدودة. اليوم ليس وقت التواضع وخفض المطالب. حتّى الأنظمة التي قد لا تشتعل فيها الثورة آنيّاً، فهي ستجد نفسها مجبرة على التغيير، بشكل أو بآخر.
حين تحاط الأنظمة الحاليّة بدول يحاسبها الشعب، لن يقبل مواطنو أيّ بلد ـــــ تحت أيّ مسمّى ـــــ أن يستمرّ القمع والإذلال وأن تسرق ثرواتهم ومستقبلهم. وفي نهاية الطريق (وبالإذن من قناة الجزيرة ومالكيها)، تقف البديهيّة الأولى، المسكوت عنها في السياسة العربيّة، والصنم الأكبر الذي لا بدّ أن تصله رياح ستغيّره وتغيّرنا: دول الخليج العربي وتحديداً المملكة العربيّة السّعوديّة.

* طالب دكتوراه علوم سياسيّة في جامعة كاليفورنيا ـــــ بيركلي