بخصوص الكرامة والشعب العنصري


استرعى انتباهي أحد الإعلانات على الطريق لجواهر، يستعمل عنق امرأة سوداء جميلة. فلوهلة اعتقدت أني لست في لبنان، فوضع امرأة سوداء لعقد ماسي على عنقها ليس من شيَمِنا. نسمع كل يوم أخباراً عن عنصريتنا اللامتناهية الساديّة تجاه باقي الشعوب: ضرب عمّال سوريين ونشلهم، ضرب أو «انتحار» عاملات من الهند، سريلانكا، إثيوبيا، بنغلادش إلخ... عدم السماح للعمال الأجانب من أصحاب البشرة الداكنة بدخول بعض المطاعم أو الحانات أو حتى المسابح في الصيف، أو حتى إذا لم يكونوا من العمّال أو العاملات، مثل قصة زوجة القنصل الفيليبيني التي لم يسمح لها بالسباحة في أحد المسابح قبل أن يُسمح لها بعدما عرفوا أنّها زوجة القنصل. نسمّيهم «هيدا السوداني» و«هيدي الهندية» ولا نفرّق بين أستاذ جامعي أو مثقّف أو سفير.
لا تكمن عنصرية الشعب اللبناني فقط في ممارستنا، بل في ثقافتنا وتراثنا ولاوعينا. أذكُر أنه بُعيْد أحد الانفجارات عام 2007 في منطقة الدكوانة كتب تلفزيون لبنان على شاشته: «خبر عاجل: إصابة مواطن وسريلانكي في انفجار في الدكوانة»، وكأن السريلانكي «شيء» وليس إنساناً، وذلك قبل أن يتنبَّهوا وتُغيّر الكتابة. فالتلفزيون الرسمي لا يشذّ عن القاعدة. تماماً مثلما نرى كلّ يوم في السيارات خَدَماً في المقاعد الخلفية، علماً بأن المقعد الأمامي يكون خالياً (في أحد الإعلانات لمكتب استقدام خادمات نقرأ: «مع كلّ خادمة مريول هديّة(...)».
احتلّ لبنان المراتب الدنيا في الترتيبات العالمية للعنصرية وتجارة الرقيق. ممَّ تنبع عنصريتنا وشعورنا بالتفوّق على باقي الشعوب؟ علماً بأن شعوباً أخرى عديدة اضطُهِدت عنصرياً من شعوب أخرى لسنوات طويلة ولم تمارس ساديتها على شعوب أخرى انتقاماً، مثل السود في جنوب أفريقيا وأميركا، بعض شعوب البلقان، الصينيين في اليابان، الشمال ـــــ أفريقيين في أوروبا إلخ... إذاً لم تُمارس جدّياً أي عنصرية علينا ونعتقد أنّنا الأرفع شأناً و«الأسمى» من بين الشعوب، والأذكى، والأجمل، و«الأهضم» و«حربوق وكيف ما بتكبّوا بيجي واقف». العنصرية في لبنان لا تقتصر على «اليمين» اللبناني مثل كل دول العالم، بل تتخطاه إلى كل الانتماءات والاتجاهات، فالعنصرية اللبنانية عابرة للطوائف والطبقات الاجتماعية، إذاً هي عنصرية فريدة وغريبة من نوعها.
غسّان نعمة