إن الهالة التي أحاطت باللوبي الصهيوني ومؤسسات «أيباك» في أميركا شكّلها منذ وقت طويل، ويشكلها باستمرار، كثير من البريق الإعلامي والقدرات الاقتصادية والمالية الهائلة، تمكّنها من التأثير بصنع مواقع النفوذ في الحكومات الظاهرة والخفية بما يرسم سياسات العالم بطوله وعرضه. ذهب كثير من سياسيي العالم ومفكريه إلى الترويج للقدرات الهائلة والنفوذ العظيم الذي يتمتع به هذا اللوبي، بما يحقق مصالح دولة الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، وإظهار أنه متحكم بالعالم وأنه ربٌ لا يقهر ولا يذل، فلذا وجب تقديم فروض الطاعة له أو لمدللته الوحيدة [دولة الكيان الإسرائيلي].


عند استنطاق التاريخ ومتابعة الحاضر الراهن في سياق لجوء الأنظمة المأزومة في منطقة الشرق الأوسط لتطبيق هذه القاعدة، سنجد نماذج تاريخية ومعاصرة لدول أصابها الضعف والوهن وشابها عدم الاستقرار، فلجأت إلى الاقتراب أو التفاهم أو التحالف مع «إسرائيل» لكسب ود «اللوبي اليهودي» والحصول منه على شرعية مستوردة تؤمنها الحماية الأميركية.
لعل قناعة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات (أن 99 في المئة من أوراق اللعبة في الشرق الأوسط بيد أميركا وأنه لا يستطيع التصارع والحرب معها) وسلوكه الذي اتخذه في التوجه إلى التصالح مع «إسرائيل»، كان يثبّت نهجاً سياسياً عند معظم قادة المنطقة، أن الخضوع والاحتماء بالمظلة الأميركية سوف يضمن استقراراً في أنظمة الحكم وانتعاشاً تنموياً للبلدان المنخرطة في العلاقات مع «إسرائيل» وأميركا. فتجرأت بعض الدول على إقامة علاقاتها علانية، بينما فضّلت أكثرها أن تبقيها سراً مدركةً أنها خيارات غير شعبية، وصار الغزل والانجذاب والتحالف مع واشنطن أسلوباً سرى في الدول النفطية ومعظم الدول العربية. وروعيت العلاقات السرية مع «إسرائيل» ومصالحها، قبل أن تُدخل «اتفاقيات السلام» مصرَ، الأردن، السلطة الفلسطينية في ركب الذاهبين إلى «إسرائيل»، الذين ينصبون أعلامها في عواصمهم، فيرفعون الحرج عن من كان يمارسها بتخفٍّ وسرية كالعلاقات المحرمة.

نُصحت سوريا بإعادة الشرعية الدولية عبر
الاتجاه إلى إسرائيل

في مصر خلّف الرئيس السادات التركة الثقيلة حين بدأ انخراطه في اتفاقية سلام (!) أخرجت بموجبها مصر من الصراع العربي الصهيوني. لم تستطع مصر التخلص من تبعاتها بمرور ثلاثين سنة من حكم مبارك، ولم تتمكن ثورتان بتوجهين مختلفين أن تطيحا بالاتفاقيات الدولية (القصد اتفاقية كامب ديفيد فقط)، وأبدتا كلتاهما الاحترام التام لها في أزمنة الثوران الشعبي وتمظهر الإرادة الشعبية في ساحات مصر! لنعود ونتساءل ما الذي تحتاجه مصر بثوارها وسياسييها لترمي الاتفاقية المذلة؟! إن لم تستطع ذلك بثورتين ونظامين مختلفين... هل ننتظر طوفاناً أو زلزالاً!

■ ■ ■


مؤخراً نشاهد الاندفاعة الجديدة التي تخوضها السعودية باتجاه «إسرائيل» لإنشاء تحالف «علني»، عبر بدء الغزل الواضح الحثيث وبوادر كشفه ببالونات اختبار تقدم بواسطة شخصيات لا تنتمي إلى الأسرة الحاكمة، كوزير الخارجية عادل الجبير والضابط السابق أنور عشقي، حيث أبدى الجبير رغبة المملكة في إعادة طرح المبادرة العربية للسلام مع «إسرائيل»، وأملها بأن تستغل «إسرائيل» هذا الوقت وهذه الظروف للقبول بها. يأتي ذلك لرفع اللوم والعتب (!) عن دول عربية نفطية ومعتدلة كثيرة تمارس علاقاتها مع دولة الكيان في الغرف المغلقة كسفاح الأقارب، ليتم بعد ذلك طرح العلاقات الخليجية الصهيونية وفرضها بالإعلام النفطي على الجماهير العربية بأنها ضرورة تاريخية لصد المد المجوسي الفارسي والنفوذ الإيراني وحماية المقدسات الإسلامية، عبر شراء قبة حماية صاروخية إسرائيلية.
تأتي هذه المبادرات الجريئة (!) للمملكة في ظل التطورات الكبيرة التي تشهدها المنطقة منذ سنوات، والتي انخرطت فيها السعودية بالتمويل والتجييش والتحريض الطائفي والمذهبي، وتأجيج الصراعات المشتعلة والدخول في حروب مكاسرة عظم حاقدة بدوية في سوريا واليمن، مع علمها المسبق أنها ستكون موقعاً أخيراً لتطبيق خرائط تقسيم جديدة للجزيرة العربية تُصدر منذ سنوات من مراكز أبحاث حليفها الأميركي.
إن السلوك الحالي نحو «إسرائيل» الذي يبديه السعوديون خاصة في الترويج لمبادرة السلام العربية يأتي في سياق الشرعية المفقودة التي تؤمنها أميركا عبر إرضاء مدللتها، ولعل المتتبع لهذا السياق التاريخي الطويل سيلحظ بوضوح أن مبادرة الأمير فهد في قمة فاس، ومبادرة الأمير عبدالله في قمة بيروت كانتا جوازات مرور لكليهما للرضا الأميركي والجلوس على كراسي السلطة فيها. ومن ينسى الهالة العروبية و»الفيتوهات» الأميركية التي أحيطت بالأمير عبد الله قبل توليه الحكم وانتشرت في وقتها، وتبخرت بعد طرحه المبادرة العربية للسلام التي صاغها الأميركي توماس فريدمان. إن كل التحركات السعودية الراهنة بما فيها الدخول في تحالفات هشة مع دول كهلة (فرنسا وبريطانيا)، والتقارب مع روسيا عبر صفقات أسلحة ضخمة، كرشى سياسية وشراء ذمم لتأمين غطاء دولي لشرعية مهددة تهتز تحت سطح ظاهري رائق تعتمل فيه كل عوامل التفجير والتشظي والانقسام.


■ ■ ■


إن حالة الصمت المريب عن إظهار المواقف المعلنة من العدو الصهيوني والتي أصابت كل ثوار العرب في أوج توهجهم في سنوات «الربيع العربي»، ثم ظهور العلاقات المثبتة بالملتيميديا بين ثوار الناتو والصهاينة في ليبيا وسوريا بشكل وقح وفج، يُزودون بالأسلحة ويتلقون العلاج في مشافي «إسرائيل»، حيث أصبحوا في جبهات عدة جيشها البري المرتزق الذي يستهدف جيوش الدول العربية وأنظمة دفاعها الصاروخي، وتقوم دولة الكيان بمؤازرتهم بسلاحها الجوي أو بقصفها الصاروخي والمدفعي، ليثبت ذلك بالأدلة الساطعة والبراهين القاطعة أن ثورات العرب كانت مشبوهة منذ لحظتها الأولى وكانت على الإيقاع الغربي الأميركي، فراعت السير وفق الرغبات والإملاءات الأميركية وضروراتها في المنطقة، فاختطت لنفسها التغاضي والتجاهل عن إبداء المواقف المعلنة من العدو الخارجي (إسرائيل)، بل طلبت صداقته وقدمت له الضمانات لتتمكن من كسب إعلامه وماله وسلاحه. فكانت بوضعها المأزوم البعيد بحق عن شعوبها تتبع الأسلوب المشبوه الذي اتبعته الأنظمة المشبوهة المأزومة، قبل أن تستفيق جموع كثيرة من الشعوب وتلفظ هذا الربيع المزعوم وترجمه إلى أن نفقت جثته وسيتبعه حتماً ثوار الناتو في المنطقة لنفس المصير.

■ ■ ■


كانت المفاوضات غير المباشرة التي رعتها تركيا بين سوريا و»إسرائيل» بعد الأزمة المريرة القاسية التي مرت بها الدولة السورية في أصعب مفصل تاريخي لها في القرن الجديد مع رئيسها الشاب في عام 2005، اقتراباً غير مسبوق في السياسة السورية تجاه دولة الكيان فرضته ظروف مختلفة عن تلك المفاوضات السابقة التي جرت في مرحلتين سابقتين (مفاوضات مؤتمر مدريد 1992، ومفاوضات واي بلانتيشن عام 1996)،
اتُهم النظام السوري بقتل الحريري بعد صراع مرير مع دول العالم (أميركا وفرنسا في مسألة القرار 1559) واضُطر الجيش السوري لمغادرة الأراضي اللبنانية، وأصبح على السوريين شعباً وسياسيين السماع إلى حفلات شتائم وكراهية وعنصرية يطلقها سياسيون لبنانيون كانوا معتادين التذلل أمام مكاتب الضباط الأمنيين السوريين. استخدمَ بعضُ السياسيين كلَّ ما أسعفتهم به ذاكرةُ الشوارع من ألفاظ، استعان وليد جنبلاط بشتائم قصص كليلة ودمنة وهو الذي عاش التخلي (أفهم انفلات سيطرة العقل) مرات عديدة. كان ينتقم بطريقته في منابر ثورة السيادة والاستقلال. أُريد لهذا الخروج من لبنان أن يكون «مُذِلاًّ» -وفق مخطط تثبته التقارير- ليقدم مبرراً لغضبٍ شعبي سوري في الداخل يؤدي إلى إسقاط الحكم. إن الانتصار الذي تشاركت به سوريا مع المقاومة اللبنانية في حرب تموز 2006، جعل الخيار السابق في إسقاط النظام يتراجع، ويُعاد النظام إلى الواجهة الدولية عبر محاولة احتواء ثلاثية أوكلت إلى تركيا فرنسا قطر.
أُعطيت لسوريا النصيحة [الثلاثية!] لمقاربة إعادة الشرعية الدولية عبر الاتجاه إلى إسرائيل، فاختارت دمشق البقاء على الثوابت والمفاوضات غير المباشرة عبر الوسيط التركي، من دون نتائج تذكر، وطويت معها كلُ الاتهامات السياسية التي وجهت للنظام السوري بمقتل الحريري، وأصبح متاحاً ومرحباً بالرئيس السوري في احتفالات فرنسا بالثورة والاستقلال، وجلس بقرب الرئيس الفرنسي ساركوزي، وشاهد السوريون رئيسهم ضيفاً يُحتفى به في اجتماعات الشراكة المتوسطية ضمن حكام المنطقة بعد أن كان يطالب برأسه للمحكمة الدولية صغار الساسة ومرتزقة الإعلام النفطي، وإن رصدته الكاميرات يتهرب من مصافحة رئيس الوزراء «الإسرائيلي» أولمرت في منظر معبّرٍ عن رفض سوريا الانخراط غير العقلاني في مشاريع الشرق الأوسط الجديد واستمرارها في سياستها المعاكسة لتيار التطبيع السائد، ما أنذر في ما بعد (مع إضافة حوادث ومفاصل أخرى) بفشل «سياسة الاحتواء» والانتقال إلى التعامل مع سوريا بوصفة الحديد والنار.
إن الأفول الأميركي وانسحابه من المنطقة والضعف والتخبط الذي أصاب وكلاءه وتُبّعه، واضطرارهم اللجوء إلى روسيا التي رسمت لنفسها دور «حماية الدول والأنظمة الحاكمة الدستورية» بشرعية القوانين الوطنية والدولية، بينما قامرت أميركا وانتهجت لعبة ثورات الشعوب الملونة، ورمت أنظمة تقليدية طالما طافت بفلكها وسبّحت بحمدها. يضاف لذلك نتائج الحرب الكونية الحامية في سوريا، وسقوط الراهن القائل إنّ أميركا قدرُ هذا الشرق، الرابضةُ على قراره، حيث تمظَهر ذلك في أكثر من مفصل فيها، بسقوط الوعود الأميركية للثوار العرب - الإخونج وأصحاب الإسلام السياسي ومروجي شعارات الديمقراطية والحريات المدنية-، وبان العجز الأميركي واضحاً بعدم قدرتها على تحقيق هذه الوعود لظروف موضوعية وذاتية كثيرة (...) وبسبب الصمود الأسطوري الذي أبدته سوريا في معركتها الأهم في تاريخها المعاصر، لتثبيت خطها المقاوم وتأكيد استقلالية قرارها الوطني، ورفضها الانضمام للنظام العولمي المتوحش وللركب الأميركي الذي يأفل من المنطقة مخلفاً وراءه عملاءه وأدواته ووكلاءه الحصريين إلى مصيرهم المعلوم (!).
خلاصة القول: إن هذه الإطلالة السريعة للأنظمة المتأزمة وهروبها إلى دولة الكيان والارتماء في حضن الراعي الأميركي بحثاً عن الشرعية والحماية ليست دعوة للتطبيع والتنازل والتخاذل بل هي دعوة لنسف هذه القاعدة المأفونة القديمة: أنت نظام مأزوم؟ هيا إلى «إسرائيل» إذن! وإثبات أنها ستفشل في تأمين شرعية صالحة للأنظمة، وأنها ستقود سريعاً إلى انفصام رهيب واسعٍ بينها وبين الشعوب التي لا تمرر عليها شعارات الأحقاد الطائفية والمذهبية والعرقية، بينما تستمر سوريا اليوم بمساندة محورها المقاوم ومعها شرفاء العرب والعالم بكتابة صفحة جديدة في قاعدة جديدة للأجيال الآتية، أكلافها باهظة ونتائجها مشرفة، مفادها «هيا إلى «إسرائيل» الآن أو بعد حين، لأنها ومع الأفول الأميركي عن المنطقة ستظهر على حقيقتها، نظاماً مأزوماً ضعيفاً قابلاً لكسره وتحطيم عنصريته في المنطقة، فقد أصبحت «إسرائيل» يدَ أميركا المستفردةَ التي تهددها المقاومةُ بالقطع والبتر كل يوم، ما يدفع سيدَها لدفع التنازلات مرة بعد مرة، حيث صار التهديد والتلويح الروسي(...) بتزويد المقاومة بأسلحة نوعية مختلفة ورقةً ذهبيةً في توازن الرعب ومفاوضات الساحات المشتعلة ورسم مصير الشرق الأوسط الجديد.
*كاتب سوري