كان الرسّام الهولندي الشهير ڤان غوغ مُمتَلكاً لدوّار الشمس، فتلك الزهور الصفراء المستديرة كانت حاضرة في أغلب لوحاته وهي تتبع الشمس كيفما استدارت وكأنّما كان الرسّام الحزين يريد أن يقول إنّه يبحث عن وهج النور الكامن في الكون والمحيط بكلّ الأشياء.


فإذا به يلتقي على بُعد قرون مع فريد الدين العطّار في كتابه «منطق الطير» حيث طيور البجع تسير في رحلة تشرّد وعذاب لتصل الشمس، فيتطاير ريشها وتتمزّق أجسادها من شدّة عذابات الرحلة الطويلة فتذوب في أشعة النور الحارقة وتتحدّ بالشمس في كيان واحد. وعلى مسافة أعمق من التاريخ كان شيخ المتصوفة الحسين بن منصور الحلاّج يحترق حرفيّاً على صليب العذاب، ويُذرى رماده على صفحة نهر دجلة بأمر من الخليفة العباسي لتخرج أسطورة شعبية تقول إنّ رماد الحلاّج ارتسم على صفحة النهر: أنا الحق. لكنّ الصوفيّة على رومانسيتها تبقى تجربة روحانية لا يمكن نقلها بالإخبار، فهي ليست مذهباً أو مادة للتدريس بل هي جنوح نحو الفناء والاندثار في الذات الإلهية، فالله في عرف المتصوفة غير منفصل عن مخلوقاته في وحدة وجود صاغها شيخهم الأكبر ابن عربي في مخطوطاته وكانت سبباً في قتله دوساً تحت أقدام المصلين بتهمة الكفر والزندقة.
الحاجة إلى استذكار الصوفية في هذه الأيام بالذات قد تكون ضرورية لإعادة بثّ الروح في التوّجه الرباني عن طريق العشق والحبّ الإلهي، في الوقت الذي تكاد فيه الصراعات الدينية والإرهاب الممارس باسم الدين يثير الحذر من كلّ توّجه إيماني بالغيب في جمهور كبير من المثقفين والمتنورين. فالإيمان بالرب وبالعوالم الغيبية لا يُلزم في حقيقته التزام مذهب أو شريعة بعينها بل إنّ التطوّر العلمي وبخاصة الفيزياء الحديثة (فيما يُعرف بفيزياء الكوانت)، قد أحيت في صيغتها الجديدة التي يقف على رأسها عالم الفيزياء الشهير بوهر منطقاً يُحاكي تماماً النظرة الصوفية إلى الكون في ما يختّص بوحدة الوجود وما يستتبع ذلك من نظريات العقل الكلي الذي هو ذاكرة الأكوان. فالتواصل بين مكوّنات الكون يتخطى حدود التواصل المعروفة ويعيدنا إلى عقل جمعي واحد وإلى ذاكرة كونية واحدة وإلى مكوّن واحد هو في أساس المادة والوجود. فالمسالك الغيبية لا تعني بالمطلق الخروج عن دائرة الحداثة والدوران في حلقات الكهانة والعرافة بل هي منطق رياضي مدّعم بالنظريات العلمية الحديثة. ولئن كانت نظرية وحدة الوجود الفيزيائية قد قامت على معادلات رياضية فإنّ نظرية وحدة الوجود الصوفية التي سبقتها قامت على الحدس والعشق الإلهي للواحد الذي خرجت عنه الآحاد.
الحاجة اليوم إلى بعث الجدل حول التوجهات الصوفية وفلسفتها إنّما هي حاجة لبعث كلّ جميل في تراثنا المكتوب لإعادة التوّجه الربّاني في مكوّنات الأمة نحو حقيقة النظرة الإيمانية في ربّ حاضر في كلّ شيء وقبل كلّ شيء، لإعادة صياغة فهم جديد لعلاقة الإنسان بالكون وبكلّ ما يحيط به من حياة وجماد. فالصوفية لا يمكن تأطيرها بمذهب أو جرّها إلى معسكر من المعسكرات المذهبية، بل هي عابرة للعقائد والأديان وغنية بمواضيع الحب والعشق والوجد والهيام، وهذا ينعكس على الذات البشرية ويجعلها أكثر تقبلاً للآخر وأكثر سكوناً في علاقتها مع الكون ككل. إنّها بالنهاية رياضة روحية وعقلية وتلامس العلم ولا تخضع للشعوذة والاستغلال السياسي. ثمّ وقبل كلّ شيء فإنّ النفور المتولّد من الصراعات المذهبية قد يجرّ أجيالاً نحو الإلحاد عبر إنكار الحقائق الربانية المتجلية في كلّ ما يحيط بنا من وجهة نظر صوفية ما دام الكون كلّه ليس إلّا انعكاسات وصور ومرايا للواحد. فالربّ ليس منفصلاً عن العالم بل هو العالم. هذا العالم الذي «ينقسم» بين ظاهر وباطن، وهو بالضبط ما تروّج له الفيزياء الحديثة والتي يقف مفكروها في دهشة أمام الترابط العميق في مجريات وأحداث الكون حتى في تفاصيله الذرية وما دون الذرية.
في تراثنا أشياء يحقّ لها فعلاً أن تُسمى سابقة لعصرها، فلننبشها ولنترك القبور.
* كاتب لبناني