تميّز الإعلام العربي ببث معلومات مغلوطة شابها الكثير من المبالغات في نقل أحداث بعض الانتفاضات، والتقليل من شأن أخرى والتعمية عن اعتداءات في مكان، أو تكبير حجم المآسي في أماكن أخرى. يمكن القول إنّ الإعلام اتّبع سياسات تفضيلية، ولم يتبع الحدث، ولا سيما في بعض الانتفاضات.

كذلك وقع بعض الإعلام اللبناني في الشخصنة في الموضوع الليبي، خاض حربه، وتمنى إسقاط القذافي بالضربة القاضية، انتقاماً للسيد موسى الصدر ورفيقيه. حاول البعض تشكيل حالة، فعمّت فوضى التمنيات. أما الفضائيات العربية الأشهر في نقل الرأي والرأي الآخر، فلقد قامت بدور ناقل البيانات، وركنت إلى رأي واحد، من دون محاولة إعطاء معلومات عما يجري، موضوعياً.

ليبيا ضحيّة السلطة والمال: بين الثورة والاحتلال

إنّ الغموض الذي اكتنف الأحداث في ليبيا، وتضارب المعلومات، أوحيا في البداية بأنّ هذه الثورة تتبع النموذجين التونسي والمصري، وأنّ القذافي آيل إلى السقوط. ذلك، الى أن بدأ يتضح شكل المعارضة وحجمها، وظهرت الأسلحة رداً على اعتداءات القذافي العسكرية. طرح كلّ ذلك أسئلة عن ماهية المعارضة، بعدما أصبح واضحاً أنّ التركيبة السياسية في ليبيا ليست مؤسساتية، بل قبلية، وتدور حول اللجان الشعبية. إذ لا وجود للأحزاب في البلاد، وكل السلطات بيد القذافي، أما الجيش المقاتل الفعال فهو أيضاً بيد أبنائه. وبعكس كلّ الانتفاضات أو الثورات التي سبقت «17 فبراير»، لاحظنا بأنّ السفراء الليبيين في أوروبا، وفي الأمم المتحدة، استقالوا وبدأوا يطلبون من القذافي التنحّي. حتى إنّ عبد الرحمن شلقم، الذي رفض في البداية التخلي عن القذافي، ودافع عنه، لم يلبث أن طالب هو الآخر بتنحي القذافي، فيما ارتفعت أصوات بعض المعارضة مطالبة بالتدخل الأجنبي.
عوّدتنا ثورتا تونس ومصر على أنّ الصراع والضغوط الداخلية، في الأغلب، هي التي أدت الى تغيير مسار هذين البلدين. أما في ليبيا، فلقد اختلف الأمر، إذ أخذت الثورة منحى عسكرياً وعنفياً. يبدو انتشار السلاح وبدء التدريب عليه كأنّهما استعداد لحرب ستطول، مع انقسام البلاد بين مناطق يسيطر عليها القذافي، وأخرى يسيطر عليها الثوار.
الارتباك الغربي في ليبيا كان لافتاً، وترافق مع الانقسام داخل المعارضة: قسم يطلب التدخل الأجنبي، وقسم وقف ضده. أما أميركا، التي حازت موافقة البعض من الثوار وبعض الدول العربية لفرض منطقة حظر جوي في سماء ليبيا، فقد ترددت بجحة أنّها تخشى الانغماس في حرب جديدة، كما في العراق وأفغانستان. وتردد بأنّ الحظر الجوي لا يكفي وليس ناجعاً، لأنّه مكلف جداً، فمن سيدفع التكاليف المالية المترتبة على ذلك؟ انتظرت الولايات المتحدة حتى يضغط القذافي عسكرياً، ولا سيما أنّ الثوار غير قادرين على الحسم. لكنّها لم تنس أنّ من مصلحتها التخلص من القذافي، لكن على طريقتها، بعدما أقر مجلس الأمن استعمال كل التدابير، عدا الاحتلال. وهكذا، تمّ وضع ليبيا في عين العاصفة.

الأهداف الأساسية للولايات المتحدة

لم يكن الهدف الأساسي من الحماسة الأميركية، في البداية، بسط الديموقراطية، بل كان من أجل وضع اليد على المعارضة والتحكم شرعياً بالنفط الليبي (أوسع احتياط نفطي في أفريقيا). كما أنّ الحدود الجنوبية لليبيا تشكل نقطة استراتيجية لأميركا التي تحاول أن تمد نفوذها من شمال أفريقيا الى وسط القارة وغربها. إذ تقع على حدود ليبيا بلدان تدور في فلك فرنسا، وهي الجزائر وتونس والنيجر وتشاد. نالت أميركا دعماً عربياً ودولياً من أجل التدخل، وستصبح مطلقة الصلاحية. فهي ستتمكن من وضع يدها على الثروة النفطية، من دون أن تدفع ثمناً باهظاً، أي من دون أن تحتل البلاد. وستتحكم بالنفط وخصخصته، ولا سيما أنّ الذهب الأسود لم يخضع للخصخصة حتى الآن في ليبيا. فالشركات العاملة في القطاع وطنية، مع وجود بعض الشركات الأجنبية، ولا سيما الصينية. هكذا تصبح واشنطن داخل ليبيا، وعلى مرمى حجر من النيجر. فهذا البلد استراتيجي أيضاً بالنسبة الى الولايات المتحدة، ولا سيما بالنسبة إلى احتياط اليورانيوم فيه، وخصوصاً أنّ فرنسا تسيطر على هذه الصناعة، وكذلك الصين. تنظر أميركا الى الوجود الصيني من وجهة نظر جغراسياسية، ويمكن القول إنّها تطمح إلى طرد بكين من شمال أفريقيا. ما نثيره ليس بعيداً عما يجري من تدخل إنساني، فهذه الدول تهمها مصالحها تحت ستار حقوق الإنسان، وها هي الفرصة سانحة لها.

المصالح الأميركية تتصدى للثورات

لكن، أليست حقوق الإنسان في البحرين مثلاً من أولويات الغرب؟ تستعد الولايات المتحدة للدفاع عن مصالحها في المنطقة، فهي في مصر قد حددت أولوياتها: عدم المساس بالاتفاقات الدولية المعقودة. وتعهد لها الجيش بذلك، كما أنّها تركن الى ديون مصر، 184 مليار دولار، وتونس، 21.690 مليار دولار، لتحفظ مصالحها. وهي تعي بأنّ هناك شخصيات سياسية واقتصادية مشاركة في الثورة، لن تضنّ بالعلاقة معها. تسعى أميركا الى إبقاء علي عبد الله صالح في سدة الحكم في اليمن، مع الإشارة الى ضرورة إنجاز بعض الإصلاحات، وهي شجعت السعودية على إرسال جيشها للدفاع عن حدودهما المشتركة، وعمدت طائرات التجسس الإسرائيلية الى مراقبة الخطوط البرية والبحرية. هذه منطقة محظورة على الثورة والديموقراطية، فهي بوابة للوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج، أي بوابة المصالح الاستراتيجية والاقتصادية.
تم السكوت عن التدخل السعودي في البحرين، إذ ترى أميركا أنّ جميع هذه الثورات، من العراق الى عمان والبحرين واليمن، تعمل ضد مصالحها، لذلك ما يهمها اليوم هو الحديث عن بعض الإصلاحات. في المقابل، تريد من السعودية وبعض دول الخليج تمويل الحرب القادمة على القذافي.

* باحثة لبنانيّة