أستيقظ من نومي الساعة التاسعة صباحاً. وكعادتي كلّ يوم، أعدّ فنجاناً من الشاي وفطوراً خفيفاً، وأجلس أمام التلفاز، أقلّب بين المحطات الفضائية، وأتسقّط آخر أخبار ثوراتنا المجهضة. «الجزيرة» مملّة كالعادة، ومفرطة في تزلّفها للدكتاتوريات العربية (ما عدا سوريا والبحرين). أما «العربية»، فهي متألقة هذه الأيام، وتكاد تكون ناطقة رسمية باسم الثورة المستمرة في البحرين. الـ«بي بي سي» غير متوازنة أبداً، ولا تكاد تجد في تغطيتها أثراً لما يحدث اليوم في السعودية والبحرين. آه، نسيت، التلفزيون السوري يستضيف الآن السيدة سهير الأتاسي والمفكّر طيب تيزيني، ليتحدثا عن اعتصامهما السلمي أمام وزارة الداخلية، قبل فترة. تبدو عليهما علامات الانشراح، كما في كلّ مرّة تستضيف فيها شاشتنا معارضين للنظام.

طبعاً لا مكان هنا لاحتفاء مبالغ فيه بما يجري على شاشتنا، فكما تعلمون، باتت هذه الهوامش أمراً طبيعياً بعد إلغاء قانون الطوارئ، وإخلاء السجون من المعتقلين (والمعتقلات) السياسيين. والفضل في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى أهلنا في درعا الذين أعطوا زخماً استثنائياً لفكرة الاحتجاج السياسي. فلو لم تنجح انتفاضتهم، لما تحققت لنا كلّ هذه المكاسب دفعة واحدة. تخيلوا... دفعة واحدة. لا بل يقول البعض إنّ عدداً من الناشطين السياسيين المستقلين، باتوا يفكرون جدياً في تأسيس أحزاب جديدة، بعدما صدر قانون إنشاء الأحزاب عن مجلس الشعب، أخيراً. يجدر بمازن درويش وناهد بدوية وميمونة معمار وعامر داوود وحسيبة عبد الرحمن ورغدة الحسن وكمال شيخو وعبد العزيز التمو وسيرين خوري ونارت عبد الكريم أن يفكّروا في الأمر. ذلك أنّ وجودهم في أحزاب منظمة، وذات قاعدة مادية، سيوفّر عليهم كثيراً عناء الجدل والحوار مع عناصر الأمن كلّما فكروا في إقامة فعالية سلمية. صحيح أنّ الحوار مع هؤلاء قد اختلف اليوم، وبات مفارقاً لشكله القسري السابق، لكنّ الانتظام في الأحزاب يبقى ضمانة أكيدة لنقل أفكارهم من قنوات أمنية إلى أخرى سياسية، تماماً كما حصل عندما فتحت أبواب وزارة الداخلية لاستقبال أهالي المفرج عنهم قبل أيام.
الساعة الآن العاشرة والنصف صباحاً. لقد انتهيت من فطوري ولم ينته بعد الدكتور طيب تيزيني من ذمّ البنية الأمنية التي كادت تودي بنظامنا السياسي إلى التهلكة. الحمد لله أنّ ذلك لم يحصل، وإلا لما كان الرفاق في مصر وتونس والبحرين واليمن اعترفوا لنا بفضل إضافي في تجذير ثوراتهم.
أخيراً أنهى الدكتور مداخلته. يجب أن أنهض لتسجيل بعض الملاحظات قبل أن يأخذوا مكالمة الدكتور عارف دليلة. ها قد عدت. لنر ماذا يقول الدكتور عارف عن اقتصاد النّهب المنظم الذي ساد في حقبة ما قبل التغيير. غريب. ما هذا الكلام؟ أشعر بأنّ الرجل بدأ يكرّر نفسه. لماذا يصرّ دائماً على فكرة أنّ «اقتصاد السوق الاجتماعي» ما هو إلا تيمة جوفاء يستخدمها النظام لطمس عمليات النّهب التي تحصل؟ أيّ نهب يا رجل. لقد تغيّر النظام بالفعل. والسياسات، التي كانت تنهب البلد تحت عنوان «اقتصاد السوق الاجتماعي»، بدأت تتفكّك وتخلي مكانها لسياسات أخرى. سياسات تضع حدّاً لهذا النهب، وتعيد الاعتبار لما كان يريده أستاذنا الراحل عصام الزعيم، عندما طرح مفهوم «اقتصاد السوق الاجتماعي».
هكذا يجب أن تكون المقاربة اليوم يا دكتور. يبدو أنّ طول إقامتك السابقة في السجن جعلك تفقد الثقة بأيّ نظام جديد. انا أعذرك في ذلك طبعاً.
لكن علينا اليوم أن نترك الماضي وشأنه، ونحصر اهتمامنا في ما يجب أن نفعله لإطلاق عجلة الإنتاج من جديد. انظر كيف يتكاتف المصريون اليوم لفعل ذلك. صحيح أنّ حكومة عصام شرف لا تفعل الكثير لكفّ يد الجيش عن السياسة، إلا أنّها تحظى في المقابل بإجماع شعبي كبير. وهو إجماع كفيل بتذليل كلّ العقبات التي تعترض مسيرة الثورة المصرية.
قد لا تكون الانتفاضات الشعبية التي عمتّ أرجاء سوريا انطلاقاً من درعا، وأجبرت النظام على التغيير، ذات منحى ثوري، لكنّ اندلاعها بهذا الشكل، وعلى هذا النحو المتزامن، يرشّحها لقيادة عملية تغيير جذري في البلد، تماماً كما يقود ائتلاف الثورة في مصر التغيير اليوم.
يبدو أنّني استطردت قليلاً، وخلطت كالعادة بين السياسة والاقتصاد. طبعاً عندما يكون المرء في حضرة اقتصادي ماركسي كعارف دليلة، لا يعود استحضاره مصطلح الاقتصاد السياسي أمراً غريباً، لكنّ الغريب وغير المنطقي أن يستفيض الدكتور عارف في عرض فكرته كلّ هذا الوقت (نصف ساعة) من دون أن تقاطعه المذيعة، ولو لمرّة واحدة. فعلاً نحن نعيش عصراً جديداً. عصر جديد... عصر جديييد. لماذا أهجّئ كلمة جديد بهذه الطريقة؟ الأرجح أنّ الدكتور عارف قد نقل إليّ عدوى عدم تعوّد أيّ جديد، لكن هل هي عدوى فعلاً؟ وهل يحتاج شعور كهذا إلى عدوى أصلاً؟
أحاول أن أقرص نفسي كي أتأكد أنّني لا أهذي، أو لا أعيش حلماً من أحلام اليقظة. مهلاً. أنا فعلاً لا أعيش ذلك. أنا لا أعيش حلماً من أحلام اليقظة. ما الخطب إذاً؟ لماذا أشعر بأنّ كلّ ما سردته أعلاه لا يعدو كونه حلماً؟ لأنّه حلم بالفعل، ولأنّ السرد أعلاه يحتاج إلى مخيلة كافكاوية حتى يصدقه أو لا يصدقه أحدنا. طبعاً، لا أحد منا يمتلك موهبة كافكا في تفكيك الوقائع وتحويلها إلى فانتازيا مروّعة، إذاً دعوا الفانتازيا لأصحابها، ولنعترف بما يلي: نحن لا نعيش واقعاً جديداً، وسيدي بو زيد... عفواً درعا (يبدو أنّني عدت أهذي من جديد) بحاجة إلى من يفكّ «حصارها»، والدكتور عارف دليلة لم يتصل بـ«شاشتنا» ليدلي بدلوه عن النهب الاقتصادي، وقانون الطوارئ لم يرفع بعد، وسهير الأتاسي لا تزال معتقلة ومضربة عن الطعام مع رفيقات (ورفاق) لها، والاعتصام أمام وزارة الداخلية لم يفضّ سلمياً، و«الجزيرة» لا تزال تعاني تشويشاً في بثها...
الساعة الآن العاشرة صباحاً. أنا أستيقظ في هذا الوقت، عادةً. لو استيقظت قبل ساعة من الآن لصدّقت فعلاً أنّنا أنجزنا التغيير. لكنّنا لم نفعل، حتى الآن على الأقل.

* كاتب سوري