من الصعب أن تعطي رأياً في لبنان. صحيح أنّ الرأي لن يتسبب في سجنك، كما يحصل في الأنظمة الدكتاتورية العربية التي تتساقط تباعاً، لكنّه قد يحاصرك اجتماعياً، ويؤدي الى هدر دمك، أقلّه معنوياً. لن يسجنك الرأي في زنزانة مظلمة، بل سيدرجك في خانة ضيقة لن تفلح في إزاحتها عن صدرك، لأنّ حكماً مبرماً يصدر بحقك، حالما تتفوّه برأيك. الأمثلة كثيرة، أهمها ما حصل في الأعوام الستة الماضية، إذ صار الرأي انتماءً، شاء صاحبه ذلك أو أبى. إذا انتقدت 8 آذار، فأنت ضد المقاومة وتحرير الأرض، وحكماً في 14 آذار، وهذا تصنيف غير خاضع للنقاش. وإذا اعترضت على خطاب 14 آذار، فأنت لا شك ضد «السيادة والحرية والاستقلال»، وتنتمي إلى المحور السوري ـــــ الإيراني ـــــ الكوري الشمالي، وهذا أيضاً حكم غير قابل للاستئناف. ولا يكفي أن تنتقد الطرفين لتنقذ نفسك من التصنيف، لأنّك تحتاج الى ميزان الذهب لتوازن الانتقاد وإلا فستقع في المحظور وترمى في الخانة. أما أن تقول إنّك مستقل، فهذا موقف يقابَل بضحكة ساخرة تشير الى أنّك تختبئ خلف إصبعك. صاحب رأي ومستقل لا يمكن جمعهما في موقف واحد في لبنان، حيث ليست السياسة بستاناً يمكن أن تشكّل منه سلة مواقفك، بل هناك شجرة واحدة محكوم عليك أن تملأ منها سلتك، تقابلها شجرة يملأ منها الآخر / العدو سلته. التبادل أو التنويع ممنوع، لأنّ المحاولة ستجعل من صاحبها متزلّفاً أو صاحب موقف ضبابي ينمّ عن قلة إدراك ووعي سياسيين.

هكذا، تحتاج الى جرأة استثنائية لتجاهر برأيك وتتحمل نتيجة قرارك، وإلا فلتصمت الى الأبد. إنّها صورة تختصر ما آل اليه وضع الرأي في لبنان منذ عام 2005، إذ انقلبت المعايير رأساً على عقب. وكلما أمعن اللبنانيون في التشديد على حرية الرأي، وتفانوا في تأكيد وجودها، انكشف الجانب القمعي في أدائهم. ولا حاجة إلى تقديم مزيد من البراهين والحجج، فذاكرة كلّ لبناني تنضح بما يكفي من ممارسة القمع والتعرض له، وتوزيع الناس وفق خانتين لا ثالث لهما، تماماً كما سيوزَّعون في الآخرة، بين الجنة والنار.
انفجر الغضب، فجأةً، في عدد من الدول العربية، ولم يعد يعلو صوت فوق صوت الشعب الذي يريد إسقاط النظام. نجحت الثورة في تونس ومصر، أما أثمانها الباهظة في ليبيا والبحرين واليمن، فلم تحبط إرادة الشعوب التي لن ترضى بأقل من تحقيق هذا الشعار فعلياً. انتقلت العدوى الى لبنان، واستفاق الشباب اللبناني في لحظة على رغبة جامحة في التمرد على النظام الطائفي وإسقاطه، إذ لا يجوز أن يبقى اللبنانيون في موقع المتفرج ومحيطهم يشتعل. وكاد هذا التحرك أن يمثّل بارقة أمل في إنهاء عصر الخانات وتصنيف الناس وتخوينهم بحسب رأيهم السياسي، لكنّها أضغاث أحلام، إذ إنّ الجيل الجديد ليس أكثر انفتاحاً في تقبّل النقد، وله أيضاً خاناته التي يدرج فيها الناس ويصنّفهم حسب آرائهم، وصفحات الفايسبوك، حيث التعليقات والتعليقات المضادة، شاهد حي على انفتاح الشباب على النقد بكلّ صدر رحب وروح رياضية! ورغم أنّ صاحب الرأي سيتعرض هنا أيضاً لحملة تخوين، قد تثير شفقة يوضاس الذي باع يسوع المسيح بثلاثين من فضة، ورغم أنّ ظلم ذوي القربى أشد مرارةً على النفس، لا بد من التحلي بشجاعة استثنائية لتسجيل بعض الملاحظات، ليس من أجل التنظير وهي أبسط التهم، بل إغناء للنقاش وحتى لا يبقى «الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي» مجرد شعار مستورد مكسور الوزن.
ليس مهماً توقيت التحرك، وليس عيباً التأثر بما يجري في الدول العربية المحيطة، فهذا دليل عافية مقارنةً بنظرة الاستعلاء التي اعتادت نسبة لا بأس بها من اللبنانيين التعامل فيها مع الشعوب المحيطة، لكن تجاوز مسألة التوقيت لا يعود تفصيلاً، وخصوصاً بعدما بدا جليّاً أنّه لا برنامج واضحاً ومحدداً يفضي الى تحقيق النتيجة المرجوّة، أو يضعها على الطريق الصحيح. بدا التحرك كما لو أنّه «لا بد إنو نلحّق حالنا ونركب الموجة». كان يمكن النظام الطائفي أن ينتظر بضعة أشهر أو حتى بضعة أعوام لإعداد تحرك يجعل من سقوطه مدوّياً، بدلاً من استعارة العداد من فريقي 8 و14 آذار، واعتبار أنّ ارتفاع عدد المشاركين، على أهميته، هو إنجاز بحد ذاته. وليس ما يحول دون سقوط النظام، أيّ نظام في لبنان حتى لو كان نظام السير، إذا حافظت حديقة الصنائع على اسمها ولم تتحول الى ميدان الصنائع، وبقيت ساحة رياض الصلح ساحة ولم تصبح ميدان التغيير، على أمل ألّا يلحق بساحة الشهداء، التي يتداعى الشبان الى التجمع فيها في الثاني من نيسان المقبل، تشويه مماثل.
كان يمكن الأمكنة أن تحافظ على أسمائها الأصلية، كما لم يكن هناك من مبرر للّجوء الى فايسبوك وسيلةً للدعوة الى التجمع والتظاهر، في بلد تتعدد فيه وسائل الإعلام والتعبير عن الرأي، خلافاً لما هي الحال في الدول المنتفضة، لكن يبدو أن نسخ التجارب الأخرى جاء أميناً! في أي حال، إذا كان موقع فايسبوك من لوازم الثورة وأحد أسباب نجاحها، فبالإمكان استخدامه لشرح آلية إسقاط النظام وتحديد الخطوات العملية لذلك، بدلاً من تحويله أداةً للشتيمة والجدال غير المجدي. كان يمكن الشعار أيضاً أن يكون أكثر تواضعاً وملامسة للواقع، علماً أنّه في نسخته اللبنانية ـــــ «الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي» ـــــ ثقيل على الأذن، من الناحية الفنية. وهذا سبب كاف لتحريك المخيلة اللبنانية، وابتكار شعار يمكن أن تصدح له الحناجر بطريقة أفضل. وفي المناسبة، ما العيب في أن يطالب «الشعب (اللبناني) بإسقاط النظام» عموماً، من دون حصره بالطائفي؟ ألا يستحق هذا النظام البرلماني والديموقراطي القائم على الوراثة السياسية وتسلط أمراء الحرب على ثروات البلاد والعباد، المطالبة بإسقاطه؟ عندها فقط لا يعود الشعار مستورداً، ولا تكون التحركات منسوخة بطريقة سيّئة، بل تأتي في السياق الطبيعي للثورات التي تجري في دول المنطقة. فالواقع السياسي في لبنان لا يختلف عما هو عليه في دكتاتوريات العالم العربي، إلا في الشكل. انتخابات نتائجها معروفة سلفاً، وراثة سياسية تُحجَز فيها حصة الأحفاد قبل أن يولدوا، فساد سياسي يصلح لأن يدرّس في الجامعات، هدر ونهب وسرقة للمال العام، غلاء جنوني وفقر وجوع وهجرة. هذا بعض من أوجه الشبه بين لبنان والدول العربية، مع فارق وحيد أنّ اللبنانيين لا يزالون مقتنعين بأنّهم «غير شِكِل»، ربما لأنّ الدكتاتورية عندنا مغلّفة بديموقراطية براقة، لا تعدو أن تكون خدعة بصرية. ألا يستحق هذا النظام أن يتداعى الشعب لإسقاطه؟ ليس صحيحاً أنّ هذا ما يعنيه تماماً المطالبون بإسقاط النظام الطائفي، فالمعنى لا يمكن أن يكون في حالات مماثلة في قلب الشاعر، ولا يمكن أن تعني الشعارات المطالبة بحقوق المثليين الجنسيين إسقاط النظام اللبناني، كما لا يمكن المناديات بإنهاء الذكورية أن يعنين ذلك أيضاً. ليس المقصود الانتقاص من أهمية هذه المطالب وأحقيتها، لكن منطق التورية لا يصح في ثورات إسقاط الأنظمة. والشعارات التي رُفعت في تظاهرات إسقاط النظام الطائفي فضفاضة، وفيها كل شيء. لذا، لا يمكن الادعاء هنا أنّ كلّ هذه الشعارات تخدم القضية المركزية، أي إسقاط النظام الطائفي، علماً أنّ إسقاط النظام برمته أكثر سهولةً من إسقاط النظام الطائفي، الأكثر تعقيداً في تشعباته الثقافية والاجتماعية والتربوية والنفسية، وخصوصاً أنّ اللبنانيين تشربوا الطائفية في الحليب وعزّزوها بوجبات من المذهبية لا يزالون يتجرعون عيّنات منها يوميّاً.
كان يمكن أن تنتهي الملاحظات على تظاهرات إسقاط النظام الطائفي عند هذا الحدّ، وتقتصر على الشكل، لكن الموضوع في الجوهر يبدو أكثر تعقيداً، إذ إنّ هناك اختلافاً على المفاهيم نفسها. فليس هناك تعريف موحد للنظام أولاً، وللنظام الطائفي، وللطائفية، وللطائفية السياسية، وللعلمنة، وللمواطنية. هذا الخلط الخطير الذي عكست حلقة «كلام الناس» على المؤسسة اللبنانية للإرسال، الخميس الماضي، بعض جوانبه، أظهر بطريقة جلّية أنّ حلم إسقاط النظام الطائفي بعيد المنال، إذ لا يمكن أن نتفق على إسقاط شيء لا نتفق على تحديده. وباستثناء الكلام العلمي والواضح الذي قالته الدكتورة أوغاريت يونان، كانت الحلقة عبارة عن عصف فكري يفترض أن يسبق أيّ تحرك للخروج باتفاق واحد تنطلق التظاهرات على أساسه، لكن كيف الاتفاق، في ظل الموروثات التي يحملها الجيل الجديد، والتي عكستها الأطراف الرافضة إسقاط النظام الطائفي لأنّها تخاف على وجودها؟ خطير ومرعب كيف يفكر الشباب اللبناني، وكيف يحاور أو بالأحرى لا يحاور.
لو كُتب لجبران خليل جبران أن يحيا الى يومنا هذا، لكان قد عدّل مقولته الشهيرة لتصبح «أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الطائفة والمذهب».

* صحافية لبنانية