مع الحراك السياسي المطالب بإسقاط النظام الطائفي ورموزه، تنشأ خيم عبر المدن اللبنانية، يعتصم فيها من أراد وأرادت أن تخلق فضاءً في المدينة مغايراً للمتاح والمسموح به، وأن تحتلّ مساحة عامة هي في الأساس لها. هذا الخطاب السياسي الجديد، الذي يأخذ شكل ثورات عبر العالم العربي، هو حاجة الشعوب إلى رفض الاضطهاد. وهو في هذه الخيم والتظاهرات أيضاً يترجم هذا الرفض في التجربة المدينية ويقدّم لغة مختلفة عن الخطاب المهيمن.


بين نقاشات وصراخ ونوم في البرد وضحك وتظاهرات، أصبحت خيمة صور مساحة جديدة وملوّنة لأسئلة جديدة ـــــ قديمة، تخلق ما لم يستطع النظام السياسي الطائفي الرأسمالي ودوائر الأحزاب المغلقة وهرميّة المجتمع أن تقدّمه. بين الفينة والأخرى، تمرّ سيارة، يلوّح لنا السائق ويصرخ «الله معكن شباب!»، نبتسم ونشكره. وكلّ يوم، يمرّ أشخاص يجلبون لنا الحلوى، أو أكواب شاي ساخنة تخفّف برد الخيمة، أو طبخة «مجدّرة تعوّض عن أكل البيكون». التحرّك في صور لم يكن متوقّعاً من أحد، لكن حصوله فتح أعين الكثيرين والكثيرات على إمكان رفض الواقع. يمضي النهار بين نقاشات عن معنى ما نفعله وأهدافه، وتفسير كلّ شخص لمطالب التحرّك. فللبعض، هو ضد تحكّم الطوائف في مفاتيح الاقتصاد والعمل والإنتاج، ولآخرين، هو ضد خطاب طائفي يخلق هرمية بين شعب الوطن الواحد، أو ضد منطق عنصري متقوقع. نتساءل بعد كلّ نقاش، لمَ نعتصم، ولمَ تأسست هذه الحركة بهذا الشكل العضوي؟
يربط الكثيرون الحراك السياسي في لبنان بما جرى في المنطقة العربية. وهو إذا لم يكن مرتبطاً به ارتباطاً مباشراً، فإنّه، على الأقل، كان نتيجة لحقائق ثلاث أثبتتها الثورات العربية.
أولاً، إمكان الثورة ووجودها في زمننا هذا، كما في كلّ الأزمنة التي مضت. كان الخطاب قبل هذه الثورات يقول إنّ «زمن الثورات قد ولّى». فقد فعلت السياسات النيوليبرالية فعلها، وحاولت إقناعنا بأنّ التكنولوجيا وفّرت كلّ شيء، وجعلت أي ثقافة ثورية مستحيلة، وسيطرت على فكر الشعوب ووعيها وأدّت إلى تمييع كفاحها. بين الاهتمامات اليومية والحاجة إلى تكديس رأس المال، كانت الثورة تبدو أملاً بعيد الوصول للبعض، وفكرة مهترئة بائدة للبعض الآخر. لفت صديقي نظري إلى شيء جديد حينما نبّهني إلى فقرة على قناة الجزيرة، اسمها «اقتصاديات الثورة». أكنّا نحلم يوماً بسماع أخبار عن «الثوار» على التلفاز، سأل. عاد الفكر الثوري إلى الواجهة، وظهر إمكان رفض الظلم وعودة الانتماء العربي. وبينما كانت الأنظمة المخلوعة تنمّي النزعة «الوطنية» العنصرية لدى كلّ شعب على حدة، أظهرت هذه الثورات وحدة في الانتماء والهوية، حيث نرى أنّ الشعب المصري حمل الأعلام الفلسطينية والتونسية في تظاهراته، كما أنّه رفض أي تدخّل أجنبي «لإنقاذه»، وتظاهرت الشعوب العربية أمام السفارات التونسية والمصرية والبحرينية، لتتضامن مع شعوبها. لقد أظهرت هذه الخطوات أنّ شكل الثورة عربي بامتياز، وبذلك مكّنت أيّ شعب عربي مضطهد من الانتماء إلى الثورة وإعادة خلقها في بلده.
ثانياً، هناك إمكان فرضِ شكل وخطاب ثوري جديدين، خارجين عن الشكل المغلق للأحزاب. يسعى هذا الحراك إلى إيجاد هوية له، رافضاً الانتماءات السياسية، وهو بحدّ ذاته عمل شاق إذا ما قارنّاه بالتشرذم الحاصل في المجتمع اللبناني واستحالة العمل أو النقاش بعيداً عن تصنيف أو انتماء، كما يعاني المشاركون في هذه التحرّكات، وخاصةً النساء، الحاجة إلى كسر الأطر الموضوعة سابقاً لتعريف الحراك السياسي وحدوده. وهذا ظاهر في التعامل الذكوري، واللغة العنيفة التي بدأ بها الحراك، والتي تصارع النسوة المشاركات لتغييرها. فبينما تصل الحركات الثورية الشعبية في العالم الى تحرّرها عبر تبنّيها خطاباً نسوياً بامتياز، لا تزال حلقات نقاشنا السياسية تتخبّط في شوفينية ذكورية. والثورة هنا ليست فقط بتغيير نظام الدولة، بل بثورة شخصية داخل التحرّك تبدأ بالاعتراف بالجندر وتتطوّر لتصوغ شكلاً ثورياً نسوياً، تكون فيه علاقات الأشخاص داخل التحرّك المطلبي خالية من الفوقية. وتكمن الصعوبة في محاولة خلق ذلك كله ضمن إطار لاسلطوي عادل.
ثالثاً، وضوح الصورة والصراع والخطاب في تحديد العدو وفي تقبّل التعدّدية. بينما صرخ نساء ورجال تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا وغيرهم، ضد عدوّ واضح واحد ومحدّد، نرفع صوتنا في وجه العنصرية بكلّ أشكالها: النظام الطائفي وما ينتجه من تفرقة وعنصرية وكره للآخر وخوف منه، ومن غياب للعدالة ومن نازية ومن ذكورية تظلم المرأة وتحمي القوي مهما فعل. كما نعلن في هذا الحراك انفتاحنا على الآخر وشعاراته (وهمومه)، فكما يضطهدنا ويرفضنا النظام الحالي، نعلن قيام أخوية بيننا وبين المضطهدين الآخرين في خطوة لتوحيد النضال، ولأنّ أيّ حراك مطلبي عليه أن يكون عادلاً، إنسانياً، غير فوقي.
هناك علاقة بين ما يحصل الآن في لبنان وما يحصل في الدول العربية، بالرغم من الفروق في الشكل والمضمون. لقد أثبتت الثورات العربية أنّ الفكر الثوري لا يزال، كما كان من قبل، أساس النهوض بالمجتمعات والفرد، وبأنّه ممكن وبأنّه ببساطة جميل. وقد أثبتت أنّنا نستطيع أن نصرخ فتختفي أصواتنا في الزحمة: «ثورة ثورة عربية».

استقلال الخطاب والوعي السياسي

نتحدث عمّا يجري من داخل هذه التحرّكات، لكنني أعرف أنّ الناظر والناظرة إليها من الخارج يريان منظراً مختلفاً تماماً. ونفهم ذلك عبر الأسئلة التي توجّه إلينا. فغالباً ما تأتي نظرة الناس مشكّكة، محاولةً فرض شكل «مستقل» ليبرالي «غير سياسي»، على ما تأمل أن تجده في حراك كهذا. كأنّ الصراع الآن ليس في جوهره سياسياً، أو كأنّ فكرة الاستقلال عن الأحزاب تعني أيضاً ضرورة استبعاد المعتصمين والمعتصمات عن تحليل منطقي لموازين القوى ومعرفتهم بأبسط المفاهيم السياسية. إنّ استقلال الحراك يعني عدم تمثيل الأحزاب والطوائف، لكنّه لا يعني غياب الانتماء السياسي للأفراد.
يفسّر كارل ماركس مفهوم الأيديولوجيا المهيمنة بمقارنة هذا المفهوم بالشكل الأصلي للكاميرا المعروف بالـ«كاميرا أوبسكورا» الذي يعتمد على دخول شخص إلى غرفة مغلقة تصل إليها صورة من الخارج عبر ثقب صغير ونظام معيّن من العدسات. وتكون الصورة المنقولة مقلوبة. وهكذا تكون الأيديولوجيا المهيمنة، تعكس صورة معينة عن الواقع. هي صورة غير حقيقية إلا أنّ الأفراد الموجودين في داخل النظام يعتقدون أنّ هذه هي الحقيقة المطلقة. والأهم أنّهم يسمّون كلّ من يأخذ اتجاهاً غير اتجاههم، تابعاً لأيديولوجيا معيّنة، كأنّ من يتبع النظام المسيطر لا يتبع أي أيديولوجيا. وهذا بالضبط ما يحدث مع الحراك الشعبي في لبنان. فالمشكّكون يتساءلون أيّ أيديولوجيا يتبع المعتصمون والمعتصمات، ويرتعبون عند مناقشة السياسات الاقتصادية النيوليبرالية وعند انتقاد الخطابات النخبوية. يحكمون على المعتصمين والمعتصمات بأنّهم إذاً يساريون ويساريات، كأنّ النظام الذي يحكمنا حيادي، ومن يعيش تحت حكمه ويقبله ليس نتيجة لذلك يمينياً.
إنّ النظام الحالي في لبنان جائر وظالم وعنصري ومقرف بنازيته. وهو نظام يميني بامتياز، يتوجّه إلى الأجنبي والمستعمر ورجل الأعمال والقوي ويفتح له الأسواق ويسهّل له كل الأوضاع والتعقيدات. هو نظام مسطّح يهدف إلى تقوية القوي ويعزّز التصادم بين المضطهدين والمضطهدات. بكل بساطة، إنّ الأدوات التي تحلّل السياسات المستعملة وتحاول كسر حكمها، هي أدوات يسارية بامتياز. فإن أردنا إذاً الحكم على الحراك بأنّه غير محقّ فقط لأنّه يساري، تصبح مقاربة الموضوع غير واعية وصبيانية.
ما يحدث هنا هو حراك مطلبي، آمل أن يتطوّر إلى عصيان مدني، لأنّ الوضع أصبح أورويليّاً (نسبة إلى الكاتب جورج أورويل) بتخطّي الظلم لحدود المعقول، واستغباء الناس بشعارات ومخاوف وانتماءات طائفية مقزّزة.

التظاهرات والخيم والمدينة

تكلّمنا عن مسبّبات هذا الحراك والشكل السياسي له، وهنا نحاول تحليل تأثيره على الشكل المديني، في حالتيه الثابتة والمتحرّكة، أي عبر التظاهرات وعبر الخيم المنتشرة بين بيروت، صيدا، صور، النبطية وفي الشوف. فتظاهرات بيروت، والمعاني التي تحملها الشوارع والساحات التي تمرّ فيها، تختلف عمّا تعوّدناه. بينما كانت التظاهرات في بيروت تتوجّه إلى مراكز القرار المتمركزة في وسط المدينة، أصبحت تمرّ عبر الأحياء السكنية وتتفاعل مع الناس. من شكل معلّب للتظاهرات الرمزية، أصبحت مسيرات الأحد، عبر وجهة سيرها، بياناً رسمياً لمعنى الحراك وترجمته على خريطة المدينة.
وفي صور، نُصبت الخيمة رغماً عن ضغوط الأحزاب والبلدية لإزالتها أو إفشالها. يكون استمرارها إذا تحدّياً لمنطق رفض الآخر، ويفتح فضاءً ثورياً في المدينة، لكونه مساحة حرّة للنقاش والاحتكاك بالآخر. الخيمة كمفهوم هي مساحة شخصية آمنة في فضاء المجهول والصحراء والقفر. هي البيت والمسكن والرحم. كان الأعراب يبسطون خيمهم في العراء، في الليل وتحت سطوة الطبيعة وغضبها، فتكون الخيمة كالإله الحافظ والحامي والحاضن .تقول عالمة الأنتروبولوجيا سوزان رسموسان بأنّ الخيمة هي «المكان الاجتماعي والرمزي الذي على عكس ما يبدو كمكان للوحدة، هو في الثقافة المحليّة وعبر طريقة تفاعله مع المحيط مكان لتمركز الهوية والاجتماع»، كما في الصحراء هو هنا في المدينة، مكان حاضن لنا، لصراعنا، لهويتنا وثقافتنا، لكن الصراع غير مقيّد بحدود الخيمة. هي مكان الانطلاق له، هي مكان الخلق. عند الطوارق الأفارقة، إخوتنا وأخواتنا في البداوة، يستعملون كلمة معقّدة التفسير وهي «أيهانزوزاغ». وتترجمها الباحثة الاجتماعية غنفور بيرج بأنّها «المكان حيث يفضّل الإنسان أن يكون. والسبب الوحيد الذي يدفع الإنسان إلى ترك «الأيهانزوزاغ» خاصته، هو نقص المرعى. ولو وجد الذهب في مكان آخر وهناك مرعى، فلا يترك الـ«أيهانزوزاغ». هي إذاً مكان الانتماء. الخيمة ليست وحدها بيت الإنسان، بل ما يحيط بها، وأيضاً العناصر الطبيعية التي تؤثر فيها».
الخيمة نُصبت إذاً لا لتنفصل عن المدينة وتنعزل عنها، بل لتكون مكاناً للبدء. فخارج الخيمة فضاؤنا ومدينتنا. والهدف هو أن تصبح المدينة بعد تبلور التحرّك، ليست شاهدة فحسب على الصراع السياسي وتطوّره، بل ممثّلاً رئيسياً في إطار ترسيخ شكل الرفض، وجعله مرئياً وتكثيف تفاعله مع الناس والأمكنة.
من فقراء المدن المهمّشين إلى اللاجئين الفلسطينيين والعمّال السوريين والعاملات الأجنبيات والفلاحين وعمّال المصانع وعاملاتها، من النساء اللبنانيات المعنّفات واللواتي لا يمنحن الجنسية واللواتي يُعتدى عليهنّ واللواتي يطلبن إنصاف القانون ولا يجدنه وأمهات المفقودين وكلّ من قُمع واضطهد من هذا النظام، نريد أن نغيّر موازين القوى وأن يسمع صوتنا ولو لبرهة.

* مهندسة معماريّة لبنانيّة