في لقاءٍ عابر بيني وبين الإعلامية مي شدياق، اتهمت مي تظاهرات إسقاط النظام الطائفي بأنّها مدارة من الرئيس نبيه بري، فطلبت منها الانضمام إلى المسيرة لإسقاط هذه التهمة، فكان جوابها أنّها لن تنضم إلا إلى مسيرة تدعو إلى العلمنة الكاملة. أذكر هذه الواقعة لألفت النظر الى مجموعة من الإشكاليات التي بدأت تتكوّن وتكبر، مع تقدّم حركة الشباب المطالبة بإسقاط النظام الطائفي في لبنان، وهي إشكاليات طبيعية، تعكس تطوّر الحركة وبداية تحوّلها إلى حالة جدّيّة، تهدّد طبيعة النظام الطائفي القائم. ويمكن تلخيص هذه الإشكاليات بأربع نقاط.

بداية، إنّ شعار إسقاط النظام الطائفي هو مطلب سلبي، بمعنى أنّه يُعرّف ما لا نريده، ولكن لا يشير إلى بديله. ولعل النقاشات المكثفة التي تجري بين الشباب حول النظام البديل، تعكس بوضوح حالة الارتباك التي يعيشها الشباب حول هذا الموضوع. فهناك من يدعو إلى تطبيق اتفاق الطائف، ومن يطالب بالعلمنة الكاملة، ومن يريد حصر الموضوع بالدعوة الى إنشاء الدولة المدنية، ومن يريدها دولة ذات ميول ثورية اشتراكية، إلى آخره. وإذا ما افترضنا أنّ هذه النقاشات صحية وطبيعية، فإنّ السعي للحصول على أكبر دعمٍ وتأييد من الجمهور، يتطلب الإطلال على الرأي العام بمطالب واضحة للنظام البديل المقترح.
ثانياً، تتطلب الدعوة الى قيام دولة المواطنة عبور المواطن اللبناني من انتمائه المذهبي والطائفي إلى الانتماء الوطني. من هنا، ما هي الحوافز المقنعة والمطمئنة لأبناء الطوائف (خاصة المسيحية والسنية منها) للتخلي عن الامتيازات السياسية الممنوحة لطوائفهم في النظام الحالي باتجاه الوطن؟ كيف سيتعامل نظام المواطنة مع الأحزاب الدينية الطائفية، وهل يمكن فصل المقاومة عن حزب الله؟ وهل تنجح هذه الحركة في إقناع الشيعي اللبناني بالتخلي عن الانتماء أو دعم حزب الله الذي يوفّر له الحماية والقوة، للانتماء إلى دولة لا احتكار للسلاح له فيها؟ وفي المقابل، كيف يمكن إقناع السني والمسيحي اللبناني بالتخلي عن أحزابهما المذهبية، للغرض نفسه؟
ثالثاً، لنفترض أنّ المساحة التي تجمع كافة اللبنانيين تتضمّن شريحةً واسعةً من المصالح المشتركة في قيام دولة تضمن للمواطن اللبناني، من كلّ الانتماءات، الخدمات الرئيسية من كهرباء وماء وطرقات، والضمانات الاجتماعية من ضمان صحي واجتماعي وضمان الشيخوخة وتعويضات البطالة، والتعليم المجاني (أو شبه المجاني)، ومحاربة الفساد وقيام قضاء عادل ومستقل، وغيرها الكثير من المطالب، إلا أنّه لا بدّ لتحرك الشباب من أن يضمن للمواطنين، في حالة الانتقال الى دولة المواطنة، عدم إمكان انقلاب أيّ مذهب أو طائفة على هذه الدولة والتحكم بها (والأمثلة في العالم العربي في هذا الخصوص كثيرة جداً). ويتطلب ذلك تحصين دولة المواطنة بمجموعة مهمة من الضمانات الدستورية التي تحمي هذه الدولة من حالات الجنون الطائفي، والدفع نحو إلغاء الآخر.
رابعاً، يُظهر التحرك، حتى هذه اللحظة، بوضوح، وجود مجموعة مهمة من الشعب اللبناني تريد التغيير وتجاوز الدولة الطائفية، إلا أنّ عدم تطوّر هذا الحرك ليصبح تحركاً جماهيرياً واسعاً، سيؤدي إلى إعلان إنشاء الطائفة التاسعة عشرة في لبنان، بدل إعلان إرادة معظم الشعب اللبناني التغيير. بناءً على ذلك، ما هي الاستراتيجيات والخطوات العملية التي ستتبنّاها هذ الحركة، لكي تضمن أكبر قدر من الالتفاف الشعبي حولها؟
كلنا مقتنعون بعقم النظام الطائفي القائم وفساده، وبالتالي، لا بد من تغييره. إلا أنّ التغيير في لبنان قد يكون الأصعب لأنّه يتطلب تغييراً في الذهنية المجتمعية، من التقوقع المذهبي الى المواطنة. ولكنّه، في الوقت نفسه، الأهم، لأنّ قيمة أيّ ثورة ليست في تغيير نظام بل في تغيير نظرة الشعوب إلى ذاتها وفلسفة وجودها. لذلك، فإنّ تحرك الشباب لإسقاط النظام الطائفي هو أهم تحرك شعبي منذ حرب 1975، وأهم ما فيه أنّه يبرهن أنّ الشباب اللبناني قد تحرر من التبعية السياسية والمالية للزعامات الطائفية، وقرر أن يمسك مستقبل بلده بيده ويصنعه من جديد، بعيداً عن كلّ تدخل خارجي. من هنا أهمية طرح هذه الإشكاليات والسعي للإجابة عنها، حتى تنجح حركة الشباب، ونضمن لأولادنا وطناً أفضل بكثير مما هو متوفّر لهم الآن.

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة البلمند