إذا ما كنّا متفائلين، نحمِّل أنفسنا عبء الرهان ونقول إنَّ حراك إسقاط النظام الطائفي لا يزال في طور التحمية والحشد وطَرْق باب الوعي والضمير اللبنانيين، وإنّه لا يزال غير مؤطّر حزبيّاً وغير مبلور فكرياً وسياسيّاً. حماسة الشباب أنزلته إلى الشارع باكراً، مثلما يضطر فتى إلى العمل وهجر مقاعد الدراسة. فالحراك، بهذا المعنى، يتيم. ولعل هذا امتياز. فالأحزاب التي رفعت شعار إسقاط النظام الطائفي والعلمانيّة والديموقراطيّة والمدنيّة، إما تطيّفت وباتت جزءاً من النظام، وإما انحسرت وغرقت في أزماتها ونزفت أجيالاً من «دمها». والنُّخَب التي سبق أن انخرطت في تجارب سياسيّة وأسهمت في إنتاج مشاريع وآداب وفنون، إما استقالت وانسحبت إلى أمورها المختلفة، وإما غيّرت مواقفها وتطبّعت مع الخطاب الطائفي على أنواعه، من دون أن يعدم هذا وجود خيارات شخصية كثيرة حافظت على وعيها اللاطائفي.

هناك، إذاً، ما يشبه القطع بين السابق والراهن، وسبب ذلك ليس الحراك ما دام لم يسعَ إلى ذلك. السبب هو الظروف والتراكمات والتحوّلات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وإذا كان من المبكر القول إنّ «السابق» هو السبب، فإنّ «التوقيت» مناسب للقول إنّ الكرة في ملعب الجميع، بما في ذلك «السابق» الذي تأثرت حياته وخياراته بالتجارب الماضية وتتأثر بالظروف الراهنة والتراكمات والتحوّلات. ومن المفيد المصارحة، في هذا المقام، بأنّ ثمّة شعوراً لدى غالبيّة المنخرطين في الحراك، مفاده أنّه إذا لم يتحقق شيء من هذا الحراك، فلا قيامة للديموقراطيين المدنيين والعلمانيّين، ولا خروج للبلد من الحلقة المفرغة التي أوصل الطاقم السياسي الطائفي الدولة والبلد إليها. وهذا، إلى حد بعيد، معبّر وحقيقي وليس للتحريض والحشد ولا للاتهام، فالظروف معروفة ولا يخفى أنّه لا أطر سياسية ونقابيّة تقوم بمهمة الوصل... والإحباط سيّد الموقف.
هنا مربط الفرس، فالحراك، إذا ما سألنا ما هو، هو أولاً ملاقاة الشحنات والطاقات العربيّة نحو التخلص من الأنظمة الاستبدادية الفاسدة؛ وهو ثانياً لحظة وعي وضمير خاصة لكلّ مواطن ولحظة قلق أيضاً. وقد التقى على ذلك المنخرطون في الحراك، متظاهرين ومؤيدين، من جهة، والذين ساءلوه أو عارضوه من مواقع مختلفة. فإذا كان المنخرطون في الحراك يراوحون بين العلماني والديموقراطي والمدني وغير القلِق على مجموعته المذهبية من إسقاط النظام الطائفي، فإنّ الذين ساءلوه يراوحون بين القَلِق على مجموعته المذهبيّة والقَلِق، إلى حدّ الاتهام، من أن تكون هناك «أكثرية» ما وراء الحراك، أو يخدم تلك «الأكثريّة» من دون تعمّد ذلك. وهذا من «التراث» اللبناني السياسي الذي استطاع الطاقم السياسي الطائفي بأدواته المتعدّدة، ولا سيما الدعائية والإيديولوجيّة والنفعية، تحويله لاوعياً يحرّك المواطنين ويسيطر على ردّات أفعالهم إلى حد خيانة الوعي أو تزييفه. فكما يبدو تعليق نبيه برّي «شريطه» على خط كهرباء الحراك غير أصيل ومن طبائع البازار السياسي وألاعيبه، يبدو غير أصيل ومن طبائع البازار السياسي وألاعيبه «تجاهل» جمهور التيار الوطني الحر، مثلاً، الحراك وشعاراته التي نادى بها التيار قبل أن ينخرط في تفاهم سياسي طائفي نفعي مع حزب الله (الذي يُقال إنّ إسقاط النظام الطائفي يخدم مذهبه)، وقبل أن ينخرط في النظام الطائفي وطاقمه السياسي رغم محاولاته للتميُّز.
المسألة إذاً معقّدة إذا ما نُظر إليها تحت وطأة خطابات المجموعات المذهبيّة وزعمائها. ورغم أنّ تجاوز هذا صعب، لا مناص من أن ينشط الحراك لمخاطبة الوعي ومكامن القلق، من خلال نقل هواجس المواطنين ومخاوفهم إلى رؤيته واستراتيجيته غير المبلورتين بعد. فلا يمكن الحراك أن يستمر ويحقق شيئاً من دون ذلك، من دون القول، بالخط العريض وبالقانون، إنّه لا يريد إسقاط النظام الطائفي لغلبة أكثرية عددية على أقلية عددية، بل ليساوي بين المواطنين، وليضمن حقوق الأقلية، أو الأقليات، إزاء الأكثرية، أو الأكثريات، وإنّه لا يريد إسقاط النظام الطائفي ليستقوي القوي، بل ليجعل «الضعيف» قوياً. ولا يمكن الحراك أن يتّسع ويكسر حلقة الخوف والاستسلام للفراغ السياسي وأوهام الحماية المذهبيّة، إذا لم يقارب من موقعه الوطني الديموقراطي المدني العناوين التي تحتكر الحياة السياسية، المحكمة والسلاح والدين العام والفساد على سبيل المثال، من دون الانزلاق إلى أيّ من فريقي النزاع المذهبي وخطابه والتطبّع مع الحياة السياسية العقيمة.
إلى هذا الذي يجب أن يتسع وينخرط فيه الجميع، ولا سيما النخب والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، ثمّة مهمة ملحّة أمام الحراك وخصوصاً الناشطين، ألا وهي تجاوز الانقسام الذي وإن كان «مفهوماً» نظرياً فهو غير مبّرر شخصياً وسياسياً... والتمادي به هو الخطر الأكبر، إذ لا يعبّر ذلك عن قصور ثقافي وتنظيمي وحسب، بل سيؤدي إلى توفير بيئة سلبية تخدم الخطاب الطائفي والطاقم السياسي بدلاً من أن يوفر الحراكُ بيئة إيجابيّة ضاغطة وقابلة للتوسع والفاعلية. والمدخل إلى ذلك، أيّ إلى «استيعاب» الانقسام وتحويله إلى فرصة تخصيب فكري وسياسي، هو الشروع ـــــ معاً ـــــ بإبداع آلية عمل حوارية تتّسع للنشاطات والمجموعات والناشطين... والمواطنين، وتنتج استراتيجية عمل و«خطاباً» سياسياً يترجم الشعار الفضفاض ويستفيد من الطروحات والتجارب والدراسات والمؤسسات الديموقراطية والمدنيّة... ومن الطاقات العلميّة، ولبنان غني بذلك. غير ذلك سيؤدي بالحراك إلى زواريب ضيّقة ليس فيه إلا الحروب الميليشياوية، وقد بدا ذلك واضحاً في الأيام الماضية التي برز فيها ما يهدد الحراك وإمكان تطوير الحياة السياسية، ويشوّه دخول الفئات الاجتماعية والثقافية والسياسية، ولا سيما الشبابيّة، المسرح السياسي الذي يحتكره الطاقم السياسي للنظام الطائفي. ولا تبشّر الأيام الماضية وما فيها من ظواهر بذلك، فمعظم الناشطين في الحراك انتظموا في مجموعات لاعتبارات لا تزال غامضة حتى الساعة، وراحوا يخوضون حروباً صغيرة أقفلت الباب أمام فئات واسعة تنتظر بيئة إيجابية خلاقة، الحراك بحاجة إليها.
وحتى الساعة، يكرّر الحراك والناشطون فيه الشعارات والأفكار القديمة... والبالية، ما جعله يبدو حراكاً يسارياً يتقاطع في بعض عناوينه مع خطاب «وطني» من الجهة الإسلامية، ولا سيما الشيعيّة. وهذا مقتل يتحمّل مسؤوليته الناشطون الذين لم يبذلوا الجهد الفكري والسياسي الضروري، والذين وفدوا إلى الحراك لأسباب سياسية وربما مذهبيّة.
لا مخرج من هذا، إلا بالشروع في إبداع مقاربات مدنيّة ديموقراطية للعناوين السياسية والاجتماعية والثقافية، بالتزامن مع تفكيك النظام الطائفي الذي لم يقدّم، على عكس ما يدعي الطاقم السياسي، الحقوق والطمأنينة للمجموعات الطائفية والمذهبيّة، فهو «لعبة» لغلبة فريق (تحالف أو تفاهم) على آخر، ولا يَغلبُ فريقٌ فريقاً إلا بحرب أو باستقواء خارجي، ولا تنفكّ زعامات المجموعات عن جذب الدول الأجنبية إلى الساحة. فمن إيجابيّات الحراك، وقبل عملية الحشد المستمرّة التي يجب أن تُفعّل، وإنتاج الشعار والرؤية والاستراتيجية، نزع صفة الأبدية والقدسية عن نظام الزعامات الطائفية وحروبها وصراعاتها ذات الامتداد الخارجي. ومن الواجب هنا التوجه إلى هذا النظام، وإلى المواطن اللبناني الواعي المستقل القلق، بالسؤال: إلى أين؟ أيجوز أن نبقى في هذا الانفصام والاجتماع المَرَضي، داخل كل منا، لشخصين (أو أكثر)، واحد ديموقراطي مدني وآخر طائفي ميليشيوي، واحد حداثي وآخر تقليدي بل متخلّف، واحد يدّعي الوعي والتحضّر وآخر تسيطر عليه الغرائز، واحد منفتح على الحياة وآخر مشدود إلى الموت، واحد منفتح على الآخر البعيد (الأجنبي) وآخر منغلق على الآخر القريب؟ إلى أين هذا النظام الذي ينتج الحروب والأزمات ويعيدنا قروناً إلى الوراء؟
مهمّات هذا الحراك لا حصر لها، لهذا يلحّ صوغ استراتيجيّة، وإلا فسيغدو الحراك تحت الشعار الفضفاض والغامض في موقع الدفاع وربما التقهقر. ففراغ الحراك من استراتيجية ورؤية وآليات عمل ديموقراطية مرنة قادرة على استيعاب الاختلافات والمختلفين يمثّل ضعفاً بنيويّاً خطيراً يسمح بتسلل الطاقم السياسي وبملاقاته من قوى حزبيّة ومدنيّة موجودة في الحراك. وهذا الكلام بريء من أي دعوة إلى التطهير، لكن ينتسب إلى العمل الجَماعي لإنتاج استراتيجية ورؤية وآليات عمل. ولعل من الأَولى، إضافة إلى الاستمرار والشروع في صوغ الاستراتيجية والرؤية وآليات العمل، تفكيك النظام الطائفي ونزع صفة الأبدية والقدسية عنه وتأكيد ما هو عام وتطوير مفهومه الديموقراطي المدني وتعميمه. العام بما هو مساحة للقاء المواطنين والدولة (لا النظام ولا الطاقم السياسي الطائفي). فكما الشوارع والساحات والميادين عموميّة، كذلك مؤسسات الدولة وإداراتها العسكرية والأمنية والمدنيّة ليست ملكاً للطاقم السياسي ونظامه الطائفي. تلفزيون لبنان، على سبيل المثال، مؤسسة عامة من ضحايا المحاصصة الطائفية وابتلاع الطاقم السياسي الدولة ومؤسساتها واحتلاله المساحات العامّة وإفسادها وتطييفها. لهذا، على الحراك النضال لاستعادة هذا المنبر العام والمؤثّر (يفترض) وتحريره ليس كمؤسسة عامّة مهمّشة وحسب، بل كتعبير عن العمل من أجل الدولة الديموقراطية المدنيّة، ولإيجاد مساحات عامة يمكن العمل لتحريرها من الطاقم السياسي. فتلفزيون لبنان هو من رموز الدولة ـــــ المواطن في مواجهة الطاقم السياسي ونظامه الطائفي. وليس في هذا الكلام أي تبنٍّ لتاريخ التلفزيون الرسمي الذي حوّله النظام الطائفي أداة دعائية، ثم حين تعددت رؤوس النظام حاصرته وهمّشته وحلّت بدلاً منه قنوات مذهبيّة. أليس تلفزيون لبنان نموذجاً لحلول الزعماء المذهبيين بدلاً من الدولة؟
لا أقدّم النضال لاستعادة تلفزيون لبنان على استعادة القضاء واستقلاله وتنقية الدستور من الخلايا الطائفية التي زرعت به عندما كنّا، بوصفنا مواطنين، مستقيلين من المساحات العامة ومستسلمين للخطاب الطائفي المذهبي ولضغوط المعيشة.
ولا أقدّم هذه وتلك من المهمات على قانون انتخابي عصري يسهم في حلّ النزاعات الطائفية المذهبية ويطمئن الأقليات والمواطنين وفي الوقت نفسه يفتح أفق الحياة السياسية أمام النُّخَب والكفاءات... ولا يمكن تأخير الشأن الاجتماعي الاقتصادي وهو المغارة الحقيقية التي يخفيها النظام الطائفي وطاقمه السياسي وأدواته الدعائية.
فلنتحرك نحو المساحات العامّة... والعناوين كثيرة.

* من أسرة «الأخبار»