منذ عامين تقريباً كتبت عن ضرورة تجريم الفكر الوهابي أخلاقياً، وحظر نشره وإغلاق مراكزه ومنابره الإعلامية في كل الدول التي تعترف بشرائع حقوق الإنسان السماوية والأرضية.هذا الفكر والمنهج الدموي لاقى الكثير من الدعم المالي والضخ الإعلامي المساند من دول معروفة، ناهيك عن استخدامه لدى بعض الدوائر الاستخبارية كورقة ضغط يلعبها في الصراعات والتناحرات السياسية الدولية، والآن بعد أن اكتوت الدول والشعوب بناره، وجب أن نقف وقفة جادة لنبحث في أسباب بقائه ونموه ووصوله إلى أن بدأ يخلق كيانات إحلالية تجسدت بإعلان دولة الخلافة على المنهج الوهابي والتي يقودها أبو بكر البغدادي وجماعته المعروفة إعلامياً بداعش.


مازالت بعض الدول متمسكة باستغلال هذا الفكر في حساباتها عبر تنظيم القاعدة وفرعه في سوريا «جبهة النصرة»، ولكنها تحارب فرعاً آخر له «داعش» لأنه خرج من سيطرتها المطلقة وبدأ هذا المنهج بممارسة تعاليمه الدموية على الأرض.
ألا تكفي الدماء التي تسيل في كل مكان في هذا العالم؟ هل يجب على الدول الغربية أن تكتوي بناره لتدرك مدة خطورته وإجرامه؟
هل يجب على الكويت أن تغلق قناة «وصال» الطائفية بعد أن تم تفجير المصلين في حسينية الإمام الصادق خلال صلاتهم ؟
لماذا تبقى قنوات «صفا» و»البرهان» و»العالم (السعودية)» تبث سمومها بين الناس برغم تعرض السعودية لما تعرضت له الكويت من إرهاب وصل إلى نشر فيديو لشاب يقتل ابن عمه «الكافر» من دون أدنى شفقة أو رحمة؟
إن هذا المنهج الإقصائي يهدف لبسط سيطرته المادية على الأرض مستنداً على تشريعات وقتية خصصت في أساسها لظروف تاريخية مختلفة.
يرتكز هذا المنهج إلى ممارسات يدّعون أنها من أصل الدين وركائزه لكنها تعود لممارسات جرت قبل 1400 عام بحيث كان استخدام السيف هو وسيلة القتال بين شعوب الأرض، وحتى أن هذه الأحكام والآيات كانت مخصصة في ظرف زماني تنتهي صلاحيتها التشريعية بانتهاء السبب وتبقى نصوصاً تعبدية لا يجب أن تتم إعادة تطبيقها بحجة إحياء الدين، هذه التطبيقات الجديدة لأحكام القتال القديمة ترجع لأن المنهج السلفي هو الأساس للفكر الوهابي كممارسة دينية واجتماعية.
كتب الكثيرون عن أسباب انتشاره وحللها المفكرون والباحثون، لكنهم لم يعالجوا أي سبب من أسباب انتشارها لتعقيد المسألة بين أوضاع اقتصادية وانعدام الثقافات الاجتماعية بين الشعوب المتأثرة بهذه الأفكار، لكن أحداً منهم لم يدع لمنع هذا الفكر أسوة بالنازية والفاشية التي تلاقي رواجاً واسعاً كردة فعل على ثقافة الكراهية التي تنشرها الوهابية، وهذا خطر آخر تشارك الوهابية بصورة غير مباشرة في نشره وترويجه.
يجب على المؤسسات الحقوقية الناشطة أن تقوم بجهد حقيقي لمنع هذا الفكر ومحاربة انتشاره ومنع تغلغله بين الشباب الذي يبحث عن قيمة ومعنى لحياته، من أجل إنقاذهم من براثن الضياع في الجهل والجريمة الدموية.


هذا المنهج الإقصائيّ يهدف إلى بسط
سيطرته مستنداً إلى تشريعات وقتية


وهذا الجهد ليس مستحيلاً ولا صعباً، وسيلاقي تأييداً من الملايين. وللأسف الشديد لأن ضحايا هذا المنهج يتوسع من الهند شرقاً حتى أواسط أوروبا غرباً ناهيك عن بؤره الإجرامية في الشرق الأوسط.
إن المحاكم الدولية والمؤتمرات والمحافل العالمية والمجالس التشريعية في كل العالم يجب أن تعمل وبشكل عاجل على تجريم هذا الفكر ومنعه وملاحقة مروجيه وداعميه من أفراد ومؤسسات ودول. لكننا نرى دولاً عربية تفتح أبواب جامعاتها ومراكزها لهؤلاء الدعاة والمروجين وتنشر أفكارهم الإقصائية بالرغم من تعرضها لجرائم إرهابية منبعها فكر هؤلاء الدعاة المتسترون بشكل «السلفية».
لقد أصبح ضحايا هذا الفكر يناهزون بل ويتجاوزون ضحايا الفاشية بالأرقام والفظائع التي يقترفها الوهابيون، دول وشعوب وقوميات وإثنيات وطوائف تتعرض للدمار والخراب والحرق.
لقد شمل إجرامهم الجميع حتى أنهم نهشوا بعضهم مثل الوحوش المسعورة الأمر الذي وصفته قناة البرهان بــ»قتال بين الدولة وبعض المتمردين».
إن الوهابية فكر يعادي كل شيء يحرق ويبيد ويمحو البشر والشجر، حتى الآثار والتراث الإنساني الحضاري لم يسلم من شرور معاولهم ووحشية تصرفاتهم.
مجاميع تمارس الاتجار بالبشر والاغتصاب والقتل والسرقة والإبادة العرقية والطائفية والعالم يصفها بمجرد «إرهاب». إن هذه الفاشية الجديدة خطر على البشرية، لكن يبدو أن هذه «البشرية» لن تدرك شر وفظاعة هذا الفكر إلا متأخراً بعد أن تتكرر أحداث سوريا والعراق ولبنان في كل مكان من العالم، وقد بدأوا في فرنسا وهاهم يعدون العدة للهجوم على عواصم أخرى، وهذه الدول لا هم لها إلا ضرب كيانتها الإحلالية «دولة داعش» في سورية والعراق.
يرسل الأوروبيون طائراتهم لتقصف مراكز الدواعش بعد أن ضربت عواصمهم ويتركون شاباً يتجهز لقتل مجموعة من البشر خلف شاشة الكمبيوتر بعد أن قرأ كتاباً في «مسجد» أو قرأ في موقع الكتروني مجموعة من تعاليم هذا الفكر الممول بالمليارات من دول معروفة للجميع تحابيها الولايات المتحدة طمعاً بنفطها ومالها. إن أول ضحية لهذا الفكر هو المذهب السني الذي اختزلت الوهابية أصوله وتعدديته ومذاهبه الأربعة بمنهجها الإجرامي، فأصبحت تهمة الإرهاب لصيقة أبناء هذه الطائفة بسبب الفاشيين الجدد.
إن العالم يسير نحو تعدد القطبية... لكنه لن يصبح عالماً آمناً من دون أن تقام الدعاوى من الدول والمؤسسات من ملايين الضحايا في كل العالم ضد ممولي الإرهاب وداعميه وخصوصاً ناشري هذا الفكر الدموي الوحشي الهمجي.
إن سكوت العالم المريب على هذا الفكر سيجعل من الفظائع التي ارتكبت بحق الأرمن عام 1915 مجرد نزهة بالمقارنة بما تفعله وستفعله هذه المنظومة الدموية بالبشرية جمعاء لو بقيت من دون تجريم وملاحقة.
* صحافي فلسطيني