في البداية ظهر ربيع العرب حلماً متلاشياً. مع ذلك بدا أنّه حلم واعد. أناس لطفاء في العالم العربي ــــ شبان، مدوّنون في «الفايسبوك»، مثقفون ومنفتحون على العالم ــــ يتظاهرون سلمياً من أجل إسقاط ديكتاتور بعد آخر.

لقد وضع الشباب التونسي والمصري معايير جديدة. والنقطة المهمة في ذلك هي أنّ العالم لن يكون أفضل بقعة فقط حين تكون بلدان جنوب البحر المتوسط غير خاضعة للرئيسين (التونسي والمصري المخلوعين) زين العابدين بن علي وحسني مبارك، بل حين تُتاح أيضاً للثوار فرصة جديدة لإقامة علاقات مع الغرب.
أصبح لدى الشباب في العالم العربي أخيراً شيء يمكن أن يفخروا به. فبدلاً من أن يكونوا مُجبرين على تسويغ ممارسة الإرهاب باسم الإسلام، بإمكانهم التحول إلى ثورتهم السلمية والجريئة. هم يصنعون طريق الحرية، إذ وضعوا نصب أعينهم مسألة تحقيق بداية جديدة لمعالجة العلاقات مع أوروبا.
هي قضية وقت، منذ أسابيع فقط، وصولاً إلى سوريا والبحرين والمملكة العربية السعودية، أراد الشباب إسقاط حكوماتهم. بكل أسف، دخل النزاع في ليبيا على الخط: موقف الشباب سعى إلى مواجهة وحشية الزعيم القذافي، مع إمكان تجنّب المساعدات الأجنبية غير المرغوب فيها.
التطورات في ليبيا ليست درامية فقط لهذا البلد بذاته. فالقذافي سلك في ممارسته طرقاً وحشية، بقتاله ضد شعبه والحركات الديموقراطية، مقارنة بما جرى في بلدان أخرى. لذلك، كان النزاع في ليبيا محط اهتمام العالم كلّه، فكادت حكومتا البحرين واليمن تتوقفان عن التعامل مع حركات الاحتجاج من خلال إطلاق النيران.
في عاصمة البحرين المنامة، سوّيت ساحة اللؤلوة بالأرض، فلا يمكن تذكّر وجود متظاهرين سلميين ومطالبهم المتعلقة بالعدالة الاجتماعية.
في العاصمة اليمنية صنعاء، حلّقت الطوافات فوق «ساحة التغيير»، واستهدفت المتظاهرين برصاص قناصتها. اللافت أنّ توقيت العملية كان متزامناً مع انشغال الوسائل الإعلامية وبرامج الأخبار بالتقارير الموسّعة عن كارثة اليابان، وجهود المجتمع الدولي لإيجاد موقف موحّد تجاه ما يجري في ليبيا.
لا عجب في أنّ الكثيرين من المصريين الآن ودائماً يخرجون للصلاة، مصدومين (بما حققوه قبل أن تحدث تطورات ليبيا)، يكررون «الحمد لله ثورتنا أصبحت وراءنا»، من دون أن يبحثوا عن مبرر ذلك.
وفي النهاية، أعادت الحكومة المصرية التفكير في مسألة إطلاق النار على المتظاهرين في ميدان التحرير. لقد أعطى الرئيس حسني مبارك الأوامر لسلاح الجو بقصف وسط المدينة، بيد أنّ وزير الدفاع السابق (رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكمة حالياً)، حسين طنطاوي، رفض الأوامر.
ليست المسألة الإنسانية هي التي تؤدي دوراً هنا فقط. فالولايات المتحدة كانت واضحة أيضاً في أنّها لن تقبل العنف غير المُبرّر. ذلك ما جعل الثورة ممكنة.
بالنسبة إلى القذافي، كان التفكير في هذا الأمر غير مهم. لقد جعل من غضبه تجاه الغرب موضوعاً للمساومة. المعركة، في النهاية، تناسب جداً صورته الذاتية «أنا ضد كل شيء».
عدّ الغرب القذافي منبوذاً من جديد، بعد أن دعمه ودفع المحاكمة عنه لقاء تعهّد البنية التحتيّة النفطيّة والتجاريّة المُربحة (في ليبيا). لكن هذه الصداقة لم تكن قديمة، والغربيّون يمكن أن يأملوا أن تكون الأمور جيدة بشأن حكومة ما بعد الثورة في ليبيا، وذلك عبر الحصول على عقود جيدة للشركات الأوروبية والأميركية.
يبدو صعباً جداً التهديد برحيل أصدقاء مقرّبين (للغرب) مثل ملك البحرين (محمد بن عيسى بن آل خليفة) إذ يُعدّ الملك حمد حصناً ضد إيران، ولا سيما أنّه سمح للأسطول الخامس الأميركي بالرسوّ في موانئه.
أما الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، فيُعدّ بالنسبة إلى الغرب ديكتاتوراً. لكن على كل حال، يتخوّف الكثيرون من وقوع اليمن في أيدي تنظيم القاعدة، من دونه. لذلك هناك أسباب للمواقف المختلفة تجاه ليبيا والبحرين واليمن، ومنها ما هو غير معروف.
هذا الالتزام (الغربي) في ليبيا هو الصحيح، وبالتالي يجب ألّا يغيب عن الأذهان المسؤولية عن الأحداث في بقية العالم العربي. هنا لا يتعلق الأمر فقط بصدقية الغرب باعتباره داعياً إلى الديموقراطية، بل يتعلق الأمر أيضاً بأمننا الخاص. فالشباب في دول الخليج لن يبتلعوا بسهولة إحباطهم إذا فشلت الثورة، وقد يتحولون مرة أخرى إلى الإرهاب. وبدلاً من أن يبادر ببداية جديدة في العلاقات مع الغرب، قد يكون الجيل الجديد تابعاً لتنظيم القاعدة.

* عن صحيفة «برلينر» الألمانية
(ترجمة معمر عطوي)