بسبب حجم المجازفة والخطورة في التصدي لطائرة روسية وإسقاطها على الحدود الشمالية لسوريا مع تركيا، وصف عديدون قرار رئيس الجمهورية التركي بالانفعالي. ليس أردوغان انفعالياً كما قد يبدو الأمر. إنه استعراضي بالتأكيد، أما انفعالاته فهي، عموماً، مدروسة ومنضبطة في سياق تخطيط ميَّز مسيرة الرجل منذ أكثر من عقد من السنين... حتى إعادة الانتخابات، مؤخراً، وحصوله، مجدداً، على الأكثرية التي كان خسرها قبل أشهر.


لا شك أن أردوغان قلق. قلقه كبير وناجم عن التطورات الميدانية في سوريا خصوصاً بعد استهداف الطيران الروسي بقعة حساسة يعوَّل عليها الرئيس التركي كثيراً في تنفيذ مشروعه بإقامة منطقة حظر طيران، «آمنة»، بذريعة الحد من النزوح السوري ومحاولة إعادة جزء من النازحين السوريين إليها لتخفيف العبء، عن تركيا وأوروبا، الذي تتزايد مخاطره الاقتصادية والاجتماعية والأمنية... هذا قبل أن يكرر رئيس الوزراء التركي، مرة جديدة، أن حكومته معنية بحماية الجماعة التركمانية هناك.
قبيل التدخل العسكري الروسي انشغل أردوغان بمعالجة نتائج الانتخابات في بلاده والتي خسر فيها أكثرية كان يأمل باستمرار دعمها من أجل مواصلة مشروعه الإمبراطوري في ممارسة سلطة فردية مطلقة عبر تعديل الدستور وإقامة نظام رئاسي أعد له كل العدَّة الضرورية: من التصفيات داخل حزبه وحلفائه وصولاً إلى استئناف الصراع الدموي مع الأكراد بعد أن قطع، في مشروع التسوية مع زعيمهم المعتقل، أوجلان شوطاً بعيداً...
في مجرى انشغالات أردوغان هذه وانهماكه في التحضير لإعادة لانتخابات، حصل التدخل العسكري الروسي الذي كان سريعاً وفعّالاً ومنسقاً مع السلطات الإيرانية والسورية، وجزئياً، العراقية. نجح الزعيم التركي في تحقيق هدفه الانتخابي واستعاد الأكثرية بأساليب معظمها غير مشروع، بلغت حدود الرشوة الواضحة لملايين الخريجين الشباب وحدود المزايدة على القوميين في استهداف الأكراد ولو بالمجازر ضد تجمعاتهم الانتخابية... لكنه، في المقابل، وجد نفسه أمام واقع سوري جديد مختلفٍ تماماً عما كان عليه قبل التدخل العسكري الروسي. أكثر من ذلك، وجد نفسه أمام خطة روسية منسقة مع الحلفاء، تكاد تبدو مثالية في جانبيها الميداني والسياسي، وبما لا يتوافق إطلاقاً مع تطلعات أردوغان التي عمل من أجلها منذ بداية الأزمة السورية في آذار عام 2011 إلى اليوم. الواقع أن التدخل الروسي، السريع والفعّال كما ذكرنا، قد فضح التردد الأميركي قبل كل شيء، حيث أن واشنطن أعلنت حرباً وحلفاً على الإرهاب لم يلمس له العالم سوى أثر محدود في كوباني (عين العرب). لقد كانت «حرب» واشنطن تلك حلقة جديدة في مخططها لاستنزاف الجميع، خصوماً وأصدقاء، من أجل أن تمتلك وحدها المزيد من عناصر القوة والأوراق لإعادة ترتيب وتركيب أوضاع كامل المنطقة لمصلحتها: بأبخس ثمن وبأعلى مردود! لكن التدخل الروسي فضح أكثر الموقف الأردوغاني الذي فقد تماماً زمام المبادرة خصوصاً مع توسع العمليات الإرهابية في أوروبا (فرنسا خصوصاً) وانطلاق موجة هائلة معادية للإرهاب،على النطاق العالمي، كما لم يحصل منذ سنوات.
كان على أردوغان أن يحاول الخروج من هذا الكابوس الذي أفسد عليه الاحتفال بنجاحاته الانتخابية وأحلامه السلطانية، خصوصاً حين اقترن التقدم الروسي الإيراني في الميدان، بالتقدم بمبادرات سياسية، من قبل هذا الفريق، فرضت إزاحة شعار إسقاط الرئيس بشار الأسد كشرط لأي حل، وعززت أولوية أخرى: نقيضة ومنطقية وطبيعية ومصيرية، هي التصدي للإرهاب كمقدمة وكشرط لأي حل، لا تحتاجه سوريا وحدها بل البشرية جمعاء بسبب جرائم الإرهابيين التي لا حدود جغرافية لغدرها ولا خطوط حمراء لجرائمها وهمجيتها...
في مجرى العملية الروسية في سوريا تحوَّل الرئيس بوتين خلال الشهرين الماضيين إلى الشخصية الأكثر تأثيراً في العالم. بدا وكأنه المدافع الوحيد عن البشرية ضد الإرهاب المتعاظم فيما الآخرون غارقون في فئوياتهم وأطماعهم وعارهم! استخدم الرئيس الروسي بنجاح وفعالية ما أُتيح له من منابر دولية من أجل تقديم مشروعه: في الأمم المتحدة التي اضطرت سريعاً إلى إصدار قرار بدعم كل جهد ضد الإرهاب، وفي المؤتمر الذي دعا إليه أردوغان نفسه واضطر إلى أن يقول فيه كلاماً جديداً ضد الإرهابيين (دون أن يعني ذلك حدوث تغيير حقيقي في سياساته). فمن على منبر «أنطاليا» التركية وجه بوتين انتقادات شبه مباشرة للسياسة التركية، بدت أقرب إلى التوبيخ والتعريض!
التغييرات الميدانية المؤثرة والدينامية السياسية الروسية تكرّستا سريعاً في عقد مؤتمر فيينا بشأن الأزمة السورية (خطوة أولى في محاولة عزل الإرهاب والتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية). ترافق ذلك مع تلاحق تحولات بارزة في المواقف الأوروبية حيال الأزمة السورية، واضطرت القيادة السعودية نفسها للتراجع عن قرار منع المشاركة الإيرانية في المفاوضات وُفرض عليها تقديم تنازل أولي بشأن دور الرئيس السوري (في المرحلة الانتقالية على الأقل). هذه التطورات وسواها كانت السبب وراء القرار التركي بتدبير «كمين» إسقاط الطائرة الروسية، المحرِّض عليه، بشكل غير مباشر أميركياً، في محاولة لوقف ما يجري في سوريا منذ بدء التدخل العسكري الروسي فيها.
بدا إسقاط الطائرة الروسية، لأول وهلة، وكأنه أعاد المبادرة إلى الطرف التركي ومحرضيه. لكن الرد الروسي المسؤول والحازم في الوقت نفسه (والمتصاعد على المستوى الميداني والسياسي)، وكذلك مواقف الدول الأوروبية الحليفة لأنقرة، أحرجا القيادة التركية، بل وحتى ضاعفا من طرح التساؤلات بشأن دورها القديم الجديد في دعم الإرهابيين. العالم يضج الآن غضباً وسخطاً وملاحقة للإرهابيين بعد أن ذهبوا بعيداً في إجرامهم. فرنسا، مثلاً، تعلن دخولها المباشر في الحرب ضد «داعش»، ورئيسها يلح على حلفائه بضرورة تحويل ذلك إلى أولوية كاملة. الضربات الروسية نفسها انتقلت، في المرحلة الأخيرة، إلى تركيز أكبر على استهداف مواقع «داعش» ومصادر تمويله وصهاريجه، بعد أن دفعت، نسبياً، مخاطر داهمة ومهددة لمواقع أساسية لقوى السلطة السورية...
في هذه الأجواء بدا التبرير التركي هزيلاً وغير منطقي بل، وحتى، غير أخلاقي! فسلطات أنقرة تقدم التسهيلات للطائرات الأميركية من أجل العمل في الأراضي السورية من دون إذن لهما من السلطة الشرعية السورية (تكرار معادلة: أعطى من لا يملك لمن لا يستحق!). والمخابرات التركية تستبيح الأراضي السورية منذ سنوات وتسهل مرور عشرات آلاف المقاتلين الإرهابيين ممن تحاول توظيفهم في خدمة مشروعها لوضع اليد على سوريا بالجملة أو بالمفرق... في هذا الوقت، وبدلاً من تصحيح مواقفها وأخطائها، تبادر الحكومة التركية إلى اللعب بالنار باستهداف القوة الدولية الوحيدة التي تقاتل، شبه منفردة، الإرهاب والتي تمدٌ يدها إلى الجميع ساعية لإقامة تحالف دولي فعلي من أجل ذلك!
في حقيقة الأمر، ما حصل يعادل فضيحة كاملة للسياسات التركية في إصرار صانعيها على محاولة استخدام الإرهابيين واستمرار دعمهم فيما يتوحد العالم كله تقريباً ضد جرائمهم. لن يحصد الرئيس التركي من سياسته هذه سوى الخيبات والعزلة. أما الموقف الروسي، فإنه، على العكس، يراكم المزيد من التفهم والتأييد العلني أو الضمني، من قبل كل المتضررين من الإرهاب، في أربع أرجاء الأرض.
* كاتب وسياسي لبناني