بدأنا نعرف ماذا سيكون مستقبل لصوص مصر. فقد بدأ التحقيق مع الرئيس السابق وأبنائه، سجن مدير ديوانه وعدد من وزرائه، وأهمهم وزير إعلامه المافيوزي لمدة 22 سنة. نصف حكومة مبارك تعقد اجتماعاتها الآن في السجن. لقد كانوا يحكمون وينهبون، وهم واثقون أنّ يد المحاسبة لن تطالهم، وقد زادت هذه الثقة من جبروتهم، ولم يكن هناك وازع يردعهم. الآن، وقد أدانتهم أملاكهم ووثائق الأمن المركزي وشهادات الضحايا، سيأخذ تاريخ مصر منعطفاً آخر. قريباً، سيترأس مبارك أو أبناؤه جلسات الحكومة نفسها، لكن في السجن، رسمياً، وليس «لمدة خمسة عشر يوماً على ذمة التحقيق». سيعطي ذلك درساً للمسؤولين الحاليين في مصر. سيعرفون مصيرهم إذا تجبّروا...

في المغرب، خرج الشباب إلى الشارع بشعار «الشعب يريد إسقاط الفساد». كانت صور ربع المتهمين ترفع في مقدمات المسيرات. خطب الملك، وألّف لجنة لتعديل الدستور، وبدأ السجال حول البنود وسقف التعديل وما الذي سيُدستر. اقترح الوزير الأول خمسة مليارات ونصف المليار من الدولارات، لزيادة أجور القطاع العام وقرنها بتمديد سن التقاعد إلى 62 سنة. استبشرت النقابات بالجائزة، ولم تر الحفرة، فتراخت الاحتجاجات، ليتبين أنّ تلك الزيادات ستقسم على ثلاث سنوات... أبشروا في 2014.
يتزامن ذلك مع تقدم شبان عقائديين، يقودون حملة على المهرجانات، تشغلهم محاربة الفسق والفجور أكثر مما يهمهم الإصلاح السياسي والشفافية الاقتصادية. تغضبهم قبلة في فيلم أكثر مما تغضبهم سرقة مليار دولار. تعطي المرجعية الدينية السطحية، الأولوية للبعد الأخلاقي الفردي على حساب أرزاق العباد والمطالب السياسية الجوهرية.
في هذه الأثناء، تمكنت السلطة في المغرب من ملء الفضاء العام بالاقتراحات، وتشتت المطالبين بالإصلاح من حركة مواطنة إلى فصائل سلفية وصوفية وقبلية وعلمانية. يبدو أنّ أجندة التغيير تشوشت، ومطلب «الشعب يريد إسقاط الفساد» أصبح ضبابياً، رغم أنّ المغرب لا يقلّ فساداً عن مصر ولا يقلّ ثراء عنها. لنر ما عندنا: المغرب أكبر مصدر للفوسفات، للمغرب 3500 كلم شواطئ، يحول المهاجرون المغاربة 6مليارات دولار سنوياً، دون احتساب عار عائدات الدعارة المحلية والدولية. المغرب بلد زراعي، وهو البلد العربي الوحيد الذي لديه مواد مائية طبيعية كافية، وتنبع من جباله الداخلية ولا شريك له فيها. المناخ معتدل بلا فترات برد قاسية...
رغم موارده الهائلة، لا يحقق المغرب نمواً اقتصادياً. وقد رأى البنك الدولي في غياب النمو في المغرب لغزاً. وهذا تعبير دبلوماسي يتجنب تسمية الأشياء بأسمائها. والحقيقة أنّه لا يمكن بلداً يُنهب أن يحقق نمواً. فما هو مستقبل من نهبنا؟
لقد ضمنت سرعة الثورة المصرية تحقق نتائج فورية، خلال الـ18 يوماً الفاصلة بين مسيرة «25 يناير» ورحيل مبارك، لم تسمح للصوص بتدبير أمرهم، لسببين. الأول أنّهم كانوا واثقين أنّ نظام مبارك أكثر صلابة من الهرم الأكبر. والثاني أنّهم فوجئوا بسرعة الأحداث التي جرفت مجدهم الزائف.
تونس أقلّ فساداً من المغرب، ومع ذلك رأينا ما فعلته ليلى وعائلتها. المغرب لا تفصلها عن مصر إلا نصف نقطة في ترتيب الدول الأكثر فساداً. إذن العلاقة علاقة تشابه.
لكن هل نرى النتائج نفسها؟
في المغرب، الوقائع مقلقة، وبالوتيرة الحالية للتغيير، سيتطلب تعديل الدستور وتغيير الحكومة 370 يوماً على الأقل. يعطي ذلك فكرة عن المدة الطويلة التي ستتوفر للصوصنا لتدبير أمورهم وطمس الأدلّة. فمن سيسجن منهم بعد عام؟ ستكون الإجابة العملية عن هذا السؤال، علامة دالة على شكل المستقبل.
وفي انتظار أن ينتهي الجدل حول استمرار تقبيل يد الملك أو لا، لنعرض السيناريوهات المحتملة:
أولاً: سيناريو كافكاوي
أن يكون لصوصنا واثقين أنّ بلدنا ليس فيه فساد أصلاً، وأرقام منظمة «ترانسباريتي» مجرد مكيدة مغرضة، ونحن خيّرون وما بين الخيّرين حساب. حتى لو جرى إصلاح وحساب، لا قدر الله، فسيقوم على أساس عفا الله عمّا سلف. ونحن أبناء اليوم، ومن نهب شيئاً فليهنأ به. وليس هناك اثر رجعي للمحاسبة، فسيحاسب فقط من سيسرقون ابتداء من يناير/ كانون الثاني 2012. الدليل هو تحقيقات هيئة الإنصاف والمصالحة، وفيها عبرة ستتكرر: فلقد عُوّض المنتهكة حقوقهم من دون محاسبة من فعل. أي هناك جريمة لكن لا يوجد مجرم. وما يحدث من ثرثرة عن الإصلاح هو مجرد ماكياج للوضع القائم، فالمستفيدون من الوضع القائم يعيشون في مدار السلطة ولهم الأسبقية. وهم لا يريدون الخروج من مدار يدر ذهباً، لذا يدور المغرب في حلقة مفرغة. يعيش تعديلات دستورية كل عشر سنوات لا تثمر ديموقراطية، ومن المفيد مطّ زمن الإصلاح 377 يوماً، لتهدأ عاصفة الشباب وتستعيد الروح الانهزامية هيمنتها. وحينها، يزول الماكياج السياسي، ونكتشف أنّ وجوه البارحة السمينة والمترهلة ما زالت في مواقعها تنعم بما أفاء عليها الله من الخير العميم من دم أبناء هذا الوطن لتستمتع وتمرح.
في هذا السيناريو سيكون الفساد أكبر من القانون والعدالة.
ثانياً: سيناريو الحرامي أشطر من القانون
وفيه يكون أصحاب الأسبقية في المدار واثقين أنّ التغيير آت لا ريب فيه، وأنّ كل من نهب شيئاً سيحاسب عليه كما يجري في مصر، لأنّ العفو عما سلف من اختصاصات الرب لا الحكومات المنتخبة. على هذا الأساس، سنرى أغنياء مغاربة كانوا مسؤولين سابقين أو لهم صلة بسياسيين نافذين يختفون من الحياة العامة. يبيعون ممتلكاتهم سرّاً، يهربون أموالهم السائلة للخارج، من دون تحويلات مصرفية بهدف طمس الأدلة. «فمن الحزم سوء النية»، كما قال الإمام علي.
ومن المفيد إخفاء الأموال في دول لا تطبق القانون. الاختفاء في مدينة تايلاندية أو سعودية أسلم من باريس. كان لمثل هذه المقارنات أن تثير السخرية، لكن الزمن تغير، فالأكيد أنّ عراب الغاز حسين سالم الذي هرب من مصر لا يقيم في جنيف. ومصر نموذج للثوار الشباب وللّصوص أيضاً. وأتوقع أنّه عندما ستبدأ لجنة تعديل الدستور المغربي، التي ألّفها الملك، بصياغة بنود قوية، وحين سيُسرّب محتوى هذه البنود بالتأكيد، ستبدأ موجة الفرار بالأموال الباقية.
وحين سيقرّ الدستور الجديد بعد 370 يوماً، سيكون السيف قد سبق العذل. سيكون لصوصنا قد استفادوا من تواطؤ التأخير، وضمنوا مستقبلهم ولو في فيتنام التي ستكون أسلم من أضواء لندن.
ثالثاً: سيناريو «الشعب يريد»
وفيه أن يكون حزم الدولة المغربية أسبق من حزم اللصوص الكبار، وعليها أن تضع آلية لمراقبة عمليات البيع الكبيرة وحتى منعها، وأن تعرقل سفر المشتبه فيهم، وتشدد المراقبة على الحدود لمنع تهريب الذهب ومليارات الدولارات. فليلى بن علي تستمتع لحد الآن بطنّ ونصف الطن من الذهب الذي سحبته من تونس، وهذه كمية أكبر مما في ألف ليلة وليلة. إذا طبقت هذه المراقبة فسيضمن لصوصنا مستقبلهم في السجون المغربية.
أيّ السيناريوهات ستكون له الغلبة؟
حالياً، توفر لنا مصر بروفة مجانية، تقدم السيناريو الأسوأ على مستوى علاقة الدين والدولة، والسيناريو الأفضل على مستوى تصفية الفساد. وبما أنّ مصر تسير بسرعة الأرنب، والمغرب يسير بسرعة السلحفاة، فإنّ ذلك يوفر لباقي الشعوب فرصة تأمل كافية لتختار السيناريو السياسي الذي يلائمها.
* صحافي مغربي