الصراع على الإقليم على أشدّه، والأدوات المستخدمة فيه تنتقل من مرحلة إلى أخرى بسرعة كبيرة، إذ بعد الاشتباك الأوّل من نوعه منذ عقود بين روسيا وتركيا نَصَبت موسكو منظومة اس 400 المضادة للطائرات قرب اللاذقية (في مطار حميميم تحديداً) وأنهت بذلك الجدل الذي استمرّ لسنوات حول فكرة الحظر الجوي فوق سوريا.


بعد هذه الخطوة سيصبح من المتعذّر على أيّ طائرة أو مقاتلة «أجنبية» التحليق في السماء السورية من دون التنسيق مع الروس أو على الأقلّ إعلامهم بالمهمّة التي تقوم بها، وخصوصاً إذا كانت ضمن إطار العمليات التي يشنّها التحالف الغربي ضدّ «أهداف داعش» العسكرية والمدنية. الإشارة الأولى في هذا السياق أتت من البنتاغون، حيث اعتبر على لسان المتحدثة باسمه ميشال بالدانسا أن نشر منظومة مضادة للجو من طراز اس 400 سيؤدي إلى تعقيد الوضع في سماء سوريا، ولم تنسَ المتحدّثة في معرض تصريحها التذكير بأن هذا السلاح لن يساهم في مكافحة داعش الذي لا يملك أصلاً قوّات جوية. هذا التلميح كان ضرورياً لتحذير الروس من مغبّة استهداف الطائرات التابعة للتحالف الغربي، إذ يعتبر الغرب أنّ نصب المنظومة موجه ضدّه وضدّ حلفائه بالدرجة الأولى، وعلى رأس هؤلاء الحلفاء تركيا التي كانت تحتفل حتى وقت قريب بإسقاطها للقاذفة الروسية ومنعها إياها من استهداف المزيد من قوات المعارضة التابعة لها في جبل التركمان في ريف اللاذقية. بهذا المعنى فإنّ النصر الذي أحرزته تركيا باستهدافها السوخوي الروسية سيتحوّل مع مرور الوقت إلى خسارة جزئية على اعتبار أنّ الردّ على الإسقاط كان أكثر فاعلية من الإسقاط نفسه، وان لم يكن على مستوى ما يجب أن تقوم به دولة كروسيا. الفاعلية هنا مرتبطة بالقدرة على ردع الخصم ومنعه من معاودة التفكير في مهاجمة الطوّافات العسكرية، وقد تحقّق ذلك بعد نصب منظومة الصواريخ المضادة للطيران، بالإضافة طبعاً إلى المبادرة بفرض منطقة حظر جوي قبل أن يقوم الخصوم بفرضها. هكذا، تكون أحلام تركيا في إقامة منطقة آمنة من جرابلس إلى اعزاز قد «تبدّدت نهائياً»، إذ ليس بمقدورها أن تفعل ذلك من دون الاعتماد على سلاح الطيران والذي أصبحت فعاليته صفراً في مواجهة منظومة اس 400 الروسية.

نقطة بنقطة

طبعاً هذا الردع يبقى ناقصاً لأن الاعتماد عليه يقتصر على المواجهة الجوية. وفي ظروف الحرب السورية لا وجود لنوع كهذا من المواجهات، حيث يُعتبر القتال على الأرض هو الأساس، وحين يتأمّن غطاء جوي لهذا القتال فلكي يدفع بالمواجهات البرية قدماً ولا يتركها من دون حسم أو رجحان عسكري لفترة طويلة. وهذا الأمر متوافر منذ فترة للنظام في حين تعتمد «المعارضة» للتعويض عن غيابه على الزخم البرّي الذي توفّره سيطرتها على مساحات كبيرة من سوريا، بالإضافة طبعاً إلى تحكّمها بمعظم المعابر البرية الحدودية مع تركيا والأردن والعراق. ومؤخّراً أُضيف إلى هذه الامتيازات «امتلاكُها» لأسلحة مضادة للطائرات (وقبلها للدروع) اشترتها لها حكومات خليجية عبر وسطاء أوكرانيين، وهو ما يضيف إلى فعاليتها القتالية عاملاً آخر يتعلّق بالقدرة على شلّ حركة المقاتلات الجوية إذا ما أُحسن استعمال هذه المضادات جيداً. كلّ ذلك يسمح لها بالمناورة تجاه الاستراتيجية التي يضعها النظام بالاتفاق مع حلفائه الروس والإيرانيين لاستعادة الأراضي التي فقدها لمصلحة الإسلاميين، ولكنه لا يحفظ لها بالضرورة موقعاً متقدماً داخل العملية العسكرية الجارية. فالزخم الآن لم يعد لمصلحتها كما كانت عليه الحال قبل سنتين، يضاف إلى ذلك فقدانها أراضٍ كثيرة لمصلحة داعش وتحوّل معظم فصائلها إلى النهج التكفيري الذي لا يستقطب مقاتلين فحسب، بل أيضاً عداء معظم القوى التي لها مصلحة في عدم تحوّل سوريا إلى قاعدة لانطلاق المقاتلين الوهابيين إلى أنحاء العالم لممارسة أعمال القتل والتفجير بالاعتماد على خبرتهم هنا. في سياق كهذا لن تستفيد المعارضة كثيراً من حادثة إسقاط القاذفة الروسية، وقد يكون مفعول الاستفادة عكسياً إذا ما اعتبرت روسيا الحادثة ذريعةً لتدمير ليس فقط طرق إمداد المسلحين ومراكز قيادتهم ومخازن أسلحتهم بل أيضاً بيئاتهم الحاضنة. والحال أنّ موسكو قد بدأت منذ فترة في فعل ذلك مستغلّةً عدم التمييز الحاصل دولياً وإقليمياً بين مقاتلي داعش والنصرة والبيئات المحلّية التي «تحتضنهم»، وهي إذ تدفع بهذا الاتجاه تعرف أنها لن تلاقي معارضةً تذكر لتبعات ضرباتها، نظراً لارتباط هذه الضربات بسياق مكافحة الإرهاب المدعوم دولياً. هذا السياق (وهو غربيّ بشكل عام) يتعارض مع نصب الروس منظومةً مضادة للطائرات في اللاذقية ولكنه لا يذهب إلى أبعد من ذلك، فالعملية باتت خاضعة لتوافقات لا مكان فيها لحسم مباشر، وإنما لانتصارات وتراجعات مدروسة ومحسوبة بالنقاط. هكذا، يتقدم الروس اليوم بنقطة على الغرب وحلفائه الإقليميين بعدما تراجعوا بأخرى أمام تركيا حين أُسقطت السوخوي. والأرجح أن هذه الدينامية من الكرّ والفرّ ستستمرّ إلى حين إيجاد معادل سياسي لحالة «الستاتيكو» القائمة حالياً على الأرض.

نهاية فصل المسارات


الأزمة التي تسبّبت بها حادثة إسقاط السوخوي لا تتعلّق بالواقع السوري فقط بل بالسياق الذي يشهد منذ فترة تعاون أطراف إقليمية في ما بينها لتخفيف الاحتقان الناجم عن اشتباكها في أماكن نفوذ مشتركة. سوريا هي أحد هذه الأماكن وليست كلّها، وما يجري بين هذه الدول خارجها هو نوع من فصل المسارات الذي اعتُمد كإطار للحفاظ على العلاقات الاقتصادية المتبادلة في ظلّ حالة اشتباك لا يبدو أنها ستنتهي قريباً. وعدم انتهائها بات يهدّد مسارات التعاون الاقتصادي بين الدول المتورطة بالأزمة، حيث الاعتماد على المنافسة التجارية وحركة الرساميل التي تغدو في حالة الحرب مقيّدة وغير قادرة على تحصيل الأرباح كما يجب. هنا تأتي أهمية الحرب بالوكالة التي تحافظ على مصالح الدول (من خلال الاتكال على حركة البيادق والأتباع) ولا تسمح لها بالتورّط مباشرة في النزاع، لأنها حين تتورّط تصبح في حالة تماس مع بعضها البعض، وتقع بينها حوداث قد تؤدي كما في حالة روسيا وتركيا إلى قطيعة سياسية وعسكرية، وهو ما سينعكس مباشرةً على واقع التبادل الاقتصادي بين البلدين والذي يعدّ بعشرات المليارات من الدولارات. التراجع هنا لا يعطّل فقط إمكانات التعاون الاقتصادي بين هذه الدول بل أيضاً قدرتها على إيجاد تسويات إقليمية للمشاكل العالقة ومنها مشكلة سوريا. ولذلك فإن الاشتباك بينها الآن هو أسوأ ما يمكن أن يحصل للسوريين، فهو لا يعقّد مسارات الحلّ فحسب بل ينسف أيضاً أيّ إمكانية للتوافق على تفاهمات سياسية ولو رمزية. ثمّة قاعدة أساسية تقول بأنّ الأطراف التي ترعى العملية التفاوضية لا يمكنها الدفع بالتسوية إذا كانت مشتبكة ميدانياً. هذا سيجعل مصالحها متعارضة كلياً وليس جزئياً كما كانت عليه الحال أيام الاشتباك بالوكالة، وحين تصبح الأمور كذلك فإنّ مصلحة الطرفين تصبّ في استمرار الحرب لا في إنهائها. حتى «التعاون بينهما» في مجال مكافحة الإرهاب يغدو صورياً، ولا يعود كافياً لمنع التعارض بين المسارات التي يدعمها كلّ منهما. بعد إسقاط القاذفة الروسية لم يعد العمل بفصل المسارات قائماً، فقد تبين أنه قشرة هشّة قد تنهار أمام أوّل اختبار لعلاقات القوّة بين الدول. هذه القوّة هي التي تصنع السياق وتحدّد ما إذا كانت المصلحة تقتضي إنهاء الحرب أو استمرارها.
* كاتب سوري