يعكف إعلام آل سعود المرئي والمكتوب بعد هجمات باريس الارهابية على ضخ كمّ هائل من التقارير والمقالات التي بمجملها تروج لفكرة مركزية بطرق غير مباشرة: «النظام السعودي والفكر الوهابي بريئان من المسؤولية عن إنتاج إرهاب داعش الذي أصبح يضرب عواصم أوروبا والعالم».


استغلت الصحف السعودية معلومات تداولتها وسائل إعلام أوروبية حول شخصية العقل المدبر لهجمات باريس عبد الحميد اباعود، فاختارت صحيفة «الشرق الأوسط» العنوان التالي لمانشيت يوم الخميس 19/11/2015: «مدبر هجمات باريس درس في مدرسة كاثوليكية وتسكع في الحانات». انتقت الصحيفة ما يناسب الايعاز الحكومي الرسمي الذي يشرف على ادارته عادل الطريفي وزير اعلامهم، موحية لقرّائها أنّ ما أوصل الداعشي أباعود إلى ما وصل اليه كان بسبب تربيته ونشوئه السيئ (وفق الاعتقاد الوهابي التقليدي الذي يعتبر الكاثوليك كفار). لم تنته القصة هنا، بل عادت قناة «العربية» السعودية لتفرد مساحة لا بأس بها من تقاريرها الاخبارية يوم السبت 21/11/2015 عارضة قصة الفتاة حسنة آيت بلحسن التي قتلت في شقة «سان دوني» أنها انتهت الى احضان داعش بعد كونها «بنت ليل»، عاقرت الخمر وتعاطت المخدرات وعانت من طفولة صعبة في ظل أبوين منفصلين. كل هذا التركيز على الحياة الشخصية لكل إرهابي شارك في هجمات فرنسا عبر استحضار قصص عن الخلفية الصاخبة وشرب الخمر والمخدرات ليؤكد الاعلام السعودي أن لا خلفية أيديولجية فكرية وراء جذب أباعود أو الفتاة بلحسن الى الارهاب، بل مجرد «انحلال اخلاقي غير ملتزم» هو ما جعلهما ضحيتين لشباك داعش.

العالم بات يسأل
أخيراً عن سر العلاقة بين «داعش» والوهابية

في الداخل السعودي استنفر الاعلام المكتوب للإضاءة على «حملة» أمير القصيم فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز التي كان قد أطلقها في شهر أيار/ مايو الماضي أسماها: «معاً ضد الإرهاب والفكر الضال». ولكن على ما يبدو طُلب من الصحف بأن تعود لتسليط الضوء على حملة أميرهم في هذا الوقت بالذات فعنونت صحيفة «المدينة» السعودية يوم الجمعة 20/11/2015: «مختصون: هناك أياد خفية ومؤسسات خارجية تسعى «لتدمير» و«تجنيد» الشباب السعودي». وفي مقالة الكاتب مقابلات أجراها مع «مختصين» هم إما اعضاء في لجان المناصحة أو مدراء مراكز دعوية شرعية، أشادوا كلهم بحملة «طويل العمر»، محذرين من الأيدي الخفية التي تريد شراً بشبابهم عبر نشر ثقافة داعش في مجتمعهم «الغريب» عن الثقافة الداعشية.
في الحديث عن الاعلام السعودي الفاشل الذي لم يستطع أن يخدع سوى من تربّى وفقاً للعقيدة الوهابية، قد يقول قائل إن وزر الآباء لا يمكن أن نحمّله للأبناء، فمجازر الوهابيين التي وقعت في الماضي إنما حصلت ضمن ظروف معينة فرضتها سياسة وجغرافيا الأحداث في حينه بين توازنات السلطنة العثمانية والامبراطورية الانكليزية. يأتي الجواب سريعاً عبر تاريخ حافل ببراعة آل سعود في عملية اتقنوا صنعها عبر قرنين من الزمن وأورثوا فنّها لأبنائهم، لقد أثبت السعوديون قدرتهم على التحشيد باسم الدين كلما استدعت الحاجة، عبد العزيز أعاد استنساخ تجربة جدّه محمد بن سعود مع بدو نجد مجدداً في مطلع القرن العشرين مدعوماً بأحفاد ابن عبد الوهاب الذين غسلوا عقول أتباعهم وأسموهم «إخوان من طاع الله» محققين له ما أراد من توسع وغزوات في الجزيرة العربية.
وبعد ان تعاظمت قوة «إخوانه» الذين مارسوا أبشع أنواع القتل والدمار في ارجاء الجزيرة العربية خاصة في الحجاز حيث أبرز مجازرهم فيه «مجزرة تَربة» (قدّر مؤلف كتاب «تاريخ نجد وملحقاتها»، عدد القتلى فيها بثمانية آلاف مدني بين رجل وامرأة وطفل حجازيين، إضافة الى سبعة آلاف من جيش الشريف عبد الله بن الحسين الذي أخذ على عين غرّة في سواد ليل 15 مايو/ ايار 1915)، بدأ العالم يسمع عن ممارسات «إخوان عبد العزيز» واستشعر البريطانيون خطر تفلّت الاخوان من عقال ابن سعود من خلال غزواتهم المتكررة لمناطق نفوذهم في الكويت والعراق والاردن في اواخر عشرينيات القرن الماضي، فاتّخذت بريطانيا القرار وما كان على عبد العزيز إلا ان ينفّذ ويتبرّأ من «الاخوان» الذين صنع ظاهرتهم وأشرف على أدلجة عقولهم وتغذيتهم، فأوعز للمشايخ الوهابيين وصدرت فتاوى كفّرتهم واخرجتهم من الملة، واغارت عليهم بريطانيا بطيرانها وعبد العزيز بجنده وقضي عليهم في معركة السبلة مارس/ آذار 1929.
عقب وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز وتقلّد سلمان مقاليد الحكم، نشرت مجلة «فورين بوليسي» بتاريخ 27/1/2015 مقالا للكاتب الاميركي ديفيد وينبرغ، نقل فيه عن ضابط سابق في وكالة الاستخبارات المركزية CIA اسمه «بروس ريدل» ان سلمان كان يجمع التبرعات «للمجاهدين» في افغانستان في ثمانينيات القرن الماضي لقتال السوفيات، ومسلمي البوسنة أثناء صراعات البلقان في تسعينيات القرن الماضي، وأنه كان الممول الرئيسي لتعزيز الاصوليين في مناطق الحرب بالخارج. ويضيف واينبرغ أنّ سلمان بتكليف من شقيقه الملك خالد (حكم من 1975 حتى 1982) في بداية الصراع الافغاني استخدم الاتصالات العائلية لتحقيق أهداف دولية عبر إدارته لجنة لجمع تبرعات. ويشير واينبرغ الى ما قاله ضابط آخر في المخابرات الأميركية عمل في باكستان أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بأن التبرعات السعودية الخاصة في تلك الفترة تراوحت بين 20 الى 25 مليون دولار شهرياً.
وفي كتابها «أثخن من النفط: شراكة أميركا المضطربة مع السعودية»، تقول راشيل برونسون إنّ سلمان ساعد في تجنيد المقاتلين لصالح الجهادي الأفغاني عبدالرسول سيف، الذي كان مرشداً لكل من أسامه بن لادن، وخالد الشيخ محمد العقل المدبّر لهجمات 11 ايلول/ سبتمبر في نيويورك. واينبرغ يشير إلى أن سلمان عاد وبعد أن برهن عن نجاحه في مهمته الأولى لإدارة «المفوضيه العليا السعودية لإغاثة البوسنة والهرسك» عند تأسيسها عام 1992 بأمر من أخيه الملك فهد، جمع عبرها تبرعات من العائلة المالكة «لإغاثة» البلقان، وظل مشرفاً على عمل المفوضية حتى إغلاقها عام 2011. ويضيف واينبرغ أنه بحلول 2001، كانت المفوضية قد جمعت حوالى 600 مليون دولار تحت عنوان الإغاثة والأهداف الدينية البحتة، ولكن واقعاً ذهبت الأموال لشراء شحنات الأسلحة، رغم قرار الأمم المتحدة بشأن حظر الأسلحة في البوسنة. يضيف واينبرغ أنّ قوات حلف الناتو داهمت أواخر عام 2001، مكاتب المفوضية آنفة الذكر في سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك، ووجدت صوراً قبل وبعد هجمات تنظيم القاعدة في 11 أيلول 2001، وارشادات حول كيفيه تزوير شارات وزارة الخارجية الأميركية، وخرائط توضح مباني حكومية في واشنطن. واينبرغ أشار إلى أنّ هذه المداهمة ليست الدليل الأول على تجاوز عمل المفوضية دور المساعدات الإنسانية، ففي الفترة ما بين 1992 و1995، تتبع مسؤولون أوروبيون تحويل ما يقرب من 120 مليون دولار كتبرعات من حسابات مصرية شخصية لسلمان والمفوضية الى منظمة مساعدات بوسنية مقرها فيينا تسمى «وكاة غوث العالم الثالث».
يوضح واينبرغ انه على الرغم من اعلان الوكالة أنها تركّز على تقديم الإغاثة الإنسانية، قدرت أجهزة المخابرات الغربية أنها أنفقت أغلب تمويلها على تسليح المقاتلين المتحالفين مع الحكومة البوسنية. وفي شهادة لأحد المنشقّين عن تنظيم القاعدة أمام الأمم المتحدة، قال إنّ مفوضية سلمان والهيئة قدما دعماً أساسياً للقاعدة في البوسنة. ويشير واينبرغ الى أنّ الدعم السعودي للمقاتلين في أفغانستان والبلقان كان له نتائج عكسية في نهاية المطاف، عندما عاد قدامى المحاربين الى البلاد، وشكلوا العمود الفقري لتصاعد هجمات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب للسعودية في 2003.
اندلعت أحداث «الربيع العربي» وبرزت جماعات القاعدة في أكثر من قطر عربي، التي كانت قد أسست بعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003 تنظيم «دولة العراق الاسلامية» الذي تزعمه مقاتلون سابقون في افغانستان، نقلوا خبراتهم لجيل جديد انضم الى صفوفه ليكبر ويتعاظم دوره التدميري في الساحة العراقية. ولا شك أن توسعه غرباً الى سوريا وسيطرته على آبار النفط في الرقة ودير الزور بالتزامن مع غياب سلطة الدولة السورية في تلك المنطقة، أدى الى تطور أدائه واستقلال موارد تمويله بشكل معين وتحوله الى قوة عسكرية باتت نتائج عملياته تهزّ أمن دول كبيرة كفرنسا. التحالف الذي تقوده واشنطن لضرب التنظيم من الجو ولاحقاً الضربات الجوية الروسية لمعاقله، والحديث اليوم عن حلف دولي شامل للقضاء على التنظيم بعد هجمات باريس الدامية وتهديد أوروبا وعواصم دولية أخرى، كل ذلك جعل ويجعل كل يوم السعودية تتنصل وتتبرأ إعلامياً أمام الغرب من أي مسؤولية في خلق تنظيمات القاعدة بأذرعها الارهابية - المختلفة بالشكل والمتطابقة بالمضمون - ودعمها ما جعل بعض الدول والشخصيات الغربية تشير بطريقة أو بأخرى الى مسؤولية للرياض في دعم الارهاب. كان آخر تلك الاشارات ما صرحت به المرشحة لانتخابات الرئاسة الاميركية، ووزيرة الخارجية السابقة «هيلاري كلنتون» التي قالت قبل أيام في كلمة امام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك إن «المتبرعين من السعودية هم أكبر مصدر تمويل للجماعات الإرهابية عبر العالم».
يدرك السعوديون جيداً أن العالم بات يسأل مؤخراً - وسيزداد تساؤلاً مستقبلاً - مع كل عمل ارهابي سيضرب مدن الغرب عن سر العلاقة بين داعش والايديولوجيا الوهابية. لم يعد بإمكان السعوديين أن ينكروا، ويدفنوا رؤوسهم في التراب في ظل اصرارهم على المضي قدماً بتطبيق إرثهم العقدي في حياتهم السياسية والقضائية اليومية.
لم تعد منطقتنا هي نفسها التي كانت أيام محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب أو حتى أيام مؤسس مملكتهم الثالثة عبد العزيز. العالم بات يرى ويسمع ويفهم، اذا ما استمر آل سعود بإنكارهم لمسؤوليتهم عن إراقة دماء الابرياء في الشرق والغرب، معتمدين على السلطة الامبريالية الحاكمة في دول الاستعمار القديم والحديث، فإنهم سيكتشفون عاجلاً أن هؤلاء الامبرياليين سيرمونهم في سلة المهملات قريباً أمام ضغط الرأي العام العالمي كما رموا كثيرين قبلهم. وما لم يسارع السعوديين الى استيعاب أن الكون لم يعد يدور حولهم كما في الماضي، كون نفطهم لم يعد يثير شهية الغرب كما في الماضي، فليرتقب شعوب المنطقة سقوط نظامهم الذي يعرف تمام المعرفة أن الملك لو دام لغيرهم لما اتّصل إليهم.
* صحافي لبناني