ليست الطائفيّة المتمذهبة في سوريا أمراً جديداً. كلّ من عايش الوضع في البلد بعد انقلاب 1970 يعرف ذلك. لكن ما لا يعرفه كثيرون من المهتمين بالشأن السوري أنّ النظام ومعارضته تواطآ، كل من موقعه، على إنكار هذه الحقيقة. فمن جهة، أقدمت السلالة الحاكمة على تذرير الاجتماع السوري، ومداراة «جريمتها»، بافتعال غطاء «علماني» هشّ، يوحي للخارج بأنّنا وحدنا من نستحقّ هذا الاسم (علمانيون). غطاء يرتكز على رؤية أقلوية مذهبية، تأخذ من العلمانية قشورها، وتدع اللبّ خارج الفعل السياسي «التأسيسي» بالكامل (من قال أصلاً إنّ دستور 1972 كان تأسيسياً؟). ومن جهة أخرى، لاقت المعارضة التي انشقّت عن النظام، نظامها السابق في تأبيد هشاشة البلد. لم تلاحق هذه المعارضة وتقمع على النحو الوحشي الذي عرفناه في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، لأنّها اعترضت على تلزيم البلد «لأسرة بعينها». طبعاً، لا يجوز التعميم هنا. فبعض الأجنحة الأكثر راديكالية في المعارضة، اعترضت على ذلك فعلاً (المكتب السياسي للحزب الشيوعي بقيادة رياض الترك)، لكن الغالبية العظمى كانت مستعدة للقبول بحكم العائلة، لو أتيح لها أن تنفذ أكثر إلى الجسم الصلب للسلطة الوليدة. والمقصود هنا، أجهزة الأمن والمؤسسة العسكرية ومركز صناعة القرار في الحزب البعثي و... الخ. ومن هؤلاء مثلاً، الإخوان المسلمون الذين ساوموا النظام كثيراً بعد أحداث (اقرأ: مجازر) حماه، من موقع مفارق تماماً لموقعهم الفئوي المزعوم. وهو مزعوم لأنّ استعدادهم للتفاوض مع سلطة فئوية يعني أنّ تكوينهم الفئوي ليس صلباً كفاية. وهذه فضيلة تحسب لهم، لكنّها تكفّ عن كونها كذلك عندما يجري توظيفها في سياق التنازل لسلطة تحتمي بفئويتها ومذهبيتها، ولا تعترف إلا بأحزاب مستعدة للتضحية بالبلد على مذبح هاتين الفئوية والمذهبية.

طبعاً، تجاوز الإخوان المسلمون فكرة التضحية بالبلد منذ مدة، وهم اليوم في صلب انتفاضة شعبية لا تريد أن تستعيض عن فئوية بأخرى. لكن، لا يعفيهم ذلك من الخوض في نقاش لا بد من خوضه اليوم .نقاش لا يستبعد أحداً، لا في اليسار ولا في اليمين، ويأخذ في الحسبان الكتل الجديدة التي ولدت من رحم هذه الانتفاضة العارمة. وهؤلاء معنيون قبل غيرهم بذلك النقاش، لأنّهم في الحقيقة واقعون بين مطرقة نظام يفتك بهم دون هوادة، وسندان معارضة مضطهدة وفاقدة للحيلة. لكنّها وجدت حيلتها اليوم. صحيح أنّها حيلة كلاسيكية بعض الشيء، إلا أنّ سياق الثورات العربية المتدحرجة، قد أخرجها من القمقم الذي تقبع فيه منذ عقود. طبعاً، نتحدث هنا عن القبضات المرفوعة التي ملأت فضاء اليوتيوب والشاشات، وأعادت تعويم «قوى سياسية» كنا نظن أنّها لن تنهض مجدداً. لقد شاهدنا ذلك في ميدان التحرير في مصر، وكذلك في تونس واليمن. لا يعني ذلك أنّ الانتفاضة هي وقود المعارضة اليوم، بل قد يكون العكس هو الصحيح. فشباب الانتفاضة هم من يقودون التغيير الآن، ولا منّة لأحد عليهم. غير أنّ الحذر في هذا الظرف الدقيق يبقى واجباً. من هنا، تأتي أهمية النقاش في معنى هذا الحراك. هل هو حراك لتغيير النظام جذرياً، أم لإسقاطه (فكرة «إصلاح النظام» باتت ممجوجة وغير مجدية بالمرّة)؟ وحتى يكون نقاشنا مجدياً، لا بد من أن يبدأ من مكان ما. مكان يقول إنّ انتفاضة السوريين اليوم هي انتفاضة ضد «نظام طائفي». نظام لا يشبه في تركيبته وفي بنيته العصبوية أنظمة عربية أخرى، تهاوت تباعاً. معنى هذا أنّ نضالنا ضد هذا النظام لا يجب أن ينحو المنحي الذي سلكه رفاقنا الثوار في مصر وتونس. علينا أن نعي ذلك جيداً، وإلا ستذهب كلّ الدماء التي سفحت حتى الآن هباء. والغريب في الأمر أنّ أكثر الناس حرصاً على تلك الدماء، لا يبدو أنّهم مستعدون لإبداء رأيهم في العقدة الأساسية أمام التغيير في سوريا. لقد راعني ألا تتطرق المعارضة السورية، في سياق أدائها الحالي، إلى البنية الطائفية للنظام في هذا البلد. هنالك تفسيران لذلك التغافل المتعمد: إما أنّ المعارضة تنكر تماماً وجود مسألة طائفية في سوريا، كما كان يفعل النظام قبل وصوله إلى المأزق الحالي، أو أنّ اعترافها بوجود هذه المسألة سيفوّت عليها فرصة إحداث تماهٍ بين انتفاضة سوريا وثورتي مصر وتونس، وهو ما لا يبدو منطقياً البتة. في الحالتين، نحن أمام مشكلة حقيقية في مقاربة الطرف الذي يتولى اليوم مهمة «تقديم البدائل». كيف يمكن رفاقَنا في المعارضة أن يزعموا أنّهم «يقودون» حراكاً ديموقراطياً جذرياً، من دون أن يبدوا استعداداً لنقاش جدي في جذر المشكلة التي تواجه سوريا منذ انقلاب 1970؟ نقاش تحاول بعض الفضائيات إثارته، كلما استضافت معارضاً سورياً. لكن محاولاتها تبوء بالفشل كلّ مرة، لأنّ ضيوفها الأعزاء سرعان ما يشهرون في وجه المشاهدين سردية «الوحدة الوطنية» و«العيش المشترك» الذي تنعم به سوريا منذ عقود!
للوهلة الأولى، يظن المرء وهو في حضرة هؤلاء أنّه يشاهد فصلاً من مسرحيات الأخوين رحباني المثالية، وذات النفس الساذج. لا يا سادة. سوريا اليوم أبعد ما تكون عن النموذجية المثالية التي تريدون لنا أن نحشر فيها. نحن لم نخترع المسألة الطائفية. لكنّنا جئنا إلى الحياة في سياق الصراع الذي أرادت له القوى الاستعمارية أن يكون طائفياً، حتى لا يتهدد مصالحها المباشرة في المنطقة. ولمن يريد التمادي في إنكار الواقع الطائفي الذي تكرّس مع إنشاء «دولة لبنان الكبير» وانزلاق «سوريا البعثية» في ما بعد إلى القعر الطائفي المتمذهب، نقول: تواضعوا قليلاً، وألقوا نظرة سريعة على العوالم السفلية التي تواكب الحراك الشعبي اليوم (شرائط اليوتيوب الموالية والمعارضة للنظام). حينها، ستجدون كم نحن طائفيون، وكم استخفّت الأوليغارشيا المافيوزية الحاكمة بعقلنا، حين أوهمتنا بأنّنا قلعة العلمانية الأخيرة في هذه المنطقة. إلى هذا الحدّ، بات وضعنا مزرياً في هذا البلد. من يفترض به أن يكون بديلاً من النظام الطائفي الحالي، يعتقد أنّنا سذّج إلى حد، يجعلنا نشيح بوجهنا عما يدور من أحاديث في البيوت المغلقة. لا أحد يجرؤ حتى الآن على إشهار هذه الأحاديث. والحال أنّه إشهار كفيل بإخراج كثير من القيح الذي يعتمل في جسد البلد، منذ الثمانينيات من القرن الماضي، على أقل تقدير. والثمانينيات تلك، تعني لنا كثيراً. هي أولاً محنتنا ووشمنا الأبدي. هي مجازر حماه وحلب، وبداية تطييف البلد فعلياً، وأسوأ السيناريوهات الممكنة لما سيحدث غداً. وهي كذلك «الردّ» الدموي على مجزرتي الأزبكية ومدرسة المدفعية في حلب، وعلى تصفية النخب العلوية، لمن لا يذكر (طبعاً الإجرام العصبوي لا يبرر الإجرام النظامي). من له مصلحة في إخراج كلّ هذا القيح الآن؟ لا أحد طبعاً. لا النظام الذي يتبجّح بالعلمنة في زمان القمع و«الأمن والأمان»، ويستدعي العمائم والقلنسوات وأهازيج «الوحدة الوطنية» عندما تحين ساعته. ولا المعارضة التي يحلو لها ذم طائفية النظام فقط عندما تعوزها القدرة على التحشيد واستقطاب الجماهير الغفيرة. من يملك القدرة اليوم على إخراجنا من هذا الاستعصاء؟ من يرغب أصلاً في ذلك؟ إنّه سؤال الرغبة قبل القدرة. ماذا عن النخب المتضررة من هذا الاستقطاب بين إنكارين؟ الأفضل أن ندع النخب تتخبط في عليائها وفي جهلها المطبق، وأن ندقق بدلاً من ذلك في معنى هذين الإنكارين. لنقل إنّهما إنكار واحد لا إنكاران. إنكار مزدوج من جانب النظام والمعارضة، على حد سواء. هي حالة نادرة، ولا شك أن يتواطأ علينا خصمان لدودان إلى هذا الحدّ. وهذا لا يحدث عادة في زمن الثورات. لكنّنا لسنا في مصر ولا في تونس، ولا حتى في اليمن وليبيا. إنّه «الاستثناء الثوري السوري»، على ما أعتقد. «استثناء» يجعل من «الثورة السورية ضد بشار الأسد 2011«، أمراً يخدم المعارضة، ولا يخدمها في الآن ذاته. يخدمها لأنّه يقدم لها فرصة تاريخية للظهور بمظهر من يسقط آخر قلاع الاستثناء البعثي في المنطقة، حتى لو لم يقدر لهذا المظهر أن ينضج تماماً. ولا يخدمها لأنّه «سيؤكد» المرّة تلو المرّة، أنّ نزع الشرعية عن نظام طائفي، سيفضي إلى حالة استقطاب أسوأ حتى من التي نعيشها اليوم. هل من يذكر الهيجان الذي أحدثه تهكّم برنامج فكاهي على شخصية الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، قبل سنوات؟ وماذا أيضاً عن يوم الغضب الذي أعقب إخراج سعد الحريري بالقوة الناعمة من الحكومة اللبنانية؟ لكن هذين أميرين من أمراء الطوائف في لبنان. ما شأننا نحن بهما؟
شأننا أنّنا طائفيون مثلهم، والأوليغارشيا التي تحكمنا هي أوليغارشيا طائفية ذات امتيازات طبقية (تماماً كالأوليغارشيا التي تحكم لبنان اليوم). صحيح أنّها لا تميّز في استغلالها ونهبها المنظم بين فقراء السنّة وفقراء العلويين والمسيحيين، لكن عندما يدقّ النفير، ينفرط تلقائياً عقد التحالف الطبقي بين فقراء سوريا، ويعود كلّ منهم إلى قواعده الطائفية سالماً. هذا ما حدث بالضبط في اللاذقية وحمص وريف دمشق وبانياس، وما سيحدث غداً في كلّ الأماكن التي تحوّلت فضيلة الاختلاط فيها إلى نقمة شاملة. نقمة على النظام الذي يتغذّى على تطييف المجتمع وتذريره، وعلى المعارضة الساذجة التي تحتاج إلى عقود ربما حتى تفهم أنّ إسقاط النظام الطائفي هو امتياز «لا يستحقه» مجتمع متذرّر ومنقسم على ذاته كمجتمعنا. على أيّ حال، شباب لبنان اليوم يجرّبون هذا الامتياز على طريقتهم. هم يعرفون أكثر منا ما معنى أن تسقط نظاماً طائفياً، أو أن تسعى الى إسقاطه. إذا نجحوا في ذلك، فسننجح نحن حتماً. لا يعني ذلك أن نحتذي نموذجهم في النضال السلمي (طبعاً نضالهم مستمر بأقلّ خسائر ممكنة، لأنّ وتيرة القمع لدى أجهزتهم ليست مرتفعة ودموية، كما هي الحال هنا). لقد جرّبنا حظنا مع نموذجي مصر وتونس، ولم ينفع الأمر حتى الآن. طبعاً، لا يكفي في هذا الصدد أن يتعانق الصليب والهلال، ويحمل الشاب المسلم فتاة مسيحية تهتف للحرية، حتى نتجاوز انقساماتنا، وندّعي أنّنا بتنا على قدر كاف من التجانس. علينا أن نرفع شعارات أكثر جدية وأكثر جذرية. شعارات تصهر نوازعنا الطائفية العميقة، وتهيئ الأرض لتفكيك الطابع الفئوي للنظام. وذلك أمر يحتاج إلى صيغة تجمع بين البراغماتية غير الانتهازية والأخلاق. وفي حالتنا نحن، قد تكون البورجوازية الوطنية غير المافيوزية هي المناسبة لصيغة كهذه. هكذا فعل طلعت حرب في مصر، أوائل القرن الماضي، عندما تلاقت في شخصيته الفذّة الوطنية المصرية المناهضة للاستعمار بالحاجة إلى بناء صناعة وطنية مربحة وغير منتفعة على حساب الشعب. أين نحن الآن من هذا الرجل؟ بل قل أين مصر الآن منه رغم ثورتها الواعدة؟
كل ما تحتاج إليه انتفاضتنا اليوم هي أن تكون على مثال هذا النّسق من الوطنية، ذات البعد الاقتصادي الواضح. وحتى تكون كذلك، يجب أن تغدو شعاراتها مطابقة لصورتها، ولوعينا الثوري بطبيعتها، أي شعارات ثورية فعلاً. إذاً، فلتبدأ الأسئلة: ماذا عن النهب المنظّم (وهو ليس حكراً على طائفة بعينها)؟ ماذا عن الامتيازات الطبقية التي تنعم بها «البورجوازية السورية» الطفيلية العابرة للطوائف؟ ماذا عن الاحتكارات الاقتصادية التي تجيّر لعائلات بعينها؟ ماذا عن بيع البلد بالقطعة لأمراء النفط في الخليج؟ هل من يجرؤ على رفع شعارات مناهضة لرامي مخلوف والوليد بن طلال في الآن ذاته؟


* كاتب سوري