ليس رواية غرائبية أو فيلماً خيالياً: إسرائيل التي نعرفها ستزول. البحث في العوامل الديموغرافية ومقارنة نسب الولادة بين العرب الإسرائيليين واليهود العلمانيين واليهود الحريديين، لا يتركان مجالاً للشك في الوجهة التي يسلكها المجتمع الإسرائيلي، لكنّ التهديد لما يصطلح على تسميته الهوية الإسرائيلية، لا يأتي من العرب بالضرورة، كما يبين تقرير صدر عن جامعة حيفا أخيراً، بل من اليهود الحريديين. التقرير المعنون «إسرائيل 2010-2030، على طريق الدولة الدينية» يعكف على دراسة العوامل المؤثرة في التركيبة السكانية للمجتمع الإسرائيلي، مقارناً نسب الولادة بين المتدينين والعلمانيين الصهاينة والعرب. يخلص التقرير الى أنّه، في 2030، ستصبح إسرائيل دولة ذات أغلبية دينية أصولية يهودية. سيصل عدد اليهود الحريديين الى أكثر من مليون نسمة. والحريديون اليهود، كما هو معلوم، هم من الطوائف الدينية الأسرع نمواً في العالم وعلاقتهم مع الدولة الصهيونية ملتبسة ومتوترة منذ لحظة إنشاء هذه الدولة في 1948. ليس أدل على طبيعة هذا الالتباس والتوتر من الطرفة التالية المعروفة على نطاق واسع في إسرائيل: «وقفت بنت قوقازية تبيع التفاح فجاء رجل شرير ورمى بضاعتها على الأرض. تسارع المارة لالتقاط التفاح المتناثر على الأرض فيما أخذت الفتاة بالبكاء. استرعى بكاء الفتاة انتباه أحد المارة فقال لها: لماذا تبكين؟ اغتنمي الفرصة وخذي لنفسكِ بعض التفاح». الدولة الصهيونية العلمانية بيهوديتها المزيفة، تتمثل في الرجل الشرير من وجهة نظر الحريديين اليهود، أما الفتاة المسكينة، فتمثل الحريديين أنفسهم، الذين يمثلون اليهودية السلفية الحقة والنقية. وبناءً عليه، فإنّ كلّ ما يغنمه الحريديون من الدولة هو حلال، لأنّه في الأصل لهم بوصفهم يهوداً حقيقيّين. وقد سعت الحركة الصهيونية والمؤسسة العلمانية الحاكمة في إسرائيل الى احتواء الخلاف مع الحريديين، حتى قبل إنشاء الدولة واستمرت الجهود بعد 1948، وتستمر حتى يومنا هذا. وذلك دون أن تضع حلاً ناجعاً لهذه الشيزوفرينيا الثقافية والإيديولوجية الناتجة من قيام الصهيونية الغربية الاستعمارية بانقلاب خطير في داخل التراث اليهودي، وإمساكها بإحكام بتلابيب هذا التراث لدفع اليهود إلى المقامرة بتاريخهم وثقافتهم في لعبة جهنمية لا يعرف إلا الله كيف ستنتهي، وماذا ستكون نتائجها.

لقد كان الاتفاق بين ديفيد بن غوريون والحاخام أبراهام يشعيا كاترليتس، والمعروف باتفاق «ستاتوس كو»، لحظة مفصلية في تاريخ العلاقة بين الدولة الصهيونية والحريديين. وقد نص الاتفاق على إعفاء المتدينين المتفرغين لدراسة التوراة من الخدمة العسكرية. الاتفاق صورة عن توازن دقيق للقوى. في الصورة خطان متوازيان لا يلتقيان، أسهم «الستاتوس كو» في التقريب بينهما لفترة من الزمن، كما أسهم تنازل الدولة الصهيونية في ميدان قوانين الأحوال الشخصية أمام المتدينين في الحدّ من التوترات بين الجانبين. تركت شؤون الطلاق والزواج والمسائل المتعلقة باعتناق اليهودية، في أيدي اليهود المتدينين، فيما احتفظت الحركة الصهيونية لنفسها بالسلطة على المؤسسات العامة للدولة، وأهمها الجيش. وتأخذ هذه المؤسسات بعين الاعتبار حاجات اليهود المتدينين في ما يتعلق بيوم السبت والطعام «الكوشر» (الحلال)، لكن المسألة أبعد من قدسية السبت نفسه، فقد عارض التيار الديني الصهيونية منذ نشأتها. والبغض لم يكن من طرف واحد، فالصهاينة العلمانيون، المشبعون بفكر اشتراكي استعماري، كانوا ينظرون نظرة احتقار إلى الدين اليهودي، ويرون أن الدين عموماً هو ظاهرة متخلفة ستتكفل عجلة التقدم بإزالتها. اليهودية بالنسبة إلى آباء الحركة الصهيونية قومية لا دين. بالنسبة إلى الصهاينة، الحريديون بدائيون وطفيليون، فيما رأى الحريديون في الصهاينة حفنة من الطواغيت والكفار. وإنّه لمن المدهش حقاً أن نرى كيف تستمر تلك الشيزوفرينيا الثقافية في المجتمع الإسرائيلي المعاصر، وكيف تنعكس تلك العداوة المستحكمة في المناهج التربوية التي يعتمدها كل طرف. ومع تزايد أعداد الحريديين المتدينين، تبرز في الخطاب العلماني ألوان سجالية فاقعة، كالحديث عن «احتلال» حريدي أصولي، فيما يبدي الحريديون تصميمهم على مقاومة اضطهاد الدولة الكافرة وقوانينها الوضعية، حتى لو قادت الحريديين الى «أفران الغاز». ومهما تكن تلاوين ومفردات الخطاب التي يعتمدها كل طرف، فإنّ تزايد أعداد الحريديين سيفرض وقائع صلبة على الأرض، إن لم يكن قد فرضها سلفاً. فموضوع المستوطنات في الضفة الغربية لا يقبل النقاش عند غالبية التيار الحريدي، وإسرائيل ستنتهي الى ضم تلك المستوطنات مع كل ما يعنيه ذلك لبعض العرب المتشبثين بأوهام عملية السلام. إنّ صعود الحريديين وتنامي مشاركتهم في السلطة، سيعززان احتمالات نشوب حرب شاملة وطويلة الأمد في المنطقة. فالمفارقة هي أنّ الحريديين الذين يرهقون الدولة الصهيونية بالتقديمات الاجتماعية لأسرهم الكبيرة، والذين يعملون في السوق السوداء ويتهربون من الضرائب، ولا يسهمون في إنتاج الثروة، ويتهربون من الخدمة العسكرية، هم الأكثر استعدادا للتضحية والقتال إذا ما دانت لهم الأمور وتمكنوا من فرض أجندتهم الأيديولوجية. في اللقاء الذي جمعه مع بن غوريون بعد تأسيس الدولة الصهيونية بوقت قصير، ونتج منه اتفاق ال»ستاتوس كو»، شبّه الحاخام كارليتس الصهاينة العلمانيين بعربة فارغة على جسر ضيق ويتعين عليها أن تفسح مجال العبور للعربة المليئة، أي عربة اليهود الحريديين. على هذا التشبيه البليغ الذي يثبت التاريخ صحته يوماً بعد يوم، لم يكن ردّ بن غوريون سوى زعمه بأنّ العربة المليئة هي عربة الصهاينة العلمانيين، لكن ما الذي سيبقى من صهيونية بن غوريون العلمانية حين يتوصل الحريديون على نحو ديموقراطي، وبفضل تكاثر أعدادهم الى فرض التعليم التوراتي في المدارس؟ وما الذي سيحل بصورة المجتمع الإسرائيلي كمجتمع ليبرالي غربي عندما تهيمن المفاهيم الدينية على وسائل الإعلام وعلى فضاء القيم الاجتماعية؟ تقرير جامعة حيفا يقدم صورة قاتمة لمجتمع إسرائيلي أقل إنتاجية وأكثر فقراً، إلا أنّ المؤكد هو أنّ تكاثر أعداد الحريديين وتمددهم في نسيج الدولة والمجتمع، سيفرغان إسرائيل تدريجاً من الصهاينة العلمانيين الذين سيفضلون الهجرة الى مجتمعات أكثر ليبرالية في الغرب. وبالتالي، سيعيد ذلك بدوره طرح إشكاليات الاستيعاب والاندماج على اليهود في هذه المجتمعات.

* كاتب لبناني