«هل تطالب بدستور حداثي، ينص على فصل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية وفصل الدين عن الدولة؟». كان ذلك هو السؤال الذي طرحه استطلاع على موقع جريدة إلكترونيّة مغربيّة. بدأ التصويت بطيئاً، ثم تصاعد، ليجيب ثلثا المصوّتين تقريباً بـ«لا».

وقد تلقى الموقع رسائل احتجاج عدّة على السؤال، بدعوى أنّه ينصب فخاً للمصوّتين، لأنّه خلط فصل السلطات بفصل الدين عن الدولة.
وأوضح المحتجون أنّ الجميع في المغرب مع فصل السلطات، لكن لا أحد يريد دولة علمانية، لأنّ المغربي لا يريد من يفطر في رمضان علناً، ويجاهر بمثليته الجنسية ... وبناءً على ذلك، طالب المحتجون بسحب ذلك الاستطلاع الغبي.
في ما يلي، عيّنة من مناقشة مع بعض المحتجّين.
كان جوابي لأحد المحتجين هو: لو كان السؤال هو «هل تريدون فصل السلطات؟»، لكانت النتيجة نعم بنسبة 99 في المئة.
إذا كانت تلك النتيجة معروفة مسبقاً، فما الداعي إلى الاستطلاع؟
إنّ هدف الاستطلاع ليس الإجابة في حدّ ذاتها، بل التنبيه إلى مأزق من يهاجم الحداثة ويطالب بالديموقراطية، مع العلم بأنّ كلّ دولة ديموقراطية هي علمانية بالضرورة المنطقية والعملية. فجعل أيّ سلطة مقدسة سيعطيها مبرراً مسبقاً، مستمداً من الله، لتتجاوز السلطات الأخرى. ثم يجب الحسم: لمن سيكون الصولجان، هل لصناديق الاقتراع أم للكتاب المقدس؟
وقد تناقشت مع أحد المحتجين، وهو مهندس تلفيقة النخب العليا، التي تريد ديموقراطية، أيّ السلطة للشعب، وتريد هوية دينية تحكم. واستنتجت أنّه بسبب هذه التلفيقة لن تكون هناك ديموقراطية في المغرب، لأنّ الديموقراطية ظهرت في المدينة اليونانية، وأعاد مفكرو الأنوار بناءها علمانية في جوهرها، فإن لم تكن كذلك ستكون دولة دينية مثل إيران، وهي جمهورية إسلامية يقودها فقيه.
ردّ محاوري أنّ العالم الإسلامي لم يعش حكم الكنيسة، وهو يريد المحافظة على هويته في دولة تحترم الشريعة ولا يريد دولة إسلامية صافية 100%.
في جوابي، سألته عن نسبة الإسلام التي يريدها في الدولة: 5% أو 12% أو 45% أو 90 في المئة؟
حين انفجر ضاحكاً، أدركت أين تعوّد أن يرى هذه الأرقام. مع ذلك أصرّ على عناده، ورأى أنّ طلبي لترقيم النسبة ناتج من فهمي الحَرفي لكلماته. يريدني أن أؤول لأجد مخرجاً للانفصام الذي تعيشه مجتمعاتنا.
وفي تلك الأثناء، طالب حزب يميني مغربي بالحفاظ على الفصل 19 الذي ينص على أنّ شخص الملك مقدس. وأصدر علماء المغرب بلاغاً، يتمسكون فيه بإمارة المؤمنين، فهل يُحسم ذلك من البداية، أم يقبل العلماء أن يتقرر الأمر في صناديق الاقتراع؟
فإن اعتمدت الصيغة الأولى فقد فرض ذلك فرضاً، وإن تم اللجوء إلى الصيغة الثانية فعلى العلماء الاحتكام إلى صناديق الاقتراع. وسيكونون بذلك قد قبلوا بنسبية طلبهم الديني. وهم لن يقبلوا بنسبية المطلق أبداً.
بدأ ذلك النقاش في مصر التي كانت سباقة إلى تعديل الدستور، وقد اطلعت على مقال لفهمي هويدي، الخائف على الإجماع الوطني بين المسلمين والأقباط، ومقال لعصام العريان يحتفي بالنموذج المصري للدولة الإسلامية. وهو العريان نفسه الذي يرفض أن تكون إسرائيل دولة يهودية. يجب أن يختار ليتناسق موقفه الداخلي والخارجي.
لم أجد في مقالي الكاتبين الإسلاميين المصريين حلاً لأول مأزق تواجهه ثورة الشباب في العالم العربي. شباب يريد أن يعيش الديموقراطية والحداثة، وهي مترابطة، كما يقول يورغن هابرماس في تحديده لمفهوم التحديث «بمجمل من التفاعليات التراكمية التي يدعم بعضها بعضاً، فهي تدل على رسملة الموارد وعلى تحريكها، وعلى نمو القوى المنتجة وعلى زيادة إنتاجية العمل. وتدل أيضاً على تمركز السلطات السياسية ... وعلى تشكل الهويات الوطنية، وهي تدل أيضاً على شيوع الحقوق في التوزع السياسي، وعلى شيوع أشكال الحياة المدينيّة والتعليم العام. وهي تدل أخيراً على علمنة القيم والقواعد». من الواضح أنّ مجتمعاتنا تريد تحريك الموارد وزيادة الإنتاجية وشيوع الحقوق، لكنّها تواجه مأزقاً مع ما يترتب عن ذلك. مجتمعات توافق على المقدمات وتنكر النتائج.
تقدم مصر، كما كانت دائماً، مختبراً ممتازاً لهذا الامتحان، فبما أنّ فيها نسبة مهمة من المسيحيين، فإذا أعلنت دولة إسلامية فإنّ هذا سيسري بسهولة على تونس والمغرب.
ما يزعجني شخصياً ليس الدين كهوية، بل طبيعة الدولة. لأنّ منح الأسبقية للهوية على حساب تدقيق قوانين الدولة المدنية سيضمن أن يلدغ المؤمن من جحر الدكتاتورية مراراً.
في استطلاع آخر، على الموقع نفسه، استخدم البرهان بالمقلوب، لمقاربة الجدل، وكان السؤال هو:
هل هناك في عالم اليوم دولة ديموقراطية غير علمانية؟ أغلبية المصوّتين وهم بالآلاف أجابوا: لا.
تركيا التي يحكمها إخوان مسلمون في صيغة «لايت»، تربّوا في دولة كانت علمانية ولا تزال. ما العمل إذاً للخروج من المأزق؟
يجب التمييز بين الإسلام كهوية وكمصدر تشريع وحيد للدولة. الأولى نعم والثانية لا.
بالنسبة إلى الهوية، أتفق مع شيخ الأزهر أحمد الطيب الذي قال «نحن في مجتمع مسلم، ومن ينكر ذلك فهو آثم، والأمور التي لا يتم فيها تطبيق الشريعة في مصر تدخل في باب المعصية أو باب الطاعة، ولا تدخل في باب الإيمان والكفر» (الأهرام، 10/7/2010). أيّ أنّ «المعاصي» مثل الخمر والجنس والصوم وتغيير الدين، سيعاقب عليها الله لا الدولة.
في باقي القوانين، تكون الدولة هي التي تعاقب، والعلمانية لا تمنع أحداً من الذهاب إلى المسجد، وهي بديل للتعصب الديني والتفكك العرقي والطائفي بين سني وشيعي وماروني، عربي وكردي وأمازيغي ودرزي. إنّ الذين يهاجمون العلمانية لا يملكون لها بديلاً، ولا يلغي كونهم أغلبية مبادئ القانون ويسهل عليهم التحريض ضد خصومهم، لأنّ الديموقراطية لا تتحقق إلا بحماية رأي الأقلية من وحش الأغلبية.
إن الديموقراطية التي يطالب بها المحتجون هي بنت المدينة اليونانية وليست بنت المدينة (يثرب). وقد سبق لي أن أديت العمرة ورأيت أنّ الشريعة تطبق على النساء فقط، وأنّ المكان الوحيد للاختلاط في السعودية هو الحرم المكي.
أقترح على دعاة الدولة الدينية مشاهدة فيلم أغورا AGORA الذي تجري أحداثه بمكتبة الإسكندرية، في أواخر القرن الرابع الميلادي. آنذاك، كان القيصر الروماني قد قبل وثيقة في 313م للمساواة بين المسيحية وغيرها من الديانات لحماية حرية الضمير، ثم مال القيصر المعتنق للمسيحية. حينها كانت الفيلسوفة والفلكية هيباتي Hypatie تتحصّن بالمكتبة تدرس دوران الكواكب حول نفسها وحول الشمس، وحين سخر طالب من كثرة الدوائر في الكون، رأى طالب مسيحي أنّ السخرية من الكون هي سخرية من رب المسيحيين. حاولت الفيلسوفة أن تشرح أنّ ما يجمع طلبتها أكثر مما يفرّقهم. في نصف الساعة الأخير من الفيلم، يلقي الراهب خطاب النصر، تقف النساء في الخلف في الظل، بينما الرجال في المقدمة. يلقي خطاباً يشرح فيه قانون المدينة كما وضعه الرب، ليمنع المرأة من أن تتكلم وتتعلم، ويملي عليها أن تصغي وتطيع في صمت. هذا كلام الله الذي سمعه المسيح، المسيح الذي تحدث للرجال، لا لامرأة، وفق الراهب. (هل توجد لذلك صلة بالانتخابات البلدية التي ستجري دون نساء في السعودية؟).
بعد ذلك حدثت مزايدة من هو الأكثر مسيحية من الآخر ... فاندلعت الفوضى ... سيطر المتشددون على الإسكندرية وأحرقوا شخصاً لم يوافق على أقوال المسيح ... مع الخوف سهل تحريض المؤمنين ضد الفلسفة ... قتلت هيباتي وانتصر جنود الرب قبل الكنيسة على الأغورا.
هكذا غرق العالم في ظلام العصور الوسطى، ولم يتقدم إلا حين أحيت النهضة الأوروبية الفلسفة في القرن الخامس عشر. في بداية القرن 21، لن تتقدم مدن الشرق إذا لم تسترجع روح تلك المكتبة التي يمجّدها الفيلم. وهذا رد اعتبار لمكتبة الإسكندرية التي نهبتها زوجة الرئيس المصري المخلوع.
ليشاهد دعاة الدولة الدينية الفيلم، وسيوفرون الكثير على مصر وعلى باقي الدول الإسلامية. فالفن الراقي يؤرخ ويستشرف.

* صحافي مغربي