استعدنا هنا، مع بعض التعديل، المعادلة الشهيرة للصحافي الراحل جورج نقاش («نفيان لا يبنيان وطناً»)، لكي نسلّط الضوء، ما أمكن، على عنصرَي التناقض، وبالتالي التأثير والتفاعل، في الأحداث الجارية، هذه المرة، في منطقتنا العربية.

وعنصرا التناقض هنا، ببساطة، هما العنصر الداخلي والعنصر الخارجي. فما يحدث في بلد من البلدان، إنما هو بالتأكيد، ثمرة ما يدور في ذلك البلد من نزاعات وصراعات وتناقضات، بين قواه ومجموعاته، في الحقول السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية.
غير أنّه، وفي هذا الزمان خصوصاً، وبعد تمدّد العولمة إلى كلّ الميادين والمرافق والبلدان، بنسب تكبر أو تقل، لم يعد العامل الداخلي هو وحده ما يحدّد مجريات الصراعات وبالتالي التطوّرات والتوازنات الداخلية في هذا البلد أو ذاك. ويتضخّم فعل العامل الخارجي، بمقدار ما تكون البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية هشّة، ويكون البلد منقسماً، أو تابعاً، أو هو موضع تجاذب ونزاعات إقليمية أو دولية، أو الاثنين معاً.
وفي هذا السياق، يمكن الاستنتاج بسهولة، أنّه بمقدار ما يكون بلد ما قوياً، يكون أقلّ عرضة لتأثير العامل الخارجي. أما البلدان التابعة، الضعيفة والمفكّكة، فتكبر فيها التناقضات الداخلية من جهة، ويزداد في مجريات أحداثها وصراعاتها تأثير العامل الخارجي، من جهة ثانية.
وتقدّم نظرية الصراع الطبقي مساهمة ثمينة في تحديد الأساسي من أسباب ومجريات ما يدور في عالمنا من أحداث، وما ينظّم هذه الأحداث من قوانين، وحتى ما يمكن أن تفضي إليه، وبعد مسار تبيّن أنّه معقّد ومديد، من نتائج ونهايات، هي بدورها غير نهائية في عملية تناقض جديدة لا تنتهي.
وتزخر لوحة الصراعات في تفاعلاتها المحلية ـــــ الوطنية، والإقليمية والكونية، بأشكال شديدة التنوّع من تفاعل العاملين الداخلي والخارجي. ولا يندر، في مناسبات عدّة، كما أشرنا، أن يطغى العامل الدولي على العامل المحلي، وأن تكون له الكلمة الفصل في تقرير مسار الأحداث، ولو إلى وقت محدّد.
إلا أنّه رغم كلّ ما يمكن أن ينشأ من تنوّع وتعدّد، وحتى من مفاجآت أو مفارقات أو مصادفات، يبقى لكلٍّ من العامليْن، الداخلي والخارجي، دوره وفعله وتأثيره في معادلات، يتفاعل فيها أيضاً مستوى نضوج العوامل الذاتية الإرادية، مع مستوى تناقض العوامل الموضوعية. وثمرة لذلك، يولد الجديد، أو تتأخر الولادة بفعل التكاسل وعدم التقاط اللحظة والمبادرة، أو بفعل القوة والإكراه وما شابه من أشكال الإجهاض والإعاقة.
هذه الخريطة البسيطة أو المبسّطة، لحركة الصراعات والتفاعلات في شقّيها المحلي والخارجي، تتعرّض دائماً لأشكال متنوّعة من التشويه المتعمّد من جانب القوى المنخرطة في الصراع، وتبعاً لمصالحها وأهوائها وأهدافها. ومن الشائع في مجرى ذلك، أن يجري إهمال أو تجاهل أو حتى إسقاط أحد العاملين، لمصلحة تكبير أو تضخيم أثر العامل الآخر. وتوفّر لنا أحداث السنوات القليلة الماضية، نماذج ساطعة في تجسيد عملية التشويه المذكورة. ففي أحداث البحرين الأخيرة، جرى إبراز العامل الخارجي (الإيراني) بوصفه العامل الأكثر تأثيراً في إطلاق انتفاضة أكثرية الشعب البحريني ضدّ النظام الملكي القائم. وقد كان ذلك ذريعة لمنع التغيير في البحرين، ولاستقدام قوة من الخارج، من أجل تنفيذ هذا المنع. واليوم، يدور نقاش مرير حول الوضع في سوريا. ففيما تجهد السلطات السورية لتصوير حركة الاحتجاج، في عدد متزايد من المدن السورية، باعتبارها حركة موحى بها من الخارج وغير ذات أساس حقيقي شعبي وسياسي في الداخل، يجتهد خصوم النظام السوري في إخفاء كلّ أثر للتدخل الخارجي، وفي تصوير حركة الاعتراض حركة سورية صافية، بشكل كامل. ويقدّم الوضع اليمني، وكذلك الوضع الليبي، صورة مختلفة في تباين فعل العوامل والتوازنات الداخلية والخارجية. وقد كانت أيضاً لكلّ من انتفاضتي مصر وتونس خصائصهما ومميّزاتهما.
ويتيح ما ذكرناه وما لم نذكره هنا، إعادة التأكيد والتشديد على وجود وحضور وفعل العوامل المحلية والعوامل الدولية في مجريات الأحداث الكبيرة والتاريخية التي يعيشها العالم العربي حالياً. وإذا كانت العوامل الداخلية هي الأساس، من حيث المبدأ، في إطلاق الحدث أو في استمراريته، فإنّ العامل الخارجي ماثل أيضاً: في صيغ مراقبة، أو تعاطف، أو دعم أو تحريض، أو تدخل سياسي وعسكري مباشر أو بواسطة أجهزة الأمم المتحدة ومجلس الأمن أو حلف الناتو.
إنّ معرفة طبيعة التناقضات المحرّكة للأحداث، في شقيها الداخلي والخارجي، أمر جوهري في تحديد البرامج والمواقف، وخصوصاً بالنسبة إلى القوى التقدّمية الديموقراطية.
والخلل في هذا التحديد، يرتّب مواقف خاطئة أو التحاقية ومضرّة دائماً، على نحو ما يحصل في الكثير من الحالات، راهناً. يردّد عدد من ممثلي القوى الوطنية ما يروّج له فريق عربي، من أنّ كلّ ما حصل في البلدان العربية، بدءاً من تونس وصولاً إلى عمان، إنّما هو بفعل مؤامرة خارجية حيكت فصولها في واشنطن وتل أبيب. هكذا ببساطة، تُلغى مبادرات الجماهير ومعاناتها وحقوقها ومطالبها، وتصبح واشنطن هي المتحكّمة على نحو قدري، في مصائر كلّ البلدان والساحات والشعوب.
ويردّد آخرون، من التيار الوطني، كلاماً نقيضاً، يُلغى معه كلّ دور للصراع، الدائر في المنطقة وفي العالم، الذي تنشط فيه قوى الهيمنة ونهب الثروات والتنافس الاقتصادي والسياسي، من أجل تعزيز مواقعها وزيادة نفوذها وحصصها. ألم يختبِر العراق هذا النوع الأخير من مشاريع السيطرة بواسطة الغزو والاحتلال والدمار والقتل، دون أن يلغي ذلك، أبداً، المبرّرات الداخلية الهائلة للاعتراض على النظام الاستبدادي الذي كان يديره صدّام حسين؟ وفي ليبيا، ورغم كلّ الأسباب الكبيرة الدافعة إلى الاعتراض على سلطة الفرد المطلقة، ألا تتولّى واشنطن وحليفاتها الآن، محاولة التحكّم في مجريات الصراع، بما يتفق مع مصالحها، فيستمرّ القذافي وسلطته أو يزولان، تبعاً لما قد تستطيعه الإدارة الأميركية وحلفاؤها الأطلسيون؟
إنّ وضع الحركة الوطنية الديموقراطية، بين سندان الدكتاتورية ومطرقة الطامع الغازي المغتصب الاستعماري، هو أمر يجب الخروج منه بنفيَيْن إيجابيّيْن: لا للمحتل، ولا للدكتاتور!
إنّ شعوبنا تنتفض الآن من أجل الحرية. يحصل ذلك، بسبب القمع والقهر والاستئثار والنهب والفساد والتبعية، وأمور شائنة أخرى تمارسها الأنظمة، لكنّ هذه الأنظمة تتفاوت في ولاءاتها وفي علاقاتها مع قوة الهيمنة العالمية الممثلة بواشنطن وحلفائها، وخصوصاً بالقوة العدوانية إسرائيل الصهيونية في منطقتنا. وتقود واشنطن بعد مفاجآتها وشركاءها بسقوط حليفين أساسيين لهما في كلّ من مصر (خصوصاً) وتونس، حرباً حقيقية، لتقليص الخسائر ولإلحاق هزائم بقوى لم تمتثل لإملاءاتها في حروبها الأخيرة في المنطقة، وخصوصاً غزو العراق في 2003، وغزو لبنان في 2006، وغزة أواخر 2008.
إنّ رؤية كلّ تلك العوامل في تناقضاتها وتفاعلها، ووفق الأحجام الموضوعية، هي ما تجعل التحليل «ملموساً» والاستنتاج صحيحاً وثورياً، لأنّها تساعد، أساساً، على صياغة الموقف والبرنامج الوطنيين الثوريين، من وجهة نظر الأكثرية الشعبية والمصالح الوطنية في آن واحد. أما الاكتفاء بجانب واحد من المشهد، ونفي الجانب الآخر، فلن يقودا أبداً إلى تبيان الحقيقة التي قيل إنّها دائماً ثورية.
* كاتب وسياسي لبناني