أطل أحد ممثلي تيار قومي عربي يميني، قبل أيام ، يعلن، بلا حشومة، أن طريق استعادة العراق عافيته يكمن أيضاً في إشراك «مكونات» الشعب العراقي كافة في الحكم [كذا!]. وبكلمات أخرى، يشعر ذلك القومي والوحدوي، أن إبعاد «أهل السنة والجماعة»، وفق تعريفه الوهابي طبعاً، عن دائرة اتخاذ القرار والتحكم في مصير الشعب العراقي أحد أسباب الإرهاب والفوضى المستشريين في العراق.


مع أن ذلك التيار، وغيره، من قوميي القرن الحادي والعشرين، لا يملكون أي تأثير في أي شارع عربي، بل ولا حتى في حارة في أقصى قرية في أي من بلاد العرب والأعراب، إلا أن مغزاه يكمن في أنه يعكس مدى الانحدار الذي وصل إليه البعض الذي يحاول منافسة الإسلام السياسي في ميدانه، متخلياً عن أسس الفكر القومي الذي استبدل الجامعة الوطنية/القومية بالجامعة الدينية المذهبية. من المعروف أن الجامعة القومية، عِلمَانية، أي تقف محايدة تجاه دور الدين، أي دين، في الحياة العامة، لكن لا تعاديه، ونشأت في أوروبا بديلة من الجامعة الدينية والمذهبية عقب الحروب المذهبية التي أتت على ربع سكان غرب القارة في القرون الوسطى. أما الفكر القومي العربي العِلماني، فقد نشأ بتأثير الحركات القومية الأوروبية، وحقق ممثلوه العَقِديون أهدافاً مهمة في بلاد الشام منها مساهمته في ولادة التيارات اليسارية المعادية للاستعمار ولحيتان رأس المال والإقطاع الخاضعين لقيادات تقليدية استخدمت المذهبية لتوطيد زعامتها المتخلفة والتفرد بالسلطة والقيادة، وبالتالي التحكم بمصادر الثروة ومصاردتها لجيوبهم.
الفكر القومي اليميني، الذي ولد في منتصف القرن الماضي، لم يقم على أرضية فكرية، وإنما كان نتاج ما يمكن تسميته «هبة عربان» - عليهم عليهم! هذه النقيصة المعرفية لدى القوميين اليمينيين دفعت ببعض قومجيي القرن الحادي والعشرين، الغارقين في الفكر المذهبي المستتر، لاتهام الغير بالتنظير [كذا!].
عندما بدأ قومجيو القرن الحادي والعشرين يحسون بالهزائم المدوية والمذلة التي ألحقوها بنا بسبب سياساتهم الانتهازية النفعية اليمينية الممالئة للاستعمار، أخذوا يقحمون الدين المذهبي محاولين استخدامه رافعة لهم، فأخطأوا مشية تيارات الإسلام السياسي وابتعدوا من أسس الفكر القومي، فخسروا الاثنين.
نحن لم نُعجب يوماً بأي نظام عربي، لكن من حقنا السؤال إن كان مسموحاً قومجياً تقديم المسوغات للحركات المذهبية «السنية» فما حكم حركات أخرى قد تنشأ بين «المرتدين المتاولة الشيعة والروافض والنصيريين الكفرة والنصارى الكفار المرتدين والدروز والإيزيديين عبدة الأوثان والسُّمرة عبدة النار وغيرهم ممن هم ليسو من «أهل السنة والجماعة» وفق التصنيف الوهابي العصرحجري!، التي تعاني في أوطانها ما تعاني منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من ويلات الإقصاء من الحكام وأتباعهم من الجهلة! أليس وجب، من ذلك المنظور المذهبي الأعوج والمنحرف، تفهّم دوافع أي حركات قد يطلقونها، بل وحتى تأييدها، أم أن المسوغات المَرَضِيَّة حكراً على طرف دون آخر؟!
للتذكير، ثم إننا وبكل أسف لا نرى سوى حزبين من «أهل السنة والجماعة»، متحاربين، يكفر كل منهما الآخر، أما المؤمنون فيقفون تائهين حيارى إزاء هذا المشهد الدامي.
ننحن ضد جوهر نظام الحكم في العراق ليس لأنه ينتقص من حقوق طرف ما، بل لأنه ضار بكل شعب العراق. ثم أي فكر قومي هذا في القول: إن مكونات الشعب العراقي طائفية وأقليات؟ هذا ليس كلام قوميين وإنما نتاج فكر طائفي مكشوف.
مكونات الشعب العراقي، من منظور فكري قومي هي الطبقات والفئات والشعوب والأقوام والقوميات، وليس الطوائف الدينية والجماعات المذهبية.
لقد أخفقتم في الماضي ومازلتم ونحن الشعب ندفع أثمان هزائمكم. فأنتم فلا تتقنون أي أمر سوى عقد مؤتمراتكم البائسة في أفخم فنادق بلاد الأعراب وتسول رعاية إياهم من أصحاب الجلالة والسمو ومارشيلات رقع الشطرنج . فارحلوا عنا إلى صحاريكم وبواديكم الجرداء.