الاضطراب الزلزالي الكبير الذي يضرب منطقة الشرق الأوسط غير مسبوق لجهة ما حمله من صراعات دامية ودمار رهيب وممارسات همجية مروِّعة ما زالت تؤدي وظيفة قذرة بتدمير شواهد التاريخ الحضاري لهذه المنطقة. كما تخدم، بهذه الطريقة أو تلك، أهداف جهات استعمارية متآمرة ومحلية تابعة وشريكة (ساهمت هي أيضاً في التأسيس والدعم) ما زالت تواصل محاولاتها للسيطرة على المنطقة وثرواتها وموقعها. كما تخدم أيضاً أهداف الحركة الصهيونية الممعنة في مشروعها الاغتصابي التوسعي على حساب الشعب الفلسطيني وكل المصير والمصالح العربيين.


يصر البعض على وصف ما حدث ويحدث في المنطقة، منذ بداياته في أواخر عام 2010 إلى محطاته الدموية الراهنة التي لا تترك وراءها إلا الموت والخراب والكوارث، بأنه أول «ربيع» في هذه المنطقة أو هو ربيعها الذي تأخر. كانت هذه التسمية ملائمة ربما، نسبياً، للبدايات فقط: قبل أن يندلع القمع ويستشري التآمر ويتعاظم الإجرام والقتل والدمار. وأنكر البعض الآخر، المتضرر، منذ البدايات، أي طابع إيجابي لاندلاع الاحتجاجات الشعبية الشبابية حتى في صيغها العفوية السلمية ومطالبها المتواضعة والجزئية والمحدودة في مراحلها الأولى. من هنا وهناك، سرعان ما أصبح التحرك الشعبي الشبابي ضحية الاستغلال المغرض من قِبل جهات إقليمية ليس في رصيدها إلا التسلط والتفرد والنهب والتبعية والفساد والتخلف... أو ضحية الحذر والرفض من قبل فئات مارست، عبر السلطة، الكثير من أشكال الاستئثار والاستبداد والقمع بذريعة «الصمود والتصدي»، وكأن المشاركة والديمقراطية هما نقيض الوحدة والعروبة والتحرير والاشتراكية! ربما لم يحن الوقت بعد لكتابة تاريخ وحقائق هذه المرحلة بكل سلبياتها الكثيرة وإيجابياتها القليلة أو النادرة.
لكن اللوحة السوداء المعقدة الراهنة، لا ينبغي أن تحجب، رغم كل ذلك، بعض مؤشرات مخاض عسير ومعقَّد وطويل بدأت تلوح تباشيره، بشكل واضح، هنا وهناك وهنالك.
لنبدأ من أن «النظام المستقر» في المملكة العربية السعودية، والذي هو أحد قلاع المحافظة والجمود والاحتكار والتبعية، قد بدأ يواجه تحديات خارجية واحتجاجات وأسئلة داخلية، غير مسبوقة. إن الفريق الذي ورث العرش والسلطة بوفاة الملك عبدالله قبل حوالى ستة أشهر يخوض الآن معارك عسكرية لم يكن معتاداً عليها ولا مضطراً لها، بهذا الحجم والاتساع والمخاطر، في أي مرحلة من تاريخه الحديث. وهو في المقابل يواجه تململاً اجتماعياً وسياسياً استطاع كبته لعقود طويلة: من حرمان المرأة أبسط حقوقها، إلى احتكار السلطة والثروة والسياسة، إلى مشكلة التمييز بين المواطنين بأبشع ما يكون التمييز في حقول الاقتصاد والتنمية والخدمات، إلى مسائل فقه التكفير وما يتصل به من الإقصاء والاضطهاد والحرمان والنيل من الكرامات والحريات...
وتواجه المملكة، في هذا الظرف بالذات أيضاً، مشكلة، متفاقمة هي الأخرى، في علاقاتها الخارجية، وخصوصاً مع الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس باراك أوباما. وهي ليست مشكلة «عابرة» يمكن أن تزول بمجرد انتهاء ولاية أوباما في نهاية السنة المقبلة. إنها مشكلة برزت قبله، على الأقل منذ تفجيرات 11 أيلول 2001، وستستمر طالما أن الجديد يتراكم، وطالما أن النظام السعودي يستمر جامداً في مواجهة هذا العالم المتغيِّر والمتطلِّب والمتحدي... هذا المخاض في قلب المجتمع السعودي والشاب منه خصوصاً، لن يعالج بالقوة والتخويف ولا بالرشوة والتأجيل. إنه مخاض مفتوح سيفضي، في يومٍ لن يتأخر إلى الأبد، إلى فرض تغيير جوهري في المملكة التي لن تتمكن من الحفاظ على «استقرار» أو حتى بقاء نظامها الهرم والمولِّد الأكبر للجمود والتمييز والاستئثار على مستوى المنطقة برمتها.
بوادر المخاض المذكور تشمل الميادين والحقول السعودية كافة بما فيها الإعلام الرسمي نفسه الذي لم يعد يستطيع تجاهل المشكلة أو بعض تعبيراتها الجزئية في حضورها وتأثيرها العنفي أو السلمي.
على المقلب الآخر، تدير القيادة الإيرانية، بوصفها الطرف الثاني الأبرز في معادلة الصراع والتنافس على الأدوار والنفوذ والتأثير، أزماتها بقدرة أكبر من الواقعية والمرونة والقبول بسلوك سبيل التغيير. الاتفاق الذي توصلت اليه بشأن ملفها النووي مع الغرب الأميركي والأوروبي خصوصاً هو مؤشر مهم على انعطافة بدت ضرورية بعد استنفاذ أغراض وأدوات مرحلة سابقة (في التعبئة خصوصاً) وبعد بروز صعوبات وتحديات لم يعد ممكنناً التعامل معها بالأسلوب القديم. أعلن الرئيس حسن روحاني بانتصارية متحدية (أساساً لـ«متشددي» الداخل) «أن توقيع الاتفاق النووي يشكل صفحة جديدة في التاريخ لم تحدث في 14 تموز (عند توقيعه) بل في 4 آب 2013 عندما انتخبني الإيرانيون رئيساً»! وليس بعيداً من هذا التاريخ والكلام، صرح، يوم الثلاثاء الماضي محمد جواد ظريف وزير خارجية إيران ونجم المحادثات و«الاتفاق النووي» والمرحلة، بعد لقائه وزير خارجية الاتحاد الأوروبي: «إيران والاتحاد الأوروبي اتفقا على إجراء محادثات في شأن مسائل بينها قضايا إقليمية ومواجهة الإرهاب وحقوق الإنسان والتعاون في الطاقة والنقل والتجارة والبيئة وآفة المخدرات...».
هذا تغيير كبير في أساليب الصراع، ومن ثمَ التوجهات، من قِبل القيادة الإيرانية. وهو أسلوب أثار ويثير قلق «المتشددين» خصوصاً أن «المرشد» السيد علي خامنئي أجازه بقوة، كما ظهر حتى الآن، وكما سيظهر، على الأرجح، في الانتخابات البرلمانية المقبلة في شباط المقبل. لا ينبغي أن تكون ممارسة الاستبداد الأسلوب المفضل لقوى «الممانعة» في ممارسة السلطة وفي الاحتفاظ بها! ولا ينبغي أن يكون التفريط بالحقوق الوطنية والقومية متلازماً مع ممارسة شيء من المشاركة والتسامح والديمقراطية من قبل هذه السلطة أو تلك. إننا نعيش، كما تقدم، مخاضاً لا يقتصر نطاقه وفعله على المملكة السعودية والجمهورية الإسلامية، بل هو يشمل، بدرجات متفاوتة، معظم دول المنطقة.
ويترافق هذا المخاض المرير مع خسائر مخيفة تتعاظم كل يوم وفي كل الحقول، في امتداد مسار طويل من استشراء العصبيات والفئويات والاستبداد والظلم والاستغلال والاستعمار (خصوصاً)، وكذلك في امتداد تاريخ وسجل غير مشرفين تميَزا بالقمع والفساد والتبعية والتخلف... ونحن محكومون، بسبب ذلك وفي ضوء تجربة طويلة من الخيبات والإخفاقات والهزائم، بأن يكون المشروع المنشود لبناء نهضتنا وصحوتنا التحررية ذا برنامج متعدد ومتكامل ومتنوع الأبعاد: السياسية والتحررية والتنموية والتشاركية والإجتماعية، حتى عندما تفرض أولوية ما نفسها على هذا البرنامج وقواه، في هذه المسألة أو المرحلة أو تلك. قال رجل تونسي مخضرم بفرح مؤثر في موقف لم يغب، حتى بعد مرور حوالى خمس سنوات عن الأذهان: «لقد هرمنا»... حتى نصل إلى هذه اللحظة! وفي المقابل، لا يمكن أن تغيب أبداً، وربما لعقود، من الذاكرة والضمائر، صور الذبح والنحر وقطع الرؤوس وتدمير العمران والحضارة... بين هذا وذاك يشق التقدم مساراً صعباً وطويلاً ومليئاً بالأشواك والمعوقات. إنه مسار معقَّد يسبق فيه، بمراحل طويلة، التقدم العلمي التقدم الاجتماعي. بل إن منجزات العلم تستخدم، في أحيان كثيرة، لممارسة شتى أنواع الشرور، ما ألهم ألفرد نوبل، مخترع سلاح الديناميت القاتل، ومن تابع سيرته ومسيرته، اشتقاق معادلة السلام في مقابل القتل والدمار: فجرى تأسيس جائزة نوبل الشهيرة. بين نفاق وانتهازية المهللين لـ«الربيع العربي»، وبين الرافضين لكل ربيع إذا نال من بعض امتيازاتهم وسلطانهم وفئوياتهم، تبقى معادلة الشاعر والفيلسوف أبو العلاء المعري (لا أبو فراس الحمداني) هي الأرقى والأنبل والأبقى:
فـلا هطلـت علي ولا بأرضـي سحائـب لـيس تنتظـم البـلاد

* كاتب وسياسي لبناني