يحاول نبيل العربي الاستدارة باتجاه سوريا عبر بعض تصريحاته الأخيرة بعد سنوات أربعة كأنها قرون، مورست فيها على المنطقة العربية وعلى سوريا بشكل خاص كل أنواع التأزيم والتخريب والتقسيم غير المسبوقة عبر الأيدي «العربية والإسلامية». وتحولت الجامعة العربية خلالها إلى مكان لقذف التهم والأضاليل ونشر الرواية الملفقة عن الأحداث السورية الجارية، كما تختص بتجميع كل تناقضات المعارضة السورية للعمل على توحيدها، وصارت منبراً لشخصيات معارضة غير ذات صفة وطنية أو تمثيلية يجلسون في مقعد سوريا، الدولة المؤسسة للجامعة العربية للتحريض المستمر عليها.


دور غريب ومستجد مارسته الجامعة العربية بعد انطلاق «الربيع العربي» من ابتزاز لبعض الأنظمة الحاكمة، والعمل الذي انخرطت فيه بالتضييق عليها، وتسطير قوانين مستعجلة مناقضة بشكل وقح لميثاقها المؤسس.
بدأت «بروفا» تدخّل الجامعة العربية حديثاً في الثورة المفبركة والمستوردة قسراً بقوات «الناتو» إلى ليبيا تحت ذرائع التدخل العسكري «الإنساني». كانت الجامعة العربية تتحرك حينها بشكل فاعل غير مسبوق في تاريخ طويل من العجز والخمول والفشل، تحت تأثير فائض قوة وغطرسة متوهم شعرت به دولة قطر ممثلةً برئيس وزرائها السابق حمد بن جاسم، وليتحول نبيل العربي الى ظل باهت كالح له لا يكاد يميز له المتابع إلا أصداء قول الوزير القطري.
أعطيت كل الإشارات اللازمة لدولة المنطاد الغازي لإطلاق ثورات الربيع العربي، وباتت قطر ممثلاً حصرياً له، ووسيطاً تجارياً واقتصادياً دفع لأجله بواهظ عوائد النفط والغاز المسال من دون تردد. وانفردت الدوحة بكونها موئلاً لكل المتمردين على السلطات العربية، ومركزاً لتجميعهم في «مجالس وطنية» مسبقة الصنع، لإسقاط الأنظمة وترك مجتمعاتها لتفاعلات الفوضى والسلاح أو تكتفي بممارسة الضغوط السياسية على بعضها الآخر، وتهديدها بنقل حراكاً ثورياً إليها، فصرف «إعلام» قناة الجزيرة مصداقيته التي جمعها قرابة عقدين في سنتين أو أقل من زمن صار فيه الحاكم القطري السابق حمد بن خليفة أميراً متوجاً للربيع العربي، قبل أن تطيح به الرغبات الخارجية لفشله في سوريا ولخروج بعض أدواته الإسلامية في ليبيا عن النص المرسوم واقترافها المحظور بقتل السفير الأميركي في بنغازي.


أي لوثة هرمونية
لعينة أصابتها فأقامتها من رقادها الطويل
وعجزها الأبدي؟!


اختارت «الجامعة» في سوريا مبكراً إغفال استخدام السلاح في الصراع الدائر وتجاهلت لجنة التحقيق التي أرسلتها بقيادة الجنرال السوداني مصطفى الدابي وفريقه، ولم تعر تقريره المنصف أي اهتمام. فصارت تدعم تغيير النظام بقوة السلاح في البداية، وباتت طرفاً مشبوهاً قبل أن تحول الملف السوري كما سابقه الليبي إلى مجلس الأمن، لتبرر تدخلاً دولياً يهدد بإسقاط النظام بالقوة المسلحة تحت سطوة الفصل السابع والتحالفات الدولية التي اختصت مؤخراً بتنفيذ فلسفة برنارد هنري ليفي في إسقاط الأنظمة «المعاندة» تحت ذريعة حماية المدنيين، كما حدث في ليبيا.
وهنا تتقاذف أسئلة مُلحٌّة بإجابات معروفة: متى كانت الجامعة العربية فعالةً إلى هذا الحد؟! وأي لوثة هرمونية لعينة أصابتها فأقامتها من رقادها الطويل وعجزها الأبدي؟! وما الذي ضُخَّ في عروقها المتيبسة فأصابها بفرط النشاط والهذر الثوري فأصبحت كالبلهاء المجنونة التي تقتل أولادها؟!
حدث ذلك عندما أُريد لها أن تقوض الدول العربية، أو أن تعطي «الشرعية» اللازمة والضرورية لتمرير حروب التخريب والتقسيم والتفتيت لدمار بعض دولها الأعضاء عبر حروب «الناتو» وسطوة الفصل السابع. لعبت الجامعة العربية تحت رئاسة عمرو موسى وخلفه نبيل العربي دور «المحلل الشرعي» و«كوبري» وطنية لتوفير الشهادة المزورة لإسقاط حكم الزعيم القذافي ومحاولة إسقاط الدولة السورية. خضع نبيل العربي كما سلفه للرغبات النفطية المجنونة وللأوامر والإملاءات المقبلة من بعيد. نتذكر عندما أشار أحد وزراء خارجية إحدى الدول الخليجية لعمرو موسى ونهره بقوله: «نحن من ندفع ثمن السيجار الذي تدخنه»، بينما شابت علاقة نبيل العربي ببعض هذه الدول الكثير من إشاعات الاستفادة العائلية المالية.
إن إعادة دعوة سورية إلى الجامعة العربية على ما فيه من الإغراء السياسي المهول في الظروف الصعبة التي تمر بها الدولة السورية والنظام السوري الذي يبحث عن شرعية إقليمية، بعد أن شرعت معظم الدول العربية في وجهه سلاح المقاطعة خضوعاً لسطوة مال الرجعيات العربية والرأي العام المهيمن. كل ذلك يشبه استدراجاً للعودة إلى هيئة اتهمت طوال تاريخها منذ التأسيس في عام 1945 بالفشل والعجز والكسل، وعندما بدأت بالتنفيذ دخلت بقدميها إلى حظائر التآمر على الأمة العربية، وأصابتها لوثة النفط ودوخها الغاز المسال، فراحت تطحن عظام أولادها من دون رحمة وتشرب أنخابها من دمائهم حتى آخر قطرة.
قد يكون لحسابات الأنظمة السياسية والظروف الخانقة المحيطة بها الدور المهم في تقييم طبيعة الرد [الرسمي والمعارض] السوري على مثل هذه الدعوات التي تطلب بمد خطوط التواصل مع الجامعة العربية من جديد، لكن الأكيد أن الرد الشعبي السوري وعلى جانبي ضفاف الاصطفاف السياسي سيكون مخالفاً ورافضاً للعودة إلى هذا الحضن الآثم والمقر المشبوه. فالجامعة العربية ليست إلا تعبيراً عن فشل النظام العربي السياسي وأحد تداعياته، ومع فشلها ودورها المشبوه يجب أن يهال عليها الكثير من التراب وتنزع صفحتها من الأجندة العربية الى الأبد.
وتجب إضافة اسم أمينها العام إلى سلسلة الحكام الآفلين والذين تورطوا في الحرب على سوريا وليبيا والعراق واليمن، ولا بد من بحث جديد عن طرق جديدة أصدق تمثيلية لشعوب المنطقة ونظمها الحاكمة.
بات واضحاً أن المآزق المصيرية الراهنة التي وقعت بها الدول النفطية المتضخمة التي هيمنت على سياسة الجامعة العربية خلال العقد الأخير، بالإضافة إلى السيولة والامتداد السريع غير القابل للاستشراف لتغول الإرهاب في الإقليم والحرائق التي باتت تشب في أثيابها وبناها الداخلية، وما استدعاه ذلك من ضرورة حشد الأضداد الإقليمية لمواجهته «حسب الرغبة الروسية هذه المرة» كانت من الأسباب الأساسية لاستدارة نبيل العربي وجامعته في تقاربه المعسول مع سوريا.
أذكر من طفولتي حادثة تخص الجامعة العربية، وقعت في الصف السادس الابتدائي مع أحد أصدقائنا، من القرية المجاورة، التي لا تبعد منها إلا كيلومتر واحد، إلا أن لهجته كانت - كما لهجة كل أهل قريته وكثير من البدو - غريبةً وطريفةً على أسماعنا في القرية. أذكر كم ضحكنا جميعاً أول مرةٍ ونحن نسمع صديقنا البدوي الذي كان يشاركني المقعد ذاته، وهو يعدد أهم أهداف إنشاء الجامعة العربية في عام 1945، ومنها - بحسب مناهجنا في سوريا - الوقت ذاك: مساعدة الدول المستقِلة (بكسر القاف)، ومحاربة الدول المستغِلة (بكسر الغين).
وكان المقصود أن الجامعة العربية أنشئت لتساعد الدول العربية المستقلة حديثاً أو التي في طور الاستقلال في وجه الدول المحتلة لها والمستغِلة لخيراتها. كان صديقي القناطري ينطقها بلهجته المشابهة للهجة أمير قطر السابق حمد (الذي يقول عن غزة: قزة)، وتشبه لهجة ذاك الذي سأله السائلُ: هل صحيح أنكم تقلبون في كلامكم القاف غيناً والغين قافاً؟ فأجابه متعجباً: استقفرُ اللهَ من غالَ هذا الغول؟! فقلب صديقي القاف غيناً والغين قافاً فأصبحت العبارة: إن من أهداف إنشاء الجامعة العربية مساعدة الدول المستغِلة ومحاربة الدول المستقِلة.
اليوم نكتشف أن ما أضحكنا كثيراً، وأغضب أستاذنا كلَّ مرةٍ كان يعيدُ فيها صديقي البدوي العبارةَ، سيكون مصدر مآسي متكررة لشعوب عربية كثيرة ودول عربية كبرى، فيصبح هذا «المقر المشبوه» المسمى بالجامعة العربية سبباً أساسياً في تخريب العراق وليبيا وسوريا واليمن وفلسطين وشاهد زور على كل النكبات والنكسات والإخفاقات العربية.
وقد تفاجئنا الجامعة بأنها تشكل قوى عسكرية (كما حدث أخيراً في القاهرة من تشكيل قوة عربية لدعم الدول الخليجية وبسطوة المال النفطي)، ضمن أحلاف عسكرية لخوض حروب للحفاظ على شرعية بعض الأنظمة أو إسقاط غيرها، من دون أن تستكمل قسطها في التوسط السلمي بين الأطراف المتنازعة في البلد العربي الواحد.
اليومَ، كما ندرك أن على الفلسطينيين ألا ينسوا أن من أجهض ثورتهم الكبرى عام 1936 كانوا القيادات «العربية» المتعاملة مع الاحتلالين البريطاني والفرنسي وأذياله في المنطقة، فإن على السوريين - كما على الليبيين والعراقيين الشرفاء - أن يتذكروا أن الجامعة العربية وقياداتها خلال المرحلة 2003-2013 وبعض مشايخ النفط والغاز والرجعية العربية قد قاموا «بالتذلل» أمام «مجلس الأمن الدولي» لضرب بلداننا وتخريبها من دون وازع من ضمير أو نخوة أو شرف. لذا قالها كثير من السوريين: يجب أن نحفرها بعقول أبنائنا وقلوبهم وأن نسجلها في كتب التاريخ التي سيقرؤونها، وأن نعلنها بصوت مدوٍ أننا ضد أي رئيس أو حكومة سورية أو أي جهة تعيد ارتباط سورية بهذه الجامعة الساقطة.
فلم يعد لها سبب للوجود إلا لتبرير سياسات التخريب والتهديم والتقسيم في الوطن العربي. يجب البحث الحثيث عن اتحاد شعبي بين الشعوب العربية التقدمية بدلاً عن جامعة الفشل تلك. بقي من اسم هذه «الجامعة العربية» ما بقي من اسم أمينها العام نبيل «العربي». وسواء تراجع العربي عن تصريحاته أو ظل عليها (فلا شيء جديداً ولا شيء غريباً عليه، كله متعلق بالأهواء النفطية) فقد سقطت جامعة التآمر منذ زمن بعيد، ودفنها وأبّنها السوريون والفلسطينيون واللبنانيون والليبيون والعراقيون وقريباً سينضم إليهم اليمنيون.
* كاتب سوري